=اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، وارزقهم من يقودهم إلى رضاك في الدنيا والآخرة، ويرفع راية دينك في الأرض على سائر الأديان. =اللهم انصر عبادك المؤمنين على أعدائك وأعدائهم المعتدين - من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين -وأنزل بهم بأسك وأرنا فيهم عجائب قدرتك. =اللهم اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم فإنهم قد كفروا بك واعتدوا على عبادك المؤمنين بما أنعمت عليهم، اللهم اجعل ما ينفقونه من أموالهم في الصد عن سبيلك والاعتداء على خلقك، حسرة في قلوبهم إلى يوم يلقونك. =اللهم يا منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم، اللهم أرسل عليهم جندا من جندك الذين لا يعلمهم سواك، واهزمهم كما هزمت الأحزاب قبلهم. =اللهم، شتت شملهم وفرق جمعهم واجعل بأسهم بينهم وأشغلهم بأنفسهم واقتلهم، وأخرجهم من ديار المسلمين مقهورين ذليلين حقيرين، خزايا ندامى موتورين. =اللهم فك أسر المأسورين، وادفع عنهم، وارفع قدرهم، وأعزهم في دنياهم وآخرتهم، وأذل أعداءهم الذين ظلموهم، في الدنيا والآخرة يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. =يا من أهلكت قوم نوح وعاد وثمود وصالح وشعيب، وأهلكت فرعون الذي علا في الأرض وقومه، وكل جبار معتد، أهلك كل عنيد وجبار ومعتد وظالم واكف عبادك المسلمين منهم بما شئت. =يا من تقول للشيء كن فيكون، دمر هؤلاء المعتدين الذين علوا في الأرض وأفسدوا فيها وأهلكوا الحرث والنسل، فأنت أعلم بضعفنا وأرحم بنا من أنفسنا، فليس لنا من يدفع عنا سواك يا حي يا قيوم يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.({قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)}) النور
(018)سافر معي في المشارق والمغارب :: (017)سافر معي في المشارق والمغارب :: (016)سافر معي في المشارق والمغارب (إلى أمستردام) :: (03)قواعد تزكية النفس القاعدة الأولى: إرادة التزكية: :: (02) قواعد مختصرة في تزكية النفس :: (015)سافر معي في المشارق والمغارب :: (01)قواعد مختصرة في تزكية النفوس :: (014)سافر معي في المشارق والمغارب [بلجيكا] :: (013)أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(013)أثر التربية الإسلامية في المجتمع الإسلامي

(013)أثر التربية الإسلامية في المجتمع الإسلامي

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

إن الناس يختلفون في قوة إيمانهم وضعفه، كما يختلفون في القدرة وعدمها، وقد جعل الشارع للأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ثلاث مراتب: المرتبة الأولى هي الحد الأعلى، والمرتبة الثانية هي الوسط، والمرتبة الثالثة هي الحد الأدنى.

فالمرتبة الأولى: هي أن يقوم الآمر والناهي بتغيير المنكر بيده، أي يغيره بالقوة، ولا يكتفي بالوعظ والتذكير وبغض ذلك بقلبه، وهذه المرتبة هي فرض على القادر عليها، مثل الأب مع ولده الداخل تحت قدرته، وكذلك المنكر الذي يوجد في الأسرة، فإن الواجب على رب الأسرة تغييره بالقوة إذا لم يكن بد منها، وكذلك ولاة الأمر، كالحكام والنواب، من موظفي الدولة، كل فيما يخصه، وفي حدود ما خوله المسؤول عنه. وولاة الأمر هم أقدر الناس على مباشرة هذه المرتبة؛ لأن ما بيدهم من السلطان والقوة يتيح لهم ذلك، بخلاف غيرهم.

