=اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، وارزقهم من يقودهم إلى رضاك في الدنيا والآخرة، ويرفع راية دينك في الأرض على سائر الأديان. =اللهم انصر عبادك المؤمنين على أعدائك وأعدائهم المعتدين - من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين -وأنزل بهم بأسك وأرنا فيهم عجائب قدرتك. =اللهم اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم فإنهم قد كفروا بك واعتدوا على عبادك المؤمنين بما أنعمت عليهم، اللهم اجعل ما ينفقونه من أموالهم في الصد عن سبيلك والاعتداء على خلقك، حسرة في قلوبهم إلى يوم يلقونك. =اللهم يا منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم، اللهم أرسل عليهم جندا من جندك الذين لا يعلمهم سواك، واهزمهم كما هزمت الأحزاب قبلهم. =اللهم، شتت شملهم وفرق جمعهم واجعل بأسهم بينهم وأشغلهم بأنفسهم واقتلهم، وأخرجهم من ديار المسلمين مقهورين ذليلين حقيرين، خزايا ندامى موتورين. =اللهم فك أسر المأسورين، وادفع عنهم، وارفع قدرهم، وأعزهم في دنياهم وآخرتهم، وأذل أعداءهم الذين ظلموهم، في الدنيا والآخرة يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. =يا من أهلكت قوم نوح وعاد وثمود وصالح وشعيب، وأهلكت فرعون الذي علا في الأرض وقومه، وكل جبار معتد، أهلك كل عنيد وجبار ومعتد وظالم واكف عبادك المسلمين منهم بما شئت. =يا من تقول للشيء كن فيكون، دمر هؤلاء المعتدين الذين علوا في الأرض وأفسدوا فيها وأهلكوا الحرث والنسل، فأنت أعلم بضعفنا وأرحم بنا من أنفسنا، فليس لنا من يدفع عنا سواك يا حي يا قيوم يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.({قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)}) النور
(013)سافر معي في المشارق والمغارب :: (012)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011) سافر معي في المشارق والمغارب :: (010)سافر معي في المشارق والمغارب :: (09)سافر معي في المشارق والمغارب :: (08)سافر معي في المشارق والمغارب :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(021)أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي

(021)أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي
الفرع السابع عشر: الصدقة الجارية

إن المطالب السابقة كلها تتعلق بقيام أفراد المجتمع بواجب الأخوة الإسلامية، وأداء حقوق بعضهم على بعض في حال حياتهم وصحتهم. أما هذا المطلب فالمراد به أن يراعي المسلم حقوق تلك الأخوة الإسلامية، وهو يرحل عن هذه الحياة ويودع إخوانه الباقين فيها، فيحقق لهم بما يخلفه وراءه شيئاً من السعادة والعيش الهنيء، كما كان يحقق لهم ذلك وهو حي.

فالمسلم له أقارب أمر بصلتهم، وله جيران أمر بالإحسان إليهم، وضيفٌ أمر بإكرامه، وعارٍ أمر بكسوته، وجائع أمر بإشباعة، ومريض أمر بعلاجه، فإذا انتقل إلى لقاء ربه حُرِموا كثيراً مما كان يقوم به من الصلة والإحسان والإكرام لهم، وكل من كان يناله ذلك سيفقده ويشعر بالندم على فراقه ويدعو له وفاء له ورحمة به.

ولكن الشارع يحب للمؤمن أن يدوم عمله الصالح،ويستمر ثوابه بعد موته، فشرع له من الأسباب التي إذا تعاطاها قبل موته استمر ثوابها ما بقيت آثارها عامة النفع الذي تعاطاها من أجله. وهو بذلك، يحقق أمرين عظيمين:

الأمر الأول: نفع الناس بما أبقاه لهم من خير. والأمر الثاني: نفع نفسه باستمرار ثوابه وعدم انقطاع عمله، وهو راقد في قبره قد صارت عظامه تراباً. قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(183)} [البقرة].

