{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(08)سافر معي في المشارق والمغارب :: (07)سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب :: (04)سافر معي في المشارق والمغارب :: (03)سافر معي في المشارق والمغارب :: (02)سافر معي في المشارق والمغارب :: (01)سافر معي في المشارق والمغارب :: (018)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع

(022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع



إن الأخوة الإسلامية تقتضي الوصل والرحمة والتزاور والمودة، وإن الهجر والقطيعة يناقضان ذلك، فلا يجوز للمسلم أن يقطع وصل أخيه المسلم أو يهجره، والأصل عدم جواز ذلك مطلقاً، ولكن الشارع راعى الفطرة البشرية، فأجاز للمتغاضبين أن يتهاجرا ثلاثة أيام مع كراهة ذلك ونهى عما زاد.



فقد روى أبو أيوب الأنصاري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) [البخاري (7/91) ومسلم (4/1984).]. وفي حديث أنس، رضي الله عنه، مرفوعاً: (.. وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال) [البخاري (7/91) ومسلم (4/1983).].



وورد في المتهاجرين وعيد شديد، جعلهما شاذين بين أهل القبلة، حيث يغفر الله لكل من لا يشرك به شيئاً يومي الاثنين والجمعة الذين يفتح الله فيهما الجنة في كل أسبوع، إلا من كان منهم بينه وبين أخيه شحناء وهجر.



كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا) وفي رواية: (إلا المتهاجرين) [مسلم (4/1987).].



وأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على من وصل من قطعه، وأخبره أن الله معه على ذوي القطيعة، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رجلاً، قال: يا رسول الله، إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: (لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسٍفُّهم الملَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك) [مسلم (4/1982)، والمل معناه الرماد الحار كما قال النووي في شرحه على صحيح مسلم كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم.].



وقد أثر هذا الأدب النبوي في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يشق على أحدهم أن يهجره أخوه، ويبذل قصارى جهده في إرضائه، حتى يعود إلى صلته، ويبعث إليه الشفعاء، وكان الذي تغلبه منهم بشريته، فيهجر أخاً له أكثر من ثلاث، يندم على ذلك وتذرف عيناه الدموع، إذا ذُكِّر، حسرة على ما بدر منه.



تأمل قصة عائشة مع ابن أختها عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهم، فقد حدثت أن عبد الله ابن الزبير، قال في بيع أو عطاء، أعطته عائشة: لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟! قالوا: نعم. قالت: هو لله على نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله، لا أُشَفِّع فيه أبداً، ولا أتحنث إلى نذري.



فلما طال ذلك على ابن الزبير، كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي.



فاقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما، حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم، ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها: إلا ما كلمته وقبلت منه، ويقولان: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما عملتِ من الهجرة. فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة التذكرة والتحريج، طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت، والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها [البخاري (7/90).].



وإنما كان الهجر منافياً لمقتضى الأخوة الإسلامية، لما فيه من الصدود والأضغان، ولما يحدثه في نفوس المتهاجرين، من النفرة والظنون السيئة التي يوسوس بها الشيطان لكل منهما في الآخر، بأنه يبغضه ويغتابه ويدبر له المكايد، فيفقد كل واحد منهما الثقة في أخيه، ولا يأمن كل منهما الأخر، وقد يوسع دائرة سوء الظن أعداء الأخوة الإسلامية من أهل النميمة والغيبة والتجسس، فيورون نار العداوة ويزيدون اشتعالها.



وهذا يقع كثيراً في نفوس المتهاجرين، فإذا وصل كل منهما صاحبه عرف كل منهما أن ما كان يظنه في أخيه غير موجود، وأن الشيطان وأتباعه كانوا يوسوسون لكل منهما بالباطل، فتعود ثقة كل واحد منهما بصاحبه وائتمان كل منهما للآخر، وذلك ما يحزن الشيطان لعنه الله.



ولقد رأيت ذلك بنفسي ما حصل بين بعض الإخوة اللذين كانوا متحابين متعاونين على البر والتقوى من سوء ظن، حيث حدث بينهما ما جعل بعضهما يسيء الظن بالآخر، حتى فقدا ما كان بينهما من ود وحب، فلما اجتمعا وتم الوصل بينهما، عرف كل منهما أن ما كان يظنه بالآخر غير صحيح، بل هو من سوء الظن، فبكيا وتعافيا ورجعا إلى ما كان بينهما قبل سوء الظن.



التهاجر القاتل!