ولكن تغيير المنكر بالقوة، لا ينبغي فعله مباشرة، بل ينبغي البدء بالحوار والإقناع، والوعظ والإرشاد، مهما كانت قوة الآمر والناهي، لأن فاعل المنكر إذا وصل إلى تركه بالإقناع والحوار، سيترك المنكر الذي اقتنع بضرره تركا صادقا ودائما في الغالب، بخلاف المكره على تركه، فإنه سيعود له إذا خلا عن الرقيب البشري.
ومن الأمثلة على ذلك قصة الشاب الذي استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الزنا، كما في مجلة البحوث الإسلامية:

أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد : عن أبي أمامة - رضي الله عنه - : « أن غلاما شابا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ائذن لي في الزنى ؟ فصاح الناس به ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (ادن) : فدنا حتى جلس بين يديه فقال : (أتحبه لأمك ؟) قال : لا - جعلني الله فداك ، قال : (كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك ؟) قال : لا - جعلني الله فداك، قال : (كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك ؟) - ( وزاد ابن عوف أحد رواة الحديث ) أنه ذكر العمة والخالة وهو يقول في ذلك: لا - جعلني الله فداك . وهو - صلى الله عليه وسلم - يقول : (كذلك الناس لا يحبونه . .) فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على صدره وقال : (اللهم طهر قلبه ، واغفر ذنبه وحصن فرجه) ، فلم يكن شيء أبغض منه إليه ( يعني الزنى)" [مسند أحمد بن حنبل (5/257). قال العراقي في تخريجه أحاديث الإحياء: "إسناده جيد، رجاله رجال الصحيح" وقال الألباني في سلسلته الصحيحة: (6/712) "إسناده صحيح"].
تأمل قوله في الحديث: "فصاح الناس به" ثم معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب، ونتيجة تلك المعاملة، في قول الشاب نفسه: "فلم يكن شيء أبغض منه إليه" أترى صياح الناس به عندما استأذن في فعل المنكر، سيوصله إلى ما وصل إليه من كراهية الزنا الذي جاء إلى الرسول يستأذنه فيه؟!

المرتبة الثانية: هي مرتبة الأمر والنهي باللسان، وهذه المرتبة يقدر عليها غالب الناس في الأوقات العادية، أي عندما تكون حالة المسلمين في اعتدال، بحيث يكون الحاكم مسلماً، يحكم بشرع الله تعالى ولو في الجملة، ولا يصد الناس عن الدعوة إلى الله تعالى والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والقيام بتعليم الناس دين الله في المجامع العامة كالمساجد، والأسواق، والنوادي الثقافية والاجتماعية والرياضية، ومجمعات المصانع وغيرها، فإن كل واحد يكون أهلاً لقول كلمة الحق يمكنه أن يأمر وينهي في حدود آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداة هذه المرتبة هي اللسان، كما مضى، ويدخل في ذلك الإنكار بالقلم في رسالة أو كتاب أو مقالة في صحيفة ونحو ذلك، من وسائل الإعلام، وللشاشة التلفزيونية أثرها الفعال في ذلك بأساليب متنوعة، منها الوعظ، وغيرها من الوسائل.

المرتبة الثالثة: وهي الحد الأدنى الذي لا يكلف الإنسان غيره، لعدم قدرته فهي إنكار المنكر بالقلب، وذلك ببغضه وبغض فاعله بسبب فعله، وعدم إعانته عليه بقول ولا فعل، ولا بقرينة تدل على رضاه به.
وهذه المرتبة لا توجد إلا حيث يسيطر الاستبداد والطغيان والكفر والفسوق، التي يسندها طغاة أقوياء بالقوة، ويصدون كل من تصدى لتنفير الناس عنها، وأمرهم بما يرضي الله تعالى.

وشَرْعُ الله تعالى هذه المراتبَ، يعتبر من فضله تعالى ورحمته بعباده، حيث راعى قدرتهم واستعدادهم وقوتهم وضعفهم، كل واحد يقوم بواجبه في هذه الفريضة بحسب طاقته. ولو فرض الله تعالى عليهم جميعاً المرتبة الأولى فقط، لكان في ذلك تكليفٌ بما لا يطاق، وهو تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها.