متى تكون الوصية واجبة؟

قال بعض العلماء: إن الوصية واجبة على من حضرته الوفاة وعنده مال، في حالتين:

الحالة الأولى:أن تكون عنده أمانات أو ديون لغيره، فيجب أن يوصي لأهل الأمانات والديون بحقوقهم حتى لا تضيع ويختلف الورثة معهم بعد موته، وهذه الحالة لا خلاف فيها. الحالة الثانية: أن يكون له والدان لا يرثان، بأن يكونا كافرين أو قرابة لا يرثون، فيجب أن يوصي لهم بما تيسر من الثلث الذي له أن يوصي فيه، وأكثر العلماء قالوا: إنها ليست واجبة في هذه الحالة، وأجمعوا على عدم جواز الوصية للوارث إلا إذا أجاز الورثة، وكذا لا يجوز أن يوصي بما فوق الثلث.

واستدل الموجبون بالصيغة التي شرعت بها الوصية وهي قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} فإنها بمعنى فُرض.
وهناك حالة ثالثة تجب فيها الوصية؛ وهي ما إذا كان له حقوق عند الناس يخاف تلفها على الورثة [راجع كتاب الجامع لأحكام القرآن (2/257ـ260) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/211ـ213)]. وقال تعالى: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} إلى قوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ(11)}[النساء].

وقال سبحانه: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ(12)}[النساء].

فقد أوجب الله سبحانه تعالى أداء ما خلفه الميت لورثته، ولكن قيد ذلك بإخراج ما أوصى به من ماله، أو ما عنده من دين للناس، إلا أن ما يوصي به غير الدين مقيد بأن يكون الثلث فأقل لئلا يجحف بورثته ويذرهم فقراء يتكففون الناس.

ومهما يكن الأمر في اختلاف العلماء في وجوب الوصية للوالدين غير الوارثَين، والأقربين غير الوارثِين، فان مشروعيتها ثابتة، وقد حث على ذلك صلى الله عليه وسلم، وأوصى بعضُ أصحابه في حياته وأقرهم، واستمر على ذلك المسلمون إلى يومنا هذا.

وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم، المسلم على الاهتمام بوصيته حال صحته، حتى لا يفاجأ بالموت فلا يتمكن من ذلك. ولقد نفع الله سبحانه، بوصايا المسلمين من أموالهم في وجوه البر إذا حضرتهم الوفاة، وكذلك بما يقفونه في حياتهم من الأموال على مصالح متنوعة عامة وخاصة. روى ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) [البخاري (3/185ـ186) ومسلم (3/1249)].

وأقر صلى الله عليه وسلم، بعض أصحابه على الوصية بالثلث من ماله، لمن كان له ورثة، وأوصى صلى الله عليه وسلم، بأن لا يدع المرء ورثته عالة يتكففون الناس. روى سعد بن أبي وقاص،رضي الله عنه، قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم، يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت في الأرض التي هاجر منها، قال: (يرحم الله بن عفراء) قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: (لا) قلت: فالشطر؟ قال: (لا) قلت: الثلث؟ قال: (الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك وعسى الله أن يرفعك، فينتفع بك ناس ويُضَرَّ بك آخرون) ولم يكن له يومئذ إلا ابنة [البخاري (3/186) ومسلم (3/1250)].

وندب صلى الله عليه وسلم، المسلمين إلى بذل ما يستمر لهم ثوابه بعد موتهم، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) [مسلم (3/1255)]. قال الإمام النووي، رحمه الله في الصدقة الجارية: "وهي الوقف... وفيه دليل على صحة أصل الوقف وعظيم ثوابه".

ولقد وقف بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أَنْفَسَ أموالهم، طمعاً في ذلك الخير المدرار، بإرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم.كما روى ابن عمر رضي الله عنهما، قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، وقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) قال: فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث، ولا يوهب، قال: فتصدق عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً، غير متمول فيه) [البخاري (3/194) ومسلم (3/1255)].

فقد اشترط عمر رضي الله عنه، بقاء الأصل وعدم بيعه وشرائه وهبته، وهو معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (حبست أصلها) وبين رضي الله عنه، وجوه مصارف ثمرته: الفقراء والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، وهي من أهم وجوه البر الشاملة، كالزكاة التي أمر الله بصرفها في ذلك.

