=اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، وارزقهم من يقودهم إلى رضاك في الدنيا والآخرة، ويرفع راية دينك في الأرض على سائر الأديان. =اللهم انصر عبادك المؤمنين على أعدائك وأعدائهم المعتدين - من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين -وأنزل بهم بأسك وأرنا فيهم عجائب قدرتك. =اللهم اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم فإنهم قد كفروا بك واعتدوا على عبادك المؤمنين بما أنعمت عليهم، اللهم اجعل ما ينفقونه من أموالهم في الصد عن سبيلك والاعتداء على خلقك، حسرة في قلوبهم إلى يوم يلقونك. =اللهم يا منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم، اللهم أرسل عليهم جندا من جندك الذين لا يعلمهم سواك، واهزمهم كما هزمت الأحزاب قبلهم. =اللهم، شتت شملهم وفرق جمعهم واجعل بأسهم بينهم وأشغلهم بأنفسهم واقتلهم، وأخرجهم من ديار المسلمين مقهورين ذليلين حقيرين، خزايا ندامى موتورين. =اللهم فك أسر المأسورين، وادفع عنهم، وارفع قدرهم، وأعزهم في دنياهم وآخرتهم، وأذل أعداءهم الذين ظلموهم، في الدنيا والآخرة يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. =يا من أهلكت قوم نوح وعاد وثمود وصالح وشعيب، وأهلكت فرعون الذي علا في الأرض وقومه، وكل جبار معتد، أهلك كل عنيد وجبار ومعتد وظالم واكف عبادك المسلمين منهم بما شئت. =يا من تقول للشيء كن فيكون، دمر هؤلاء المعتدين الذين علوا في الأرض وأفسدوا فيها وأهلكوا الحرث والنسل، فأنت أعلم بضعفنا وأرحم بنا من أنفسنا، فليس لنا من يدفع عنا سواك يا حي يا قيوم يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.({قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)}) النور
(013)سافر معي في المشارق والمغارب :: (012)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011) سافر معي في المشارق والمغارب :: (010)سافر معي في المشارق والمغارب :: (09)سافر معي في المشارق والمغارب :: (08)سافر معي في المشارق والمغارب :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(012)أثر التربية الإسلامية في المجتمع الإسلامي

(012)أثر التربية الإسلامية في المجتمع الإسلامي

مظاهر الولاء للمؤمنين:

سبق الكلام على الولاء لله ولرسوله، وهنا يكون الكلام على الولاء للمؤمنين، وقد جمعها الله الثلاثة في
آية واحدة وحصر الولاء فيها، كما قال عز وجل: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) [المائدة] ويمكن تلخيص مظاهر الولاء للمؤمنين في قاعدتين:

القاعدة الأولى: تحقيق الأخوة الإسلامية، بتعاطي أسباب قوتها وتجنب ما يضادها أو يضعفها، وقد تضمن هذه القاعدة: الفصل الأول والفصل الثاني من هذا الجزء.

القاعدة الثانية: إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن المجتمع الذي يقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو مجتمع يرجى له الفلاح والفوز والأمن في الدنيا والآخرة، إذ يدل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أمرين هما ضرورة لبقاء عزة المجتمع وتماسكه وأمنه:

الأمر الأول: وعي أفراد هذا المجتمع وعلمهم بما هو معروف وما هو منكر، على ضوء ما نزل به القرآن، وصحت به السنة، والعلم بذلك أساس السعي لجلب المنافع والمقاصد ودفع المضار و المفاسد.

الأمر الثاني: اهتمام أفراد هذا المجتمع وجماعتهم بالمحافظة عليه وعلى مصالحه بجلب ما ينفعه ودفع ما يضره أو يخل بأمنه، وأن أفراده صادقون في محبة مجتمعهم، وحرصهم على تنبيهه على المخاطر التي تهدده، وأن ولاء بعضهم لبعض ثابت محقق.

