﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡتَرِی لَهۡوَ ٱلۡحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲ وَیَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ﴾ [لقمان ٦]
(016)طل الربوة :: (015)طل الربوة :: (01)سافر معي في المشارق والمغارب :: (014)طل الربوة تقوية الأستاذ صلته بطلابه: :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب :: (013)طل الربوة شعور الأستاذ وطلابه بالمسؤولية في نشر العلم: :: (04)سافر معي في المشارق والمغارب :: (03)سافر معي في المشارق والمغارب :: (012)طل الربوة :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(02)سافر معي في المشارق والمغارب

(02)سافر معي في المشارق والمغارب

الاثنين: 21/7/1398ﻫ ـ 26/6/1987م

بينونة كبرى!


وفي صباح يوم الاثنين الموافق 21/7 حزمنا حقائبنا ونزلنا إلى إدارة الفندق لنحاسبه ونودع الفندق إلى غير رجعة إن شاء الله، فقد عزمنا على طلاق ذلك الفندق طلاق البينونة الكبرى. وفي إدارة الفندق اتفقنا على الاتصال بالحاج أحمد بابا السوداني هاتفياً، إذ كان اسمه ضمن الأسماء التي سجلناها مع رقم هاتفه، وهو في إنديانا بولس، وكان الاتصال تقريباً في الساعة التاسعة فلم نجد الحاج، وإنما أجابتنا زوجته وذكرت أنه مسافر، وكان أهل إنديانا لا زالوا نائمين في الليل، فذكرنا لها أننا سنصل إلى نيويورك غداً الثلاثاء، ولا نعرف هناك أحداً، ونحب أن يقابلنا أحد الأصدقاء، فقالت إنها ستعمل جهدها. ولقد وفت بوعدها كما سيأتي الكلام عند وصولنا إلى نيويورك.

جولة في بعض نواحي لندن:
واتفقنا على أن نتجول هذا اليوم في لندن لنزور بعض المراكز الإسلامية فقال لنا أخونا محمد أشرف: نذهب أولاً إلى محطة القطار الرئيسية لإيداع الأثاث هناك، ثم ننطلق لزيارة المناطق التي تريدون زيارتها، ففعلنا.

إلى أين يجري الناس ولماذا؟!

فذهبنا إلى المحطة المذكورة ونزلنا في الطوابق السفلى لنرى عالم الذر الكبار يموج في كل اتجاه، لقد رأينا الناس يجرون جرياً غير عادي عندنا، كل طائفة تيمم جهة، وبعضهم يقف ويتأمل في كتابات الجدران ثم ينطلق مهرولاً، فقلت في نفسي: لعل حرباً عالمية قد قامت، أو حرائق قد شبت، ولكن رأيت صاحبنا محمد أشرف يعمل مثلهم يقف ويتأمل في كتابة الجدران ثم ينطلق ونحن مضطرون أن نتبعه، وعرفنا بعد ذلك أن الناس منطلقون إلى أعمالهم وإذا لم يجروا فإن القطار يفوتهم ويأتي قطار آخر، ولكن بعد أن تمضي بعض الدقائق التي تعتبر فائتة من وقتهم، ويقف الناس في طوابير ليأخذوا تذاكر الركوب، ولكن ينتهي الطابور بسرعة دون ازدحام أو محاولة المتأخر أن يتقدم على من قبله كما هو الحال في بلدان ما يسمى بالشرق الأوسط.

وهناك آلات خاصة لمن هو أكثر عجلة لا يريد الوقوف بالطابور يستطيع أن يرمي فيها نقوده المطلوبة ويضغط على مفتاحها فتعطيه البطاقة، ولكنها أغلى من البطاقة التي تؤخذ من البشر. والسلالم صاعدة وهابطة بعشرات الناس تسعى بهم سعياً حثيثاً، ولكنهم لا يكتفون بسرعة تلك السلالم، بل يجرون هم أيضاً عليها إنهم يسابقونها لأنها بطيئة في نظرهم، وذلك من أجل أن يدركوا ما هو أسرع منها وهو القطار، ولا يقف على درجات تلك السلالم إلا العجزة ومن لا ارتباط لهم بالوقت، وكنا من هذا الصنف الأخير وكنت أخشى في أول الأمر أن تلحق إحدى السلالم الأخرى فتطحن رجلي ولكن الله سلم [لم تكن تلك السلالم موجودة في مطاراتنا تلك الفترة].

زحام وهدوء!