ولقد ابتليت الأمة الإسلامية، بأفظع التدابر والتقاطع في عصورها المختلفة بعد العصور النيرة التي أثنى عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو تفرقها إلى دويلات لا تتدابر وتتهاجر فقط، بل تتقاتل وتتفانى بين دول ودول، وبين حكومات وشعوبها، واذهب إلى الكعبة المشرفة، وقف في بعض جوانبها، وتذكر أن جميع المصلين من المسلمين يكوِّنون في الأرض دائرة كبرى حولها، وكلهم يتجه في صلاته إليها، مطيعا في ذلك قول الباري تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)} [البقرة]



ثم انظر إلى بلدان المسلمين وأنت في هذا المقام العظيم، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، واحكم هل ترى هذه الأمة التي تتجه إلى قبلة واحدة من كل بقعة في الأرض، تطيع ربها الذي أمرها بالاعتصام بحبله، وبطاعته في أمره ونهيه فيما بينها؟ أو تعصيه في ذلك بإسالة بعضها دماء بعض، وانتهاك بعضها أعراض بعض، وتعدي بعضها على ضرورات بعض، وهل تنعم اليوم بنعمة الله التي وعد أهل قبلته بإتمامها عليها، أو بنقمته التي حذرهم منها كما حذر جميع بني آدم: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً...(124)} [طه] ؟



ألا إنها كوارث وفتن محزنة مبكية، تكاد تُطِير العقولَ من أدمغتها، والقلوبَ تتفطر في صدورها من الحالة التي أصبحت عليها أمة التوحيد والوحدة والاعتصام بحبل الله والأخوة فيه!



هجر مشروع:



هذا وليعلم أن الهجر مشروع للعصاة فوق الثلاث، تأديباً لهم وإشعاراً بأنهم خارجون عن آداب المجتمع وطريقه المستقيم، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه مع كعب بن مالك وزميليه، حيث هجروهم خمسين ليلة، حتى نزلت توبتهم من عند عز وجل.



كما قال تعالى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة:118 وراجع قصة كعب وزميليه في صحيح مسلم (4/2120 وما بعدها..).]..



وإذا كان الهجر مشروعاً جاز أكثر من ثلاث، كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله: "وفيها ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث، فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعياً" [فتح الباري (8/124).].

وخص ابن تيمية الهجر المشروع "ثلاثة أيام" بالمظلوم يهجر ظالمه فيها، وليس له أن يهجره فوقها، ورأى أن الزيادة عليها مشروعة في حق الله تعالى، تعزيرا لمن ارتكب ذنبا، فقال في الأول: وهو هجر المظلوم لظالمه: "وللمظلوم أن يهجره ثلاثًا، وأما بعد الثلاث فليس له أن يهجره على ظلمه إياه، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يحل لمسلم أن / يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصد هذا، ويصد هذا، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام‏)‏‏.‏ "

وقال في الثاني: "وأما إذا كان الذنب لحق الله كالكذب، والفواحش، والبدع المخالفة للكتاب والسنة، أو إضاعة الصلاة بالتفريط، وواجباتها، ونحو ذلك، فهذا لا بد فيه من التوبة، وهل يشترط مع التوبة إظهار الإصلاح فى العمل ‏؟‏ على قولين للعلماء، وإذا كان لهم شيخ مطاع فإن له أن يعزر العاصى بحسب ذنبه تعزيرًا يليق بمثله أن يفعله بمثله، مثل هجره مدة‏.‏ كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة المخلفين ‏."‏

وقال في موضع آخر: "نعم، صح عنه أنه هجر كعب بن مالك، وصاحبيه ـ رضي الله عنهم ـ لما تخلفوا عن غزوة تبوك، وظهرت معصيتهم، وخيف عليهم النفاق، فهجرهم وأمر المسلمين بهجرهم، حتى أمرهم باعتزال أزواجهم من غير طلاق خمسين ليلة، إلى أن نزلت توبتهم من السماء‏.‏ وكذلك أمر عمر ـ رضي الله عنه ـ المسلمين بهجر صَبِيغ بن عسل التميمي، لما رآه من الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب، إلى أن مضي عليه حول، وتبين صدقه في التوبة، فأمر المسلمين بمراجعته‏.‏ فبهذا ونحوه رأي / المسلمون أن يهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع، الداعين إليها، والمظهرين للكبائر، فأما من كان مستترًا بمعصية أو مسرًا لبدعة غير مكفرة، فإن هذا لا يهجر، وإنما يهجر الداعي إلى البدعة؛ إذ الهجر نوع من العقوبة، وإنما يعاقب من أظهر المعصية قولا أو عملا‏." [مجموع الفتاوى]‏





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8679339

عداد الصفحات العام

419

عداد الصفحات اليومي