﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]
(029)سافر معي في المشارق والمغارب :: (02)الدعوة إلى الإسلام في أوربا :: (02)ما المخرج :: (01) الدعوة إلى الإسلام في أوربا :: (01)ما المخرج؟ :: (028)سافر معي في المشارق والمغارب :: (027)سافر معي في المشارق والمغارب :: (026)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له-الحلقة الأخيرة :: (025)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(012)أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي

(012)أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي

تابع للفرع الثامن: في العفو والسماحة ودفع السيئة بالحسنة-الحلقة الثانية من هذا الفرع

موقفه صلى الله عليه وسلم من إساءة ابن أبيٍّ الأدب معه:

وتطاول على جنابه الكريم صلى الله عليه وسلم، رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول -قدوة المنافقين في كل عصر-قبل أن يُظهر إسلامه وحاول أن يشعل نار الفتنة بين الناس فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن هدأ الناس وأطفأ نار الفتنة التي أشعلها ابن أبي، وعفا عن ذلك المجرم، فكان قدوة لأصحابه في العفو عن أعدائهم وإخوانهم من باب أولى، والقصة طويلة، ولكن نقل نصها أفضل من ذكر محل الشاهد، لما فيها من الفوائد المتعلقة بالموضوع.

روى أسامة بن زيد رضي الله عنه، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ركب على حمار عليه قطيفة فَدَكية وأسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني حارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، فسار حتى مر بمجلس، فيه عبد الله بن أبي بن سلول ـ وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة.

فلما غشيتْ المجلسَ عجاجةُ الدابة خَمَّر ابن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبِّروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم وقف فنـزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال له عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء، لا أحسن مما تقول، إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، فمن جاءك فاقصص عليه.
قال عبد الله بن رواحة: بل يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخفضهم حتى سكتوا،

ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟) يريد عبد الله بن أبي، (قال: كذا وكذا)، فقال سعد بن عبادة: "أي رسول الله بأبي أنت اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البَحْرة على أن يتوجوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى". البخاري (7/120ـ121) ومسلم (3/1422ـ1424) .

ومعنى "شرق" غص والغصة ما اعترض في الحلق من الطعام، وهو كناية عن الحسد. والقطيفة: كساء، وفدكية نسبة إلى قرية معروفة كأنها صنعت فيها، كان يسكنها اليهود بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، طلب أهلها من الرسول بعد فتح خيبر الصلح. والبحرة تطلق على القرية والبلدة، وذكر ياقوت الحموي أنها اسم من أسماء المدينة. راجع شرح الحديث في فتح الباري لابن حجر. تأمل قوله: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعفو عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى".

العفو عن العدو أمر به الله، والقدوة الحسنة في تنفيذ أمر الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا اقتدى به أصحابه، والعفو لا يكون إلا بالصبر على الأذى، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعفون عن الأعداء، ويصبرون على أذاهم بأمر من الله فما بالك بالعفو عن المسلمين؟

وحض الرسول صلى الله عليه وسلم، على العفو والسماح في البيع والشراء، ودعا للسَّمح في بيعه وشرائه وتقاضيه بالرحمة، كما روى جابر بن عبد الله tـما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (رحم الله رجلاً سمحاً إذ باع سمحاً إذا اشترى، وإذا اقتضى) [البخاري (3/9)].

وقص صلى الله عليه وسلم، ما ناله رجل فيما مضى من تجاوز الله عنه، لتجاوزه هو عن خلق الله، كما روى عقبة بن عمر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: (حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه يخالط الناس وكان موسراً، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه) [مسلم (3/1196) ورواه البخاري من حديث أبي هريرة (3/10)].

وأمر كل أصحابه بالإحسان، ونهاهم عن الظلم، وإن أساء الناس وظلموا، كما في حديث حذيفة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا) [الترمذي (4/364) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه].