ومع تلك الجموع الكثيرة وتلك الحركات السريعة، كان الهدوء يسود الناس والنظام يسير معهم، لا تسمع صوتاً ولا ضوضاء، بل لا يلتفت أحد لأحد ولا يسأل أحدٌ أحداً، وإنما يسيرون على حسب التعليمات المكتوبة على اللوحات في الجدران. وذهب بنا محمد أشرف إلى مكان إيداع الأثاث لقاء أجر قليل من النقود وأخذ بطاقة تَسَلُّمٍ بذلك، ثم نزلنا فوقفنا لحظات جاء بعدها القطار فركبنا. وأخذت أنظر إلى الناس فإذا هم ما بين قارئ في جريدة أو كتاب أو متحفز للنزول في المحطة القادمة، وهناك أماكن في القطار يحظر فيها التدخين وأخرى يباح فيها، كل راكب يستطيع أن يكون في المكان الذي يناسبه.
إلى دار الرعاية الاجتماعية:

وكنا متوجهين إلى دار الرعاية الاجتماعية في لندن، فخرجنا من أنفاق القطار من الطوابق السفلى إلى ظهر الأرض فوقفنا لحظات، فإذا الحافلة ذات الطابقين [ وكانت تلك الأيام من الأشياء الغريبة عندي، لأنها لم تكن توجد في المملكة، وقد قررت بريطانيا في عام 2004م إحالة هذا النوع من وسائل النقل إلى التقاعد بعد مضي خمسين سنة على وجودها، واستبدال غيرها بها من وسائل النقل التي يسهل على العجزة والمعاقين ومن يصحبون في تنقلاتهم أطفالا، بخلاف الوسائل ذات الطابقين، فإن في صعود المذكورين إليها صعوبة، وسيتم إلغاء تلك الوسيلة في مطلع عام 2005م وسيبقون منها عدداً قليلا لمن أظهروا ندمهم على إلغائها، لأنها أصبحت عندهم جزءا من تاريخ بريطانيا].

(لندن - من اندرو غالي وخريستوف شميدث: بقيت حافلات لندن الحمراء ذات الطابقين على مدى خمسين عاماً وسيلة نقل عملية لسكان المدينة المكتظة، إلا انه وبعد نصف قرن من تشغيلها فقد اقتربت نهاية الطريق لتلك الحافلات التي تعد علامة مميزة للعاصمة البريطانية. وكان رئيس بلدية لندن كين ليفينغستون قال انه سيتم التخلص تدريجيا بحلول عام 2005 من 500 حافلة هي التي تبقت من تلك الحافلات لتحل محلها حافلات قادرة على حمل مزيد من الركاب ولا تتطلب سوى شخص واحد لتشغيلها واقفة فركبناها ونزلنا في المكان الذي يظن أن المقر قريب منه، فدلنا بعض أهل الحارة على منزل فطرقنا بابه فخرجت امرأة سورية محتشمة تخاطب زميلي وصديقي باللغة الإنجليزية، فلما رأتني ألبس اللباس العربي انطلقت عقدة لسانها ورحبت بنا فسألناها عن المسؤول عن الدار؟ فقالت: إن هذا المنزل تابع لها (أي للدار) ولكن خاص بتعليم بعض الأطفال وأشارت لنا إلى مكان الدار في الجهة التي أتينا منها فرجعنا أدراجنا نلتمس الدار، فإذا أنا أرى مكتبة تجارية تحتوي على كتب عربية كثيرة فقلت للأخوين ندخل هذه المكتبة لعلنا نجد من يدلنا على الدار، فدخلنا وسألنا مدير المكتبة فقال إنكم الآن في الدار فتفضلوا على الرحب والسعة.

واتصل بالأخ المسؤول عن الدار فجاء فوراً، وكان على خلق فاضل وسمت المسلم الفاضل ـ ولا أزكي على الله أحداً ـ فتعرف علينا ورحب بنا وطلب منا أن نبقى حتى نتناول طعام الغداء فاعتذرنا لضيق وقتنا وقد وعدنا بعض الجهات بالزيارة، فتوضأنا وصلينا معهم الظهر وشربنا الشاي، ثم تجولنا في المكتبة التي تحتوي على كتب إسلامية كثيرة، ومنها كتيبات صغيرة للأطفال والمبتدئين في اللغة العربية، وأشرطة لتعليم اللغة الإنجليزية، ومصاحف مسجلة في أشرطة، ويشتمل المركز على مسجد وبجانبه دورة مياه كاملة للوضوء، وقاعة لبعض الألعاب الرياضية الخفيفة ومكان للاستقبال، ويفد إليهم بعض الطلبة المغتربين للصلاة معهم والمذاكرة والقراءة وهم يقومون بمجهود يشكرون عليه على رغم قلة الإمكانات [سيأتي مزيد من المعلومات عن دار الرعاية في زياراتي القادمة لبريطانيا من هذه السلسة].

مستنقع آسن يجمع الغافلين عن الله!

بعد ذلك ودعناهم وذهبنا إلى منطقة (وستئند) ذات المباني القديمة، المزدحمة بالسكان والسائحين الأجانب، وهي ـ كما قال محمد أشرف ـ مشهورة بالمراقص والمسارح ودور السينما والفساد الذي لا ينبغي وصفه بالتفصيل.

تائهون لفقدهم ذكر الله!

وقبل وصولنا إلى مركز المنطقة المذكورة وجدنا في طريقنا طائفة من البشر مختلطة من الرجال والنساء، لا يعرف الفرق بينهم إلا بلحى الرجال الذين أطلقوا شعورهم ولبسوا ملابس رثة، وتبدو القذارة على ثيابهم والحسرة على وجوههم، وهم يحملون أدوات الموسيقى ويوقعون عليها ويضربون الدفوف ويرقصون ويغنون، وكنت لا أفهم من كلامهم إلا هوم هوم هوم (Home) ثلاث مرات، فسألت: ماذا يريدون من ذكر المنزل؟ فقيل لي: إنهم يقولون في أغنيتهم كيف السبيل إلى عودتنا إلى منازلنا والناس مجتمعون حولهم، منهم من يسمع صامتاً، ومنهم من يضحك، ثم شرح لنا محمد أشرف حالهم، فقال: إن هؤلاء كانوا من أولاد الأغنياء ذوي الأموال الطائلة والقصور العالية والسيارات الفخمة، تعبوا من عيشتهم المادية وخرجوا يلتمسون في الشوارع وعلى الأرصفة وفي الحدائق العامة وغيرها شيئاً يريحهم، فلم يجدوا ذلك أيضاً ويريدون أن يعودوا إلى البيوت، ولكنهم قد جربوها فهم يسألون عن سبيل العودة إلى بيوتهم مع وجود الطمأنينة والرضا.
عندي ما يعيدهم إلى منازلهم:

فقلت؟ لزميلي الدكتور ـ وهو الذي يترجم بيني وبين محمد أشرف ـ: قل له يدعوهم إلي فعندي بإذن الله السبيل الذي يعيدهم إلى منازلهم مع وجود الرضا والطمأنينة. وكنت جاداً في ذلك ومتيقناً أنهم لو سمعوا مني شرح كلمة التوحيد وبعض ما تقتضيه من طاعة الله والصلة به لتحولوا من ضائعين إلى مرشدين، ولكن أخانا محمد أشرف أجاب بأن هؤلاء وصلوا إلى درجة من الاقتناع التي لا تسمح لهم بأن يسمعوا من أحد من المجتمع أي نصيحة، لأنهم لم يصلوا إلى هذه الحال إلا بعد أن يئسوا من إصلاح هذا المجتمع، وهم ذووا عنف فقد يضربون من ينصحهم، فحوقلت ودمعت عيناي حسرة على انحطاط المسلمين الذي خسر به العالم كما قال الأستاذ الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟! وبدأت أتأمل عنوان هذا الكتاب من جديد مع أني قد قرأت الكتاب مراراً، وبدأت أشعر بعاطفة المؤلف وتخيلت أنه أسال دمع عينيه مع حبر قلمه عندما كتب عنوان هذا الكتاب.

واصلنا السير إلى مركز منطقة (وستئند) فرأيناها فعلاً تختلف عن الأماكن الأخرى التي مررنا بها في المدينة.
وكان أشرف يقرأ بعض الإعلانات المكتوبة على بعض المباني ويخبرنا بمعناها، وإنها لأحط من أن أسجلها هنا بقلمي.

هنا ينفق قادة الفسق أموال الشعوب العربية والإسلامية!

وقال لنا الأخ محمد أشرف: إن أموال الأثرياء في الشرق الأوسط تنفق بين هذه الجدران، وإن هذا المكان من أهم الأماكن التي ينطلق منها تحطيم أخلاق المسلمين في كل مكان، وإن اليهود هم الذين يسيطرون عليه. ولقد ضقنا ذرعاً بالمناظر القذرة والمشكلة أني كنت أرتدي اللباس العربي، والعرب الساقطون معروفون بالتردد على هذا المكان، لذلك أشعرت الأخ محمد أشرف أننا في حاجة إلى ترك هذا المكان والذهاب إلى المركز الإسلامي. وفي هذا المكان القذر رأينا بعض المطاعم التي كتب عليها أنها تقدم الطعام الإسلامي، فتعجبت وسألت أشرف: أحقاً هذا أم أنها مصيدة لمن بقي عندهم شيء من الصلاح يترددون على مثل هذا المطعم فتصطاد هم حبائل الشيطان؟ فأجاب: إن هذا هو الصحيح.




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10849902

عداد الصفحات العام

640

عداد الصفحات اليومي