ويمكن للواقف أن يقف على وجه واحد من هذه الوجوه، أو أكثر منها، ولو أن الأغنياء من المسلمين بذلوا من أموالهم ما يقفونه على وجو البر والإحسان، ووجد من يقوم على تلك الأوقاف بأمانة، يحفظها وينميها وينفقها في وجوهها، لنال كثير من المحتاجين ما يسد حاجتهم، من تعلُّم وتعليم ودعوة وجهاد وطعام وشراب وملبس ومسكن ومركب وغيرها.

ولقد بذل السلف الصالح من أغنياء هذه الأمة أموالهم، ووقفوها على وجوه كثيرة من وجوه البر العامة والخاصة: وقفوا على المساجد، والأيتام، والمسافرين، وطلاب العلم، والفقراء، وذوي القربى، والحيوانات. ولقد كثرت الكوارث والأحداث في هذا العصر من الزلازل والبراكين والفيضانات، والحروب التي تشرد المدنيين في الشعوب الإسلامية، فيهلك بذلك الألوف منهم، وتدمر مساكنهم، فلا يحدون المأوى، وتفتك بهم الأمراض، فلا يجدون الدواء، ويشتد عليهم الحر والبرد، فلا يجدون ما يقيهم من ملابس وأغطية.

وغالب الدول في الشعوب الإسلامية لا تلتفت لإخوانهم المنكوبين، بل يجدون من يظهر لهم الاهتمام من النصارى الذين يقدمون لهم قليلا من المادة، ويستغلون ذلك لدعوتهم إلى التنصر بدلا من إسلامهم، ويتخطفون أطفالهم من البنين والبنات، لينصرونهم من بين أيديهم، أو يبيعونهم لمن يتبناهم والمسلمون يتفرجون، لا تهتز لهم شعرة من الغيرهم عليهم.

ولو أن أغنياء الشعوب الإسلامية بذلوا من أموالهم بسخاء ما يحبسونه لمثل هذه الكوارث، ووجد من يشرف على تلك الأموال ويحفظها لصرفها على من يستحقها، لأنقذوا من تعرض لها من إخوانهم المسلمين. وقد كانت أوقاف أهل الخير من هذه الأمة في السابق، تسعف المحتاجين، من جميع الأصناف، وتبنى بها المدارس والجامعات، والأربطة للطلاب والمسافرين، وغيرهم، وتبنى بها المستشفيات، ويجهز بها المجاهدون.

ولكن تلك الأوقاف قضى عليها من تربعوا على كراسي الحكم فيها ممن أبعدوا الإسلام عن حياة الناس لبعدهم عن الإسلام، فلم يبق من تلك الأوقاف إلا النزر اليسير في بعض البلدان الإسلامية، تتلاعب بها أيدي الخونة الذين لا يخافون الله واليوم الآخر، إلا من شاء ربك وقليل ما هم [راجع كتاب الإسلام (3/52) لسعيد حوا].

وإن المجتمع الإسلامي لفي أمس الحاجة إلى عودة هذا المرفق المفيد ليتم نفعه، كما تم في الماضي، وقد أنعم الله تعالى على كثير من المسلمين في هذا العصر بثروات كثيرة في فترة قصيرة من الزمن، وهم يعلمون أنه يوجد في بلدان المسلمين الفقراء والمساكين الذين لا يجدون لقمة العيش التي يقتاتون بها، ولا منازل تؤيهم، ولا ملابس تسترهم، ولا مصحات لشفاء أمراضهم، ولا آباراً للحصول على مياه شربهم، ولا مساجد يؤدون فيها شعائر دينهم، ولا مدارس يعلمون فيها أولادهم، ولا أئمة يصلون بهم، ولا علماء يرشدونهم ويعلمون أبناءهم.

وفي هذه الأيام من أواخر شهر شعبان، إلى آخر رمضان من سنة 1431هـ رأينا ما حل بالإخوة في باكستان، وما عانوه من تشرد وجوع ومرض وهدم مدن وقرر ومرافق عامة وخاصة، من الفيضانات العارمة، فلم يجدوا إلا القليل من الدول الإسلامية التي أسعفتهم بما لا يفي بحاجاتهم، ورأينا تقاعس الدول الغربية الشديد عن إغاثتهم.