بخلاف المجتمع الذي لا تقوم فيه هذه القاعدة، إذ يدل عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أحد أمرين، أو كليهما: الأمر الأول: الجهل بما ينفعه أو يضره، الأمر الثاني عدم الإحساس بالأخطار التي تحيط به، كما يدل على نِفاق أفراده وعدم مبالاتهم بما يحدث فيه من خلل واضطراب، تكون نهايتهما القضاء على المجتمع.

ومن هنا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض هذا الدين على أهله، وقد تكاثرت النصوص الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب والسنة. كما قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104)} [آل عمران].

أمر الله تعالى المسلمين في هذه الآية، أن يقيموا طائفة منهم، تتولى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث تكون على علم تام بما هو معروف تأمر به، وما هو منكر تنهى عنه، وتكون كذلك كافية لإقامة هذه الفريضة، حتى تُسقط الإثم عن المجتمع كله.

لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع هو من فروض الكفاية، إذا قامت به طائفة كافية سقط عن الباقين، وإن كان جنس الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض عين على كل المسلمين، من حيث إن كل فرد في الأسرة، أو في جماعة، مسئول عما كلفه ربه فيها ومن رأى منكراً وجب أن ينكره وهكذا...

ووصف سبحانه هذه الأمة بأنها خير أمة، وذكر أهم ما أهلها لتلك الخيرية، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ(110)}.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي اتصف بها ويجب أن يتصف بها أتباعه، وهو من أبرز وظائف جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام. كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ(157)} [الأعراف].

وهو من لوازم ولاء المؤمنين، بعضهم لبعض، ومن الأمور التي تؤهلهم لرحمة الله تعالى، كما قال سبحانه، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(71)} [التوبة].

وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحفظ أولياءُ الله دينَ الله تعالى، كما قال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ(112)} [التوبة].

وهو من أركان شكر المؤمنين ربهم إذا مكنهم في الأرض، كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ(41)} [الحج].

من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إخبار الله تعالى وإخبار رسوله صلى الله عليه وسلم، بأن الله يعاقب هذه الأمة كما عاقب من قبلها، بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ذلك العقاب يعم فاعل المنكر وغيره عندما لا تتصدى للأمر والنهي طائفة كافية في ذلك. كما قال سبحانه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(25)} [الأنفال].

قال شيخنا العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي رحمه الله: "والتحقيق في هذه أي الآية المذكورة أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره، هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، عمهم الله بالعذاب صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جماعة من أهل العلم". [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/171)].

وبإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يثبت للأمة كلها الأمن والاطمئنان في الدنيا، لأنها بذلك لا ترضى بترك معروف يمس تركُه أفراها وجماعتها بسوء، سواء كان لازما أو متعدٍّيا، كما سيأتي قريبا في حديث السفينة.

وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم وظائف أولياء الله من الرسل عليهم السلام وأتباعهم، ومن لوازم ولاء بعضهم لبعض، فإن أعداء الله يسلكون عكس هذا المنهاج فيأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ـ وكل من سلك هذا المسلك فهو مثلهم، قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(67)} [التوبة].

وما نال أولياءَ الله من الأنبياء والرسل، وأتباعهم من الدعاة إلى الله من الأذى من أعداء الله، إلا بسبب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران].

قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "دلت هذه الآية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة. قال الحسن: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه) مرسل [ضعفه علماء الحديث]. وعن درة بنت أبي لهب، قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر، فقال: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: (آمَرُهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم) [أحمد (6/432 قال أحمد شاكر في عمدة التفسي 1/401: "إسناده صحيح، وضعفه الألباني في سلسته، وفي ضعيف الترغيب وغيره[.

وفي التنزيل: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ} ثم قال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ}. فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فرقاً بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن من أخص أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعوة إلى الإسلام والقتال عليه" [انتهى كلام القرطبي من كتابه الجامع لأحكام القرآن (4/47]

أما السنة فقد وردت فيها نصوص كثيرة جداً تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المسلمين، وهذه طائفة منها: أمْر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك: كما روى أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إياكم والجلوس في الطرقات)، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُد، نتحدث فيها، فقال: (إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه) قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [البخاري (7/126) ومسلم (3/1675)].