وكان صلى الله عليه وسلم، يأمر صاحب الدين أن يتنازل للمدين عن شيء من دينه عفواً وسماحة. كما روى كعب بن مالك، رضي الله عنه، أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنه، دين فلقيه فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما، فمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا كعب) وأشار بيده، كأنه يقول: النصف، فأخذ نصف ما عليه، وترك نصفا ً [البخاري (3/92) ومسلم (3/1192)].

وقد أثرت تلك التربية النبوية بالقول والفعل على العفو والسماحة، في أصحابه رضوان الله عليهم، تأثيراً عظيماً، فكانوا يعفون ويصفحون. والأمثلة على ذلك كثيرة، نكتفي منها بمثالين:

المثال الأول: يبين تأثر إمام المسلمين وعفوه وسماحته:

عفو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن عيينة بن حصن، عندما تطاول عليه واتهمه بما هو أبعد الناس عنه في وقته، وفي ذلك ما رواه ابن عباس، رضي الله عنهـما، قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر -أي يقربهم إليه- وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً.

فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه، عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه، قال: هي، يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم به. فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ(99)} [الأعراف]. والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافا عند كتاب الله" [البخاري (5/197ـ198)].

من أعدل من عمر عندما قال عيينة مقالته؟ وكان عمر أمير المؤمنين وقد جابهه أحد أفراد الرعية الأجلاف بهذه المجابهة، فلم يزد على أن عفا عنه عندما ذُكِّر بأمر الله بالعفو. ويؤخذ من هذه القصة، أنه ينبغي أن يكون ولي أمر المسلمين واسع الصدر، كثير السماحة، يغفر لرعيته الزلات، ويتجاوز عن السيئات، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ينبغي أن تكون بطانة ولي الأمر من أمثال الحر بن قيس، يذكرونه بأمر الله و يحضونه على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويحسِّنون له العفو عن الناس وعدم مؤاخذتهم بإساءتهم عليه، ولا يقرب إليه من يوغرون صدره على رعيته ويغرونه بعقابهم، كما هو حال كثير من حكام المسلمين في أزمان ماضية وحاضرة. وبهذا العفو وهذه السماحة تأتلف القلوب، وتجتمع الكلمة، وينقلب العدو صديقا: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34)} [فصلت].

المثال الثاني: يبين تأثر أفراد الرعية وعفوها وسماحتها:

ما رواه أبو السفر - سعيد بن أحمد - رحمه الله قال: "دق رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، رضي الله عنه، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إن هذا دق سني، قال معاوية: إنا سنرضيك، وألح الآخر على معاوية، فأبرمه فلم يرضه، فقال له معاوية: شأنك بصاحبك وأبو الدرداء جالس عنده، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، يقول: "ما من رجل يصاب بشيء في جسده، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة، وحط به خطيئة" قال الأنصاري: أأنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، قال: فإني أذرها له، قال معاوية: لا جرم لا أخيبك، فأمر له بمال" [الترمذي (4/14ـ15) وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعاً من أبي الدرداء، قال شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند: "المرفوع منه صحيح لغيره، وضعفه بعض العلما منهم الألباني، ].

تأمل كيف أصر الرجل على أخذ حقه، والظاهر أنه يريد القصاص من صاحبه، وقد حاول معاوية، وهو أمير المؤمنين أن يرضيه بمال، وشفع عنده فلم يتنازل، حتى سمع جزاءَ مَن عفا عما أصيب به في جسده وفضله عند ربه، فتنازل عن حقه طلباً لثواب الله تعالى.