وقبل ذلك في أول عام 2006م ـ نسمع ما يحل بأهل القرن الأفريقي من المجاعة القاتلة لهم ولحيواناتهم، فلا يجدون ما يسد رمقهم وهم يهيمون في الصحاري والشعاب يتساقطون رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، بدون رحمة من غالب المسلمين والعالم الذي ينفق أمواله في القتل والتدمير لبلدان كثيرة في العالم، وهم يدعون أنهم أهل حقوق الإنسان ونشر الخير في العالم!

ولا زالت الكوارث مستمرة

تلك المآسي قد مضت ونسيها غالب المسلمين، ولكن أعظم المآسي حصلت بعدها في هذه الأيام التي أراجع فيها هذا الكتاب في سنة 1440هـ 2019م، في كل من ليبيا وسوريا، واليمن، والروهنجا، قتل فيها كلها وعذب وشرد الملايين من الناس، واستقبل المهجرين منهم غير المسلمين في الغرب مع تذمرمنهم، وإهانات لهم أكثر من إخوانهم المسلمين، ومات الكثير منهم في البحار وغيرها، والعالم كله يشاهد ما يحل بهم في ذلك وفي المخيمات التي نصبت لهم في بعض لبلدان الإسلامية أغرقتها الأمطار وهدمتها الثلوج على سكانها!

ولو أن كل غني وقف شيئاً من ماله في البلد الذي يأمن عليه فيه، لمرفق من تلك المرافق؛ لكان في ذلك إحياءً للوقف الإسلامي، وإعانةً للمسلمين في حاجاتهم المتعددة، ومنها تحرير بعض البلدان الإسلامية كفلسطين، التي احتلها اليهود، وغير ذلك مما يغني المسلمين عن هيمنة من يحاربون الإسلام والمسلمين في الأرض.

حرب سافرة على أعمال الخير:

ومما زاد الأمر سوءً اليوم، تسلط أعداء هذا الدين على أعمال البر، ومضايقة مؤسسات الدعوة إلى الله، ونشر التعليم الإسلامي ببناء المدارس، والمساجد المراكز الإسلامية، ومساعدة المحتاجين، من الأيتام والأرامل والعجزة، والحجر على من وفقه الله من أغنياء الأمة، من الإنفاق على تلك المرافق، وتجميد أموالهم، حتى يحولوا بينهم وبين الإنفاق منها على تلك المؤسسات الخيرية، التي أعلنوا عليها الحرب الظالمة، قاصدين بذلك الصد عن سبيل الله، والقضاء على النشاط الإسلامي، ومحاربة علمائه ودعاته، بحجة محاربة ما يسمونه بـ"الإرهاب" الذي أصبح سلاحاً يشهرونه في وجه كل من يريد فعل الخير من الأفراد والجماعات والدول.

ووراء هذه الحملات الظالمة على الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها اليهود الذين لا يفتأون يوقدون نار الحرب على هذا الدين وهذه الأمة، ويظاهرهم على ذلك صهاينة البروتستانت المتصهينون في الغرب، بهدف التمكين للدولة اليهودية في قلب الأمة الإسلامية، التي يعلمون أنها لا تنال هذا التمكين، إلا بإضعاف المسلمين، وإبعادهم عن حقيقة دينهم.

ويجب على علماء الإسلام ودعاته، والمؤسسات الإسلامية الدعوية والتعليمية، والإغاثية، وأغنياء الأمة، وعلى كل غيور على هذا الدين في الشعوب الإسلامية، أن يتعاونوا فيما بينهم على الاستمرار في هذه الأعمال العظيمة، بكل ما يستطيعون من الأسباب والوسائل المتاحة لهم، كل منهم فيما يقدر عليه، وألا يستسلموا لمكر أعداء الإسلام، وأن يستعينوا بالله ويتوكلوا عليه؛ لأن في استسلامهم لهذه الحرب الظالمة، تحقيقاً لأهداف أعداء الإسلام الذين قال الله تعالى فيهم: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(120)} [البقرة].

وإذا نجح أعداء هذا الدين في مسعاهم لإضعاف المسلمين، واستسلامهم لهم، والاستجابة لتحقيق رغباتهم، فقدوا أمنهم الذي لا ينالونه إلا بتمسكهم بدينهم، وعدم طاعتهم لغير ربهم في معصيته: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)} [الأنعام].









السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10169862

عداد الصفحات العام

5373

عداد الصفحات اليومي