﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]
(027)سافر معي في المشارق والمغارب :: (026)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له-الحلقة الأخيرة :: (025)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (024)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (021)سافر معي في المشارق والمغارب :: (023)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له: :: (022)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (021)فقه عظمة اللله في الخشوع له :: (020)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(08)آثر فقه عظمة الله في الخشوع له

(08)آثر فقه عظمة الله في الخشوع له

عظمة الله في ملكه:

إن تدبر العقلاء أسماء الله تعالى وتدبر بعض ما يدخل في كل اسم منها من معان مما يظهر للمتدبر، ليظهر من عظمة الله تعالى ما يجعل القلوب تخشع وتذل له سبحانه وتوجل هيبة ورهبة وخشