{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (22)} [المجادلة]
(01)سافر معي في المشارق والمغارب :: (026)سافر معي في المشارق والمغارب :: (025)سافر معي في المشارق والمغارب :: (024)سافر معي في المشارق والمغارب :: (023)سافر معي في المشارق والمغارب :: (022)سافر معي في المشارق والمغارب :: (021)سافر معي في المشارق والمغارب :: (020)سافر معي في المشارق والمغارب :: (019)سافر معي في المشارق والمغاري :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(026)أثر التربية الإسلامية في المجتمع الإسلامي

(026)أثر التربية الإسلامية في المجتمع الإسلامي

الفرع الثالث: نماذج تطبيقية لأثر التربية الإسلامية في الفرد

لقد أثَّرت التربية الإسلامية في المسلمين تأثيراً ما كان أحد يتوقع حدوثه في الأرض، لم يتوقعه أحد ممن لم يذق طعم الإسلام وما يحدثه في النفوس من تغيير، وسلوك أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، يدل على مدى ذلك التأثير. ولنضرب لذلك ببعض الأمثلة:

المثال الأول: سرعة التنفيذ امتثالاً واختياراً:

إن الأمور التي يعتادها الناس لمدة طويلة وهي مما تشتهيه النفوس، يصعب على تلك النفوس أن تتركها، وإذا حاول القليل أن يتركها تشبّث بها أكثر الناس، ولكن النفوس المؤمنة التي تربَّت على طاعة الله ورسوله، لا يصعب عليها الإقلاع عمّا ألِفت إذا أراد الله منها ذلك الإقلاع؛ وإنما يصعب عليها أن تبقى على ما ألِفت حياءً من الله، ورغبةً في رضاه، وخوفاً من سخطه.

فقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ما زالوا يشربون الخمر في المدينة، قبل أن ينزل تحريمها صريحاً في كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم، فلمَّا نزل تحريمها سارعوا إلى اجتنابها مسارعة الراغب في رضا الله تعالى، الذي في يده الكأس لم يرفعها إلى فيه، والذي قد أخذ جرعة في فمه لم يستسغ إنزالها إلى جوفه، بل مجّها من فوره، والذي قد شرب منها شيئاً حاول أن يتقيأ، ليطهر جوفه من الرجس الذي حرمه الله، وجرت سكك المدينة بالخمور التي أهراقوها من دنانها، حتى لا يبقى شيء منها أمام أعينهم.
كما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: "كنت ساقي القوم يوم حُرِّمت الخمر، في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ [خليط من البسر والرطب أو من أحدهما ينبذ في الماء ويشرب].. والبسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها.." [البخاري (6/241 ـ 242) ومسلم (3/1570) واللفظ له، ورواه غيرهما من أهل السنن].

رجل واحد ينادي بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، بتحريم الخمر في الشوارع، وليس للناس أجهزة إعلام في منازلهم، وإنما ينصوت لصوت المنادي، ليعرفوا ماذا يقول، فيسرع الناس بإهراق القلال المملوءة به ـ كما ورد في بعض روايات أنس: "أهرق هذه القلال" ـ في شوارع المدينة حتى تجري فيها لكثرتها، ولم يتردّدوا في ذلك مع ما عُرِف من صعوبة إقلاع شاربي الخمر عنها، ثم لم يراجعوها بعد ذلك ولا سألوا عنها، ولم يكن ذلك لقوة السلطة المادية من المطاردة، وفتح السجون والغرامات وغيرها كما تفعل الحكومات اليوم مع أصحاب المخدرات -دون الخمر- وإنما كان بسبب التقوى الربانية أي القوة الإيمانية المغروسة في النفوس إنه امتثال أمر الله ورسوله عن رضا واطمئنان.

وفي حديث أنس هذا تظهر أهمية استعمال وسائل الإعلام في الدعوة إلى تجنب الفواحش والمنكرات، على خلاف ما يستعملها أعداء الطهارة والأخلاق الحسنة من الكفار المنافقين في هذا العصر، الداعين إلى التحلل من كل خير وبر وتعاطي نشر الرذائل والسيئات.

مثال للمقارنة:

وينبغي هنا أن نُذَكِّر بقصة إصدار أكبر دولة مادية في أول القرن العشرين، قانوناً بحظر الخمر والعقاب عليها، وتجنيد هذه الدولة كل قواها البشرية والمالية، ووسائل إعلامها، وفتح سجونها على مصراعيها لملئها بالجناة الذين لم يستجيبوا لتطبيق القانون الذي صدر في 16 يناير عام 1919م على أن ينفذ عام 1920م، وسبق المنع حملة واسعة من التوعية في جميع وسائل الإعلام، وفي المدارس والمصانع، وصار تدريس أضرار الخمر جزءً من المواد الدراسية التي يدرسها الطلبة في الابتدائي والثانوي والجامعة.

وبذلت جهود جبارة في التوعية، حتى لقد سودت تسعة ملايين صفحة تبين أضرار الخمر الطبية، والاجتماعية، والأخلاقية، وبلغت تكاليف الحملة الإعلامية في ذلك العام فقط خمسة وستين مليون دولار (عام 1920م، قيمتها اليوم أكثر من 650 مليون دولاراً) [هذا في وقت كتابة صاحب المرجع] ولكن لم يكن يمضي على إغلاق الحانات ومصانع الخمر أيام قلائل إلا وابتدأت تنتشر آلاف الحانات السرية..

وفي غضون أشهر قليلة زاد شاربو الخمر عمّا كانوا عليه قبل المنع.. وقدّم إلى المحاكمة ملايين الأشخاص.. وسجن ما بين 1920 و1933 نصف مليون شخص، لإدانتهم بشرب الخمور والاتجار بها أو حيازتها، وقُدِّم إلى القضاء في تلك الفترة مجرمون عتاة ارتكبوا جرائم مروعة بسبب الخمر، وقد أدانت المحاكم الكثير منهم، وحكمت على مائتين من عتاة المجرمين بالقتل...لجرائم متعلقة بالخمور، كما قامت الحكومة بمصادرة أملاك ومصانع الخمر السرية، وبلغ قيمة الأموال المصادرة عندئذ أربعمائة مليون دولار.

ومع هذا فقد انتشرت العصابات الإجرامية... وأفْلت كثير منها من قبضة القانون. تلك الدولة هي الحكومة الأمريكية! وممّا ذكرنا يبدو أن الحكومات الأمريكية المتعاقبة في الولايات المتحدة في فترة المنع، وهي ما بين 1920 و1933م، كانت جادة في تطبيق القانون، فقد بذلت في ذلك جهوداً جبارة، ولكن تلك الجهود المضنية باءت بالفشل، وصار من المحتم على الحكومة الأمريكية والكونغرس الأمريكي أن يعيدا النظر في قرار المنع ذلك، إذ وجدت الحكومة الأمريكية أن ملايين الأمريكيين قد أقبلوا على شرب الخمور السرية الرديئة، وزاد الإقبال عليها خاصة بين الشباب...

وقد انتشرت إحصائيات مرعبة عن الوفيات الناتجة عن شرب تلك الخمور الرديئة، ففي عام 1927م فقط هلك من استعمال تلك السموم الناقعة سبعة آلاف وخمسمائة شخص، كما أصيب بأمراض وبيلة من جراء شربها أحد عشر ألف شخص في ذلك العام، وازدادت نسبة الجرائم كلها من هتك للأعراض، من سرقة، وقتل، وتضاعف عدد المجرمين ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل المنع، وصرح الكولونيل موسى رئيس المجلس الوطني للجريمة... في ذلك الوقت، بقوله: إن واحداً من كل ثلاثة أمريكيين يتعاطون الخمر، وإن الجرائم قد ازدادت بنسبة ثلاثمائة بالمائة عما كانت عليه قبل... وبذلك عادت الولايات المتحدة إلى السماح بصناعة الخمور وبيعها والاتجار بها والإعلان عنها [الخمر بين الطب والفقه، لمؤلفه الدكتور محمد بن علي البار ص: 100 ـ 103 مع شيء يسير من التصرف والاختصار، وراجع كتاب التشريع الجنائي الإسلامي (2/496 ـ 497) للأستاذ عبد القادر عودة، وراجع ضرورة حفظ العقل في كتابنا: الإسلام وضرورات الحياة]..

قارن بين نداء رجل واحد بصوته العادي: إن الله قد حرَّم الخمر واستجابة أهل المدينة كلهم لندائه، وإهراق ما عندهم من الخمور حتى جرت في سكك المدينة، ومن ثم لم يعودوا لشربها، وبين ما جرى من دولة ذات قوة وإمكانات مادية جندتها لتطبيق القانون الذي حرّمت به الخمر قهراً، ثم استسلامها لجماهير الإجرام والشهوة العارمة، بعد أحد عشر عاماً من الزمن، وافهم السبب الذي جعل الناس يستجيبون في الأول،

والسبب الذي دعا إلى التمرد في الثاني!

إن التربية الإسلامية هي السبب في استجابة المسلمين لداعي التحريم في الأول، وعدم تلك التربية الإسلامية، وهو البعد عن الله هو السبب في الثاني.

المثال الثاني: سرعة تنفيذ النساء المؤمنات أمرهن بالحجاب:

إنه من الصعوبة بمكان أن يتحول المرء من عادة ألفها فترة طويلة من حياته إلى عادة أخرى لم يألفها فور أمره بترك تلك العادة، ولكن الإيمان والتربية الإسلامية يجعلانه يتحول بسرعة، - راضياً مطمئناً - من عادته الأولى إلى الثانية. وهذا ما حصل من النساء المؤمنات عندما علمن أن الله أمرهن بالحجاب، فقد استبطأن أن تعد كل واحدة منهن خماراً لذلك، فشققن مروطهن واختمرن بها. كما في حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل لما نزل {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} الآية، شققن مروطهن فاختمرن بها" [البخاري (6/13) والآية في سورة النور: 31 ]. قارن بين امتثال ناء الصحابة الفضليات كيف استجبن لأمر الله بهذه السرعة وكثير من نساء اليوم يتمردن على الحجاب بكشغ غالب أجسامهن، وباختلاطهن بالرجال اختلاطا واضح التمرد وعدم الحياء!

المثال الثالث: سهولة إثبات الجريمة بإقرار الجاني، خوفاً من الله تعالى، ولو أدَّى إقراره إلى حرمانه الحياة أو حرمان أقرب المقربين إليه. ونسوق لهذا المثال حديثين:

الحديث الأول: "عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني tـما، قالا: جاء أعرابي، فقال يا رسول الله، اقضِ بيننا بكتاب الله. فقام خصمه فقال: صدق اقضِ بيننا بكتاب الله، فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته، فقالوا لي: على ابنك الرجم، فافديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: (لأقضين بينكما بكتاب الله أما الوليدة والغنم فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس لرجل فاغد على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) فغدا عليها أنيس فاعترفت، فأمر بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم فرجمت" [البخاري (8/24) ومسلم (3/1324)]..

تأمل كيف يسعى من له علاقة بالمعصية التي تغلبه على تعاطيها شهوته، للعثور على حكم الله فيها وتطبيقه على قريبه، من الاتصال بأهل العلم وسؤالهم، وكيف يأخذ الابنَ أبوه إلى من ينفذ فيه حكم الله، ويقرّ الزوج على امرأته بالزنا، وفيه ما فيه من العار وسوء السمعة عليه، وكيف يعترف العاصي بمعصيته، وإن كان في اعترافه مفارقة الحياة، كل ذلك للحرص على البعد عن سخط الله، وطلب رضاه الذي هو هدفه الأول في هذه الحياة، بسبب التربية الإسلامية التي تدور كلها حوله.

الحديث الثاني: "عن وائل بن حجر رضي الله عنه: أن امرأة خرجت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، تريد الصلاة فتلقاها رجل فتجللها [جامعها]. فقضى حاجته منها فصاحت، فانطلق ومرَّ عليها رجل، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها، وأتوها فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فلما أمر به ليرجم، قام صاحبها الذي وقع عليها، فقال يا رسول الله أنا صاحبها.

فقال لها: (اذهبي فقد غفر الله لك) وقال للرجل قولا حسناً، وقال للرجل الذي وقع عليها: (ارجموه) وقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم" [أبو داود (4/541 ـ 432) والترمذي (4/56) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. قال العظيم أبادي رحمه الله قوله: "فلما أمر به ليرجم" ولا يخفى أنه بظاهره مشكل، إذ لا يستقيم الأمر بالرجم من غير إقرار ولا بينة، وقول المرأة لا يصلح بينة، بل هي التي تستحق أن تحد حد القذف، فلعل المراد: فلما قارب أن يأمر به، وذلك قاله الراوي نظراً إلى ظاهر الأمر حيث إنهم أحضروه في المحكمة عند الإمام، والإمام اشتغل في التفتيش عن حاله، والله أعلم، عون المعبود (12/42 ـ 43) الطبعة السلفية وذكر الحديث الألباني في سلسلته الصحيحة 567/2 وصحيح الترمذي 1454 وقال: حسن دون قوله: فارجموه والراجح أنه لم يرجم.]

إن الرجل جَنَى واختفى، واتُّهِم غيره، وكاد يُطبَّق العقاب على المتهم البريء، وهو الرَّجم إلى الموت، ولو أراد الجاني أن يستمر في الاختفاء لفعل، ولكن خوف الله ساقه سوقاً لإنقاذ حياة بريء، وتقديم نفسه للموت، فكانت توبة لو تابها أهل المدينة لقُبِل الله منهم.




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10249887

عداد الصفحات العام

807

عداد الصفحات اليومي