وكذلك لو أوجب عليهم جميعاً المرتبة الثانية فقط، إذا لم يقدروا على المرتبة الأولى، لكان في ذلك إعناتٌ ومشقة على كثير منهم، لعدم قدرة بعضهم على القيام بها. ولهذا كانت المرتبة الأخيرة هي الحد الأدنى، الذي يخرج الإنسان من سخط الله والرضا بما يغضبه من فعل المنكر وترك المعروف.

ولو أن الله تعالى فرض على الناس المرتبة الثالثة فقط في كل الأحوال - وحكمته تأبى ذلك - لكان في هذا تمكين للشر في الأرض ومطاردة للخير. لأن الكفار والمنافقين، والفسقة والظالمين لا يبالون أن يَكره الناسُ أعمالَهم بقلوبهم؛ لأنهم يتجرؤون على تعاطي المنكر وترك المعروف، مع وجود من ينكر عليهم، فكيف إذا فقد الأمر والنهي؟

وكذا لو اقتصر على فرض الأمر والنهي على القول أو بالقول مع كراهة القلب، فإن كثيراً من الناس يكون قادراً على الأمر والنهي بيده، فيرى أن الأمر لا يعنيه فلا يغير بيده، وإنما يكتفي بلسانه وقلبه، وكل ذلك خلاف ما تقتضيه حكمة الله. فشرعه سبحانه المراتب الثلاث، يدل على كمال علمه وحكمته ورحمته وسمو أحكامه تعالى.

وقد اشتمل على المراتب الثلاث المذكورة حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، كما روى عنه طارق بن شهاب، رحمه الله، قال: أول من قدم الخطبة يوم العيد قبل الصلاة، مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: تُرِك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [مسلم (1/69) والترمذي (4/470)].

ومثله حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [مسلم (1/70)].

ودل حديث أم مسلمة، رضي الله عنهـا أنه لا يسلم من تبعة المنكر، إلا من أنكر بحسب قدرته على ما مر في المراتب الثلاث، أما من لم ينكر المنكر، بل رضي به وتابع صاحبه، أو أظهر له الرضا به، فإنه معرض لسخط الله تعالى وعقابه، كفاعل المنكر. فقد روت أم مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع) قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: (لا، ما صلوا) [مسلم (3/1480)].

قال النووي، رحمه الله: (فمن كره فقد برئ).. معناه من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لم يستطع إنكاره بيده ولا لسانه، فليكره بقلبه وليبرأ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ولكن من رضي وتابع) معناه: ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع، وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر، لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به، أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه" [شرح النووي على مسلم (12/243)].

وقد تفضُل المرتبة الثانيةُ التي هي التغيير باللسان، المرتبةَ الأولى، التي هي التغيير باليد، بحسب المأمور والمنهي. فالذي يغير المنكر بيده في بيته ومع أفراد أسرته، أقل درجة ممن يغير المنكر بلسانه أمام سلطان ظالم، ولهذا لما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم، عن أي الجهاد أفضل، جعل كلمة الحق عند السلطان الجائر هي جواب السائل. كما في حديث أبي أمامة، رضي الله عنه، قال: عرض لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، رجل عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة، وضع رجله في الغرز، ليركب، قال: (أين السائل؟) قال: أنا يا رسول الله، قال: (كلمة حق عند سلطان جائر) [ابن ماجة (2/1330)، قال المحقق: "في الزوائد: في إسناده أبو غالب، وهو مختلف فيه، ضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي، ووثقه الدارقطني، وقال ابن عدي: لا بأس به، وراشد بن سعيد، قال فيه أبو حاتم: صدوق، باقي رجال الإسناد ثقات" وراجع سنن الترمذي (4/471) وجامع الأصول (1/333) وذكره الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (2/369)]. ومثله حديث أبي سعيد الخدري، t، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) [ابن ماجة (2/1329)].