والحديث -وإن لم يصح- تغني عنه آية القصاص في سورة البقرة، وهي تشمل جسد الإنسان كله، وليس بعض أجزائه، كسنه ونحوها، قال تعالى قيها: {لكن آية القصص في سورة البقرة، تغني عن الحديث، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)}

والقصاص حق للمجني عليه الحي في بعض أطرافه، ولولي امره بعد وفاته والواجب على الجاني أن يذعن له ليقتص منه، هذا عندما يكون شرع الله هو الذي يحكم بلدهما، أما إذا لم يحكم شرع الله، فإنه قد يوجد بعض المصلحين، يحاولون الصلح بين الجاني والمجني عليه أو ولي امره، إما بالعفو، وإما بما يقابل الجناية صغرت أم كبرت، فإذا لم يحصل العفو، فإن الشر قد يحصل بين الجاني وأقاربه، أو قبيلته، وقد تزهق بسبب ذلك أرواح بينهما، فالعفو المطلق أو بالمال، فيه الوقاية للجانبين.

إن العفو والسماحة من أهم وسائل تثبيت الأمن في المجتمع، لأنه عندما يعفو فرد أو طائفة، فيجد الظالم من المظلوم روحاً صافية وقلباً حانياً، يعفو عنه ويصفح ويغفر ويتجاوز، ويدفع السيئة بالحسنة، لا بسيئة مثلها، مع قدرته على ذلك ومشروعية أخذه حقه، يندم المعتدي على ما صنع ويفيق من غفوته، ويتقرب من صاحبه المعتدَى عليه، ويظهر له الندم، ويتخذه صديقاً محباً فتحل المحبة والصداقة محل الكره والعداوة.

وهذا هو الذي قرره الله تعالى في كتابه الكريم. ودفع السيئة بالحسنة هو أعلى درجات العفو، فإن من يدفع بالحسنة السيئة، يغمر المسيء عليه بالنعمة، ويؤدبه بالإحسان، ويجعله يعود إلى رشده وصوابه، بالقدوة الحسنة، والخلق الفاضل الذي رآه في صاحب الحق الذي تجاوز عن إساءته، وبهذا ينتشر في الأمة الود والتراحم والمحبة، ويستتب الأمن، ولكن هذا الخلق العظيم لا يؤتاه إلا ذوو العزم والصبر من عباد الله. كما قال تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)} فصلت.

ومن الأمثلة التي يناسب ذكرها في هذا المقام، لبيان معنى قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} قصة ثمامة بن أثال، رضي الله تعالى عنه، وتحوله من عدو لدود لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبغض شديد إلى ولي حميم، يحبه صلى الله عليه وسلم أشد من نفسه، بسبب حسن معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم له، وزيارته بنفسه، وسؤاله عن حاله، عندما كان أسيراً بالمسجد النبوي الشريف.

روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: "بعث النبي صَلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تُنْعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئت، فتركه حتى كان الغد، ثم قال له: (ما عندك يا ثمامة؟) فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنْعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) قال: عندي ما قلت لك.

فقال صَلى الله عليه وسلم: (أطلقوا ثمامة) فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الأديان إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وأن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟

فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت، قال: لا والله ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم" [البخاري (5/117ـ118) ومسلم (3/1386ـ1387)].
إن زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم لثمامة بن أثال الأسير كل يوم بنفسه، وسؤاله عنه، ثم أمره بإطلاقه بدون فداء، جعل ابن أثال يفي بوعده: إن تنعم تنعِم على شاكر، فتحول من الحالة السابقة: حالة العداوة والبغضاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدينه ولبلده، إلى محب لله ولرسوله ولدينه وبلده، ومبغض لمن عاداه مقاطع لمن ناوأه: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.

وذكر ابن هشام، رحمه الله قصة فضالة بن عمير الليثي الذي هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالكعبة، يوم فتح مكة، قال: "إن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي، أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضالة؟) قال: نعم، فضالة يا رسول الله، قال: (ماذا كنت تحدث به نفسك؟) قال: لا شيء، كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (استغفر الله) ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليَّ منه [السيرة النبوية (2/417) تحقيق مصطفى السقا وزميليه، طبع الحلبي، الطبعة الثانية، وراجع زاد المعاد بتحقيق الأرناؤوط (3/412ـ413)].




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10470102

عداد الصفحات العام

2323

عداد الصفحات اليومي