هذا كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمنكرات في الطرق قليلة جداً كما يظهر من استجابة المؤمنين آنذاك لأمر الله واجتناب نهيه، فما بالك بطرق المسلمين وشوارعهم وأسواقهم التي تعج بالمنكرات اليوم فلا تجد فيها من يجرؤ على الأمر والنهي، إلا ما شاء الله وقليل ما هم؟!

ولهذا تجد غالب من يرتاد تلك الأسواق والطرقات والأسواق هم من يتلذذون برؤية المنكر فيها، ولا تجد من الصالحين الذين يخشون الله ويخافون عقابه من يرتادها إلا لقضاء بعض حاجاتهم مع تحرجهم مما يرون ويسمعون. وفي حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر...) الحديث [ابن ماجة (2/1331) وسيأتي قريباً.]. وحديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده...) الحديث [مسلم (1/69)].

والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك، كما قدمنا طرفاً منها. ومن أوضح الأحاديث تفسيراً لهذا المعنى حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم، نجوا ونجوا جميعا) [البخاري (3/111) والترمذي (3/470)].

فالذين يخرقون الخرق ليسوا كل ركاب السفينة، وإنما بعضهم، وفي نصيبهم وليس في نصيب الآخرين، ويبدو أن قصدهم حسنً، وهو عدم إيذاء جيرانهم، ولكن الهلاك لم يقتصر على من باشر الخرق، وإنما هو عام لكل ركاب السفينة، وهكذا فاعلو المنكر قد يظن من لم يفعل المنكر مثلهم، أنه سينجو من العقاب الذي ينزله الله بهم، ولو سكت عن منكرهم فلم ينكره، ولكن العقاب النازل بسبب فعلهم لا يخصهم، وإنما يعم معهم غيرهم، لعدم قيام المجتمع بتغيير ذلك المنكر.

ففي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ(105)} [المائدة]. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم بعقاب منه) [الترمذي (4/467) وقال هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة (2/1397) وذكره الألباني في صحيح أبي داود رقم 4838، وقال: صحيح].

وبين حديث حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، أن الله تعالى إذا عمَّ الناس بعقاب منه يكون بسبب تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا يستجيب دعاءهم لرفعه ذلك العقاب عنهم. فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) [الترمذي (4/468) وقال: هذا حديث حسن، وذكره الألباني في صحيح الترمذي، وغيره، وقال: صحيح.].

كما روى أبو عبيدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل، لما وقع فيهم النقص، كان الرجل يرى أخاه على الذنب، فينهاه عنه، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن). فقال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(81)} [المائدة]. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، متكئاً فجلس، وقال: (لا، حتى تأخذوا على يد الظالم، فتأطروه على الحق أطراً) [أحمد (1/391) وأبو داود (4/508) وابن ماجة (2/1327) والترمذي (5/252) وقال: هذا حديث حسن غريب. ومن عدا ابن ماجة رواه عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، أما ابن ماجة فرواه عن أبي عبيدة مرسلاً، وأشار إليه الترمذي، وضعف الحديث الألباني في ضعيف الترمذي وغيره].

وفي ذلك كله دليل على شدة غضب الله على المجتمع الذي لا يُؤمَر فيه بالمعروف ولا يُنهَى فيه عن المنكر، وذلك أن الله يسلط بعض أفراد هذا المجتمع على بعض، في الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض فيفقدون بذلك الأمن. هذا عدا ما قد ينزله الله به من القحط والغلاء، والأوبئة والكوارث الأخرى التي تزلزل حياته، وهو مِن فَقد الأمن، ومنها تسليط عدوهم عليهم كما حصل في الماضي وهو يحصل الآن في عقر ديار المسلمين. وعقاب الله تعالى للأمم التي لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، سنة ماضية لا تتخلف، لأن الأمة التي ترضى بانتشار الفساد فيها، أمة غير صالحة لعمارة الأرض بعبادة الله، وإذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يستأصلها الله بعقابه مثل الأمم الماضية، فإنه تعالى قد حكم على هذه الأمة، عندما تخالف ما أمرها به، وترتكب ما نهاها عنه، بجعل بعضها يهلك بعضا، ويسلط عليها قادة مضلين، ينزلون بها العذاب، بالقتل والاقتتال، ويدوم ذلك بينهم إلى قيام الساعة.

كما في حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، إن الله زوى لي الأرض، حتى رأيت مشارقها، ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أُعطِيتُ الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربى عز وجل لا يهلك أمتي بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدوًا فيهلكهم بعامة، وألا يلبسهم شيعًا ولا يذيق بعضهم بأس بعض، وقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوًا ممن سواهم، فيهلكوهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وبعضهم يقتل بعضًا، وبعضهم يسبى بعضًا قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، في وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة)
[جامع المسانيد والسنن لابن كثير، رقم 5126، وقال: صحيح]

وهذا ما أنزله الله تعالى بالنصارى، عندما تركوا وحيه الذي كلفهم الله القيام به، وشرع تطبيقه في حياتهم، كما قال تعالى: {وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)} [المائدة]

ومن ذلك وعيد الرسول صلى الله عليه وسلم، الشديد، لتارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإخباره ببعده عن صف المسلمين، الذين لا يتحقق ولاؤهم بغير هذه الوظيفة. روى ابن عباس، رضي الله عنهـما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر، قال المناوي في تخريج أحاديث المصابيح، رقم 4/300): إسناده جيد، وقال السيوطي في الجامع الصغير: حسن، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، رقم 4938].

وإذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غلبَ الشرُّ في المجتمع الخيرَ، وإذا غلب الشرُّ الخيرَ لم يعد المجتمع مستحقاً للحياة السعيدة الآمنة، بل أصبح مستحقاً للهلاك والدمار. روت زينب بنت جحش، رضي الله عنهـا، قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل عليها فزعاً، يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، وحلق بإصبعيه: الإبهام والتي تليها. قالت زينب ابنة جحش: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث) [البخاري (4/109)]. وما أكثر الخبث اليوم في لأرض وفي الشعوب الإسلامية التي يفترض أن يفل الخبث فيها.

وبين صلى الله عليه وسلم، حقارة من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، عند الله وعند نفسه كذلك، سواء كان فرداً أم جماعة، وحقارة المجتمع أشد من حقارة الفرد؛ لأن الفرد يمكن أن يقوِّمه المجتمع ويستر عيوبه، أما المجتمع فإن تقويمه صعب وعيوبه شاملة ظاهرة. روى جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما ، قال: لما رجعتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهاجرةُ البحر [يقصد مهاجرة الحبشة]. قال: (ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟) قال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينا نحن جلوس، مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قُلَّةً من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها، فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه، فقالت: سوف تعلم يا غُدَر، إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً. قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صًدقَتْ صدقتْ، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم) [ابن ماجة (2/1329) قال المحقق في الزوائد إسناده حسن، وقال الألباني في صحيح ابن ماجة، رقم 4010: حسن، وقال في صحيح الجامع: 4598: صحيح]. أي أن الله عز وجل، لا يكرم أمةً يهين فيها القويُّ الضعيف، وإنما تقتضي حكمته وعدله إهانة تلك الأمة وتحقيرها.

وفي حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحقر أحدكم نفسه) قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: (يرى أمر الله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله سبحانه له يوم القيامة: ما منعك أن تقول فِيَّ كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنتَ أحق أن تخشى) [ابن ماجة (2/1328) قال المحقق في الزوائد إسناده صحيح، قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة: سنده صحيح، وقال الألباني في السلسلة: ضعيف].

دل الحديث أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عزيز كريم، لقيامه بأمر الله تعالى وعدم خشية سواه، وأن القاعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حقير ذليل لعدم قيامه بأمر الله وخشيته سواه. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرجل أن تمنعه مخافة الناس من قول كلمة الحق كما روى أبو سعيدـ أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام خطيباً، فكان فيما قال: (ألا لا يمنعن رجلاً هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه) قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا [ابن ماجة (2/1328)].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10169855

عداد الصفحات العام

5366

عداد الصفحات اليومي