والسبب في تفضيل، كلمة الحق عند السلطان الجائر يعود إلى أمور:

الأمر الأول: قلة من يقوم بذلك من الناس، لما يعلمون من ظلم السلطان وبطشه وكبريائه، واحتقاره للناس، فالناس يهابونه ويخشونه على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا يواجهه بكلمة الحق، إلا من باع نفسه وكل غال عنده لله تعالى.

الأمر الثاني: أن أذى السلطان الجائر المأمور، لا يلحق الآمر وحده، وإنما يلحق أسرته، من بنين وبنات وأزواج وإخوة وأبوين وأصدقاء وغيرهم، كما يلحق ما يملك من مال ومنصب وجاه وغيرها.

الأمر الثالث: ما في كلمة الحق عند السلطان الجائر من نفع عام، يشمل الرعية كلها، إذا قبلها منه السلطان وعمل بمضمونها، وهي كذلك نافعة ولو لم يأخذ بها، لما فيها من إقامة الحجة على الطغاة.

الأمر الرابع: كون فاعل ذلك قدوة حسنة لغيره من الرعية الساكتين، فقد يقتدي به بعض أهل الخير، فيقومون بالأمر والنهي وقد ينفع الله بذلك.

من الذي له الحق في الأمر والنهي؟:

المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يُعمل بالمعروفُ ويُترك المنكر، فلا بد من وجود الوسائل المؤدية إلى ذلك، وعدم الموانع التي تكون سبباً في عكس المقصود من الأمر والنهي.

الوسيلة الأولى المؤدية إلى المقصود العلم: بأن يكون الآمر والناهي عالماً بالمعروف والمنكر علماً شرعياً، من نصوص الكتاب والسنة، والقواعد الشرعية المأخوذة منهما، حتى لا يأمر إلا بالمعروف، ولا ينهى إلا عن المنكر؛ لأن الجاهل قد ينهى عن المعروف، ويأمر بالمنكر وهو لا يدري. ولهذا قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي(108} [يوسف]. ولا يكون الداعي إلى الله تعالى على بصيرة إلا بالعلم.

الوسيلة الثانية الحكمة: الحكمة التي يحسن بها الداعي إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر كيفية الأمر والنهي، أي يكون حسن التصرف في أمره ونهيه، فيعطي كل موقف ما يناسبه من اللين وحسن الأسلوب، واختيار الدليل والحجة للذي يأمره وينهاه، ومن الزجر والتخويف والإغلاظ في القول، لمن يستحق ذلك، ومن إنزال العقاب الخفيف أو الشديد.. وهكذا.. لأن الناس يختلفون في سرعة الاستجابة وبطئها، والاقتناع بالحجة الواحدة أو الحجج الكثيرة، وبالإشارة والكلمة، أو بالإسهاب والتفصيل، وبالترغيب أو الترهيب، أو بهما معاً. وذلك يقتضي أن يكون الآمر قادراً على اختيار الأسلوب المناسب والوسيلة المناسبة، وقد شمل ذلك كله وغيره مما يدخل في الحكمة، قول الله سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(225)} [النحل].

الوسيلة الثالثة: التجرد لله والإخلاص له: وعدم ابتغاء شيء من حطام الدنيا بالأمر والنهي، لأن الذي يتجرد لله، ولا يقصد بعمله الدنيا تظهر للناس نزاهته، ويستبين شرف مقصده، ويعلم الناس أنه لا يسعى لكسب مادي من مال ونحوه، ولا معنوي، من منصب وجاه وغيرهما، وإنما يسعى لإسعادهم وجلب الخير لهم بدون أن ينال أجراً منهم، بل ابتغاء مرضاة الله. ولهذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام يقرنون دعوتهم الناس إلى الله، بأنهم لا يسألونهم أجراً على دعوتهم. كما قال تعالى عن نوح u: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(110)} [الشعراء]. وهكذا قال عن هود u: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ(127)} [الشعراء]. وهكذا قال عن صالح ولوط وشعيب عليهم السلام. والذي يريد من وراء دعوته وأمره ونهيه مغنماً، لا يتبعه الناس إلا لمغنم، وذلك بعيد عن مقصود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الوسيلة الرابعة: الصبر على أذى الناس، وصدودهم عنه، وصدهم غيرَهم عن الاستجابة لأمره ونهيه؛ لأن الآمر بالمعروف يأمر الناس بما لم يألفوه، وينهاهم عما ألفوه، وفعل غير المألوف شاق على النفوس كترك المألوف، والذي لا يمنحه الله تعالى نعمة الصبر، لا يقدر على السير في هذا الطريق؛ لأنه طويل مملوء بالأشواك والعقبات، إذا تجاوز بعضها حجزه بعضها الآخر.

وإنما يقدر على السير فيه من آتاه الله خلق الصبر، والصبر حبس النفس على ما تكره، وإذا طال صبر الآمر والناهي، وكرر الأمر والنهي، لفت بذلك انتباه ذوي الألباب، فيأخذون في التفكير في أمره ونهيه، ومراجعة ما هم عليه، ويعلمون في آخر الأمر أن هذا الإنسان لا يمكن أن يصبر هذا الصبر الطويل بدون نفع مادي يعود عليه منهم أو من غيرهم، بل يصبر على الناس في حال إحسانه إليهم، وإساءتهم إليه، يعلمون أن ذلك لا يمكن أن يحصل، إلا إذا كان صاحبه على حق يحس بالسعادة تغمره وهو يدعو الناس إليه، ولو وقفوا كلهم ضده، وإن أصيب بالحزن على بعدهم عن ذلك الحق، عندئذ يستجيب من أراد الله هدايته، ويصبح في صفه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لينعم المجتمع بالخير ويسلم من الشر.

قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)} [العصر]. السورة دلت على أن الإيمان الصادق والعمل الصالح، في الآمرين الناهين، يسبقان التواصي بالحق والتواصي بالصبر، لأن الإيمان والعمل الصالح، يعينانهم على ذلك. وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، بالاقتداء بأولي العزم من إخوانه الرسل في الصبر على قومه، وهو يأمرهم وينهاهم، وهم يصدون عنه ويؤذونه، فقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ(35)} [الأحقاف].

تأمل قوله تعالى له: {وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} الدال على أن الداعي إلى الله يحتاج إلى أناة في دعوته حتى يستجيب له المدعوون المأمورون بالمعروف المنهيون عن المنكر. وقال تعالى عن لقمان، وهو يعظ ابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ(17)} [لقمان].

الوسيلة الخامسة: التوكل على الله: والاعتماد عليه وإحسان الظن به وبنصره؛ وهذه القاعدة كأختها السابقة: الصبر، وصف الله بها عباده المؤمنين، وأنبياءه ورسله بل قصرها عليهم، وهم قدوة المؤمنين وعلى رأسهم خاتمهم نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد طبقوها في حياتهم، وأمروا بها أتباعهم، ففازوا في الدنيا والآخرة وكان النصر حليفهم، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر تواجهه عقبات ومثبطات إذا لم يكن قوي التوكل على الله تعالى قد يضعف ويتخلى عن وظيفته. قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)} [الأنفال].

وقد أمر الله تعالى رسوله بالتوكل عليه واصفاً نفسه بـ{الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} إشارة إلى أن كل من سوى الله تعالى، مهما عظمت منزلته واشتدت قوته، فمصيره الهلاك، والهالك لا يجلب نفعاً لأحد اعتمد عليه من دون الله، كما قال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ(58)} [الفرقان]. وأخبر تعالى أنه كاف من توكل عليه صادقاً، فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ(3)} [الطلاق].

أمثلة لتطبيق رسل الله التوكل عليه:

ومن تطبيقات رسله عليهم الصلاة والسلام التوكل على ربهم والاعتماد عليه، موقف نوح عليه السلام - الذي مكث يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما - من عناد قومه وجبروتهم وقوة تحديه لهم وهو لا يملك جيشاً وسنداً قوياً غير الذي توكل عليه، كما قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ(71)} [يونس].

فهو يتحداهم بأن يعزموا جميعاً -بعد يأسه من استجابته-على فعل ما يريدونه به من السوء والأذى، ويستعينوا بشركائهم التي يعبدونها من دون الله، وليكن عملهم ضده واضحاً جلياً لا يخفونه، ويعجلوا به بلا تأخير ولا إمهال. أعلن هذا التحدي بعد أن أخبرهم بِقَصْر اعتماده وتوكله على ربه الذي لا يضيع من توكل عليه: {فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} وقد أوجز الله بعض أساليبه في دعوته لهم تلك المدة كلها، ويأسه من استجابتهم في سورة نوح، بل إن الله تعالى أخبره، بأن قومه لا يؤمنون به، إلا من سبق إلى الإيمان به نتهم، كما قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)} [هود]

وشبيه بموقف نوح موقف هود عليه السلام، من قومه الذين ادعوا أن آلهتهم التي نهاهم عن عبادتها من دون الله، أصابته بسوء، وكأنهم يهددونه بالمزيد من إصابات آلهتهم إياه، فرد عليهم ذلك الرد القوي الذي لا يصدر إلا ممن استند إلى من يقول للشيء: {كُنْ فَيَكُونُ} معللاً موقفه ورده عليهم بتوكله على الله، قال تعالى: {إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)} [هود].

وهذا هو سبيل جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام، يتحدون أقوامهم العتاة الجبابرة، بقوة توكلهم على الله القوي القادر على كل شيء، وهو سبيل أتباع الرسل كما قال الله تعالى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سياق غزوة ذات العسرة "تبوك" : {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)} [براءة].

وهذا أبو الأنبياء وابنه محمد صلى الله علَيه وسلم، يتفقان توكلهما على ربهما بالنطق بجملة واحدة، تدل على قوة توكلهما على ربهما في وقت الشدة عليهما من أعدائهما، فقد روى ابن عباس- رضي الله عنْهما - قال : في قوله تعالى : {إنَّ النَّاسَ قد جمعوا لكُم فاخْشَوْهُمْ فزَادَهُمْ إِيمَانا ، وقَالُوا حسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ} قالها إبراهيمُ حينَ أُلقِيَ فِي النَّارِ ، وَقالَها محمدٌ حين قال لهم الناس : {إنَّ النَّاسَ قد جَمَعُوا لَكم(173)} [آل عمران، والحديث في البخاري، رقم: 4563].

الوسيلة السادسة: قوة الصلة بالله والدوام على طاعته: وذلك بأداء الفرائض من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وذكر لله تعالى، وغيرها مما أوجبه الله تعالى لنفسه، أو أوجبه لعباده من الحقوق؛ لأن عدم القيام بالفرائض والواجبات يغضب الله تعالى، فهو من معاصي الله والمعاصي سبب في خذلان الله لأهلها، وخذلان الله مقتض للفشل وليس للثبات على الحق. والذي يتتبع توجيهات الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، في دعوته للناس وتحمل المشاق التي تواجهه منهم، يجد هذه التوجيهات تحث الرسول صلى الله عليه وسلم، على الاجتهاد في قوة الصلة بالله تعالى في كل أوقاته من أجزاء الليل والنهار يُكثر فيها من تسبيح الله وتحميده والمداومة على قيام الليل.

ذلك أن من يدعو إلى الحق الإلهي ويريد الثبات عليه، يجد من الأسباب والمعوقات التي تضعف قوة إرادته واستمراره في الثبات؛ لأن من يدعوهم إلى الحق قد ألفوا من الباطل خلاف ما يدعوهم إليه من الحق، فيقفون ضد تلك الدعوة وقوفاً صلباً عنيدا، يحاربون كل من يريد تغيير ما ألفوه من الباطل، فإذا لم يكن صاحب الحق له ما يسنده ويقويه على ثباته، سرعان ما ينهار ويصاب باليأس المثبط له عن استمراره. وليس لصاحب الحق ما يثبته عليه إلا الله الذي منحه الحق وأمره به، فإن قويت صلته به وأكثر من عمل ما يحبه من طاعته، وفقه الله وأعانه، وإن ضعفت صلته به ضعفت قوة إرادته وضعف ثباته، وهذه أمثلة من القرآن الكريم تبين هذه القاعدة وتدعمها.

تأمَّل هذه الآيات من سورة المزمل وما تلاها من آيات في سور أخرى أسردها بدون تعليق، لوضوح المراد منها، تأمَّل كيف يوجه الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، إلى الإكثار من قيام الليل والتسبيح والتحميد والسجود ودوام العبادة في سياق دعوته الناس وثباته عليه؛ لأن ما يتلقاه من ثقل التكاليف القرآنية للقيام بتبليغ الحق إلى الناس والاستمرار على ذلك، لا يتحمله إلا من قَوَّى صلته بمن ألقاه عليه. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً(10)} [المزمل].

وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99)} [الحجر]. وقال تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ(49)} [الحجر] . وقال تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ(40)} [ق]. وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى (128) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى(130)} [طه]. وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً(36)} [المزمل] .



الوسيلة السابعة: أن يؤدي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى المقصود منه: بأن لا يؤدي إلى مفسدة أكبر من مفسدة المنكر الذي أريد تغييره، أو إلى تفويت مصلحة أعظم من مصلحة المعروف الذي أريد تحقيقه، فإن كان الأمر والنهي يؤديان إلى تلك المفسدة أو إلى تفويت تلك المصلحة، فلا يجوز الإقدام عليهما حينئذ؛ لأن الشارع لا يأمر بارتكاب أكبر المفسدتين أو تفويت أعظم المصلحتين، وإنما يأمر بارتكاب أخف المفسدتين، وبجلب أعظم المصلحتين.

ومما يبين العمل بهذه القاعدة ترك النبي صلى الله عليه وسلم، إدخال حِجر إسماعيل في بناء الكعبة وبناء بابين فيها للداخل من الشرق والخارج من الغرب، كما كانت على عهد إبراهيم u، خشية من افتتان قريش بذلك، لحداثة عهدهم بالإسلام. كما روت عائشة رضي الله عنهـا، قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم، عن الجدار، من البيت هو؟ قال: (نعم) قلت: فمالهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: (إن قومك قصرت بهم النفقة) قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: (فعل ذلك قومك، ليدخلوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض). وفي رواية: (لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم) [البخاري (2/156) واللفظ له، ومسلم (2/968)].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة. وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة" [فتح الباري (3/448) وراجع مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/126ـ131)].

قلت: هنا مصلحتان: الأولى هدم البيت وبناؤه على قواعد إبراهيم، وجعل بابين له، كما كان أمره قبل بناء قريش، والثانية: إدخال الحجر في بناء البيت، لأن ذلك هو الأصل. والمفسدة التي خشيها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ هي نفور قريش مما رغب الرسول صلى الله عليه وسلم، في فعله؛ لأن قرب عهدهم بالجاهلية، قد يحدث في نفوسهم حزناً على تغيير بنائهم، وقد يترتب على ذلك ما لا تحمد عقباه من معارضة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد قدم صلى الله عليه وسلم درأ هذه المفسدة، على عمل ما كان يرغب في عمله؛ لأن المفسدة أشد ضرراً من ترك المصلحتين.

ومن الأمثلة الواضحة لهذا الأمر، عدم جواز الخروج بالقوة على الحاكم الفاجر الذي لم يصل فجوره إلى حد الكفر البواح؛ لأن المقصود من الخروج إزاحته عن تولي أمر الناس، ووقايتهم من ظلمه وجوره، وهذا يعتبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه منع منه خشية من الوقوع في مفسدة أعظم من فجوره وظلمه، وهي الاقتتال والتناحر المؤديين إلى فساد البلاد وهلاك العباد. ولو تمكن أهل الحل والعقد من إزاحته بالوسائل التي لا تؤدي إلى مفسدة أعظم من مفسدة بقائه، لكان لهم ذلك؛ لأن النهي عن منابذته ليس تعبدياً، بل هو معقول المعنى، وهو الخوف من المفسدة الأعظم، وقد سبق ذكر بعض الأحاديث التي فيها النهي عن منابذة الأمراء.

ويجب التنبيه هنا على أن بعض الحكام في هذا الزمان، قد يدخلون في باب الكفر البواح، وهم الذين يصرحون أن الشريعة الإسلامية غير قابلة للتطبيق، ويجبرون مع ذلك الشعوب الإسلامية على قبول الأحكام المأخوذة من قوانين البشر، مع مخالفتها الصريحة لحكم الله. فهؤلاء يجب على أهل الحل والعقد في الشعوب الإسلامية، أن يتخذوا كافة الأسباب المتاحة، لإزاحتهم من تولي أمور المسلمين، مع مراعاة القدرة على ذلك، وعدم وجود مفسدة أعظم من المفاسد التي يفعلها.

ويجب أن يفرق بين الأمير الفاسق الذي يقتصر فسقه على نفسه، وبين الأمير الذي يجمع إلى فسقه نشر الفسق والفجور والفواحش في الأمة، داعماً ذلك بما مكنه الله به من قوة ومال وسلطة، فالأول يمكن الصبر على ولايته، وإن كان الأفضل تنازله عن الإمارة لمن هو أولى منه ممن لا يجاهر بالفسق. أما الثاني، وهو الذي ينشر الفسق بين الأمة، ويحارب من يمنع ذلك، فهذا لا يجوز السكوت عليه؛ لأنه يفسد الأجيال ويبعدها عن طاعة الله، ولكن يجب في إزاحته مع ما تقدم من مراعاة المصلحة والمفسدة.

هذا، ومما ينبغي أن يعلم أنه لا يصلح أن تجعل المسائل الاجتهادية من باب المنكر؛ لأن المجتهد، إذا أصاب فله أجران، وإذ أخطأ فله أجر، فلا يحكم على اجتهاد المجتهد الذي استنبطه من الكتاب والسنة، أو قاسه على أصل قابل للقياس بأنه منكر. ولا يمنع عدم الحكم على تلك المسائل بأنها منكر، من الحوار والمذاكرة فيها والمناظرة بين المجتهدين لإظهار أوجه الاستدلال وتمحيصها، للوصول إلى الصواب وليس أدعياء الاجتهاد المتطفلين.

ولكن يجب التفريق بين مسائل الاجتهاد التي تتعارض فيها ظواهر الأدلة، وبعض مسائل الخلاف التي يوجد فيها نص من الكتاب والسنة أو الإجماع مع أحد الفريقين دون الآخر، وإنما قدم على النص قياساً ظنه صحيحاً وهو واضح الفساد إذ لا صحة لقياس يعارض نصاً ثابتاً، فهذا خلاف غير معتبر، ويجب مع محاورة صاحبه وإنكاره إذا لم يرجع عنه، وإليه أشار الناظم:
وليس كل خلاف جاء معتبرا،،،،،،،،إلا خلاف له حظ من النظر
ولهذا الموضوع بقية




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

9997953

عداد الصفحات العام

150

عداد الصفحات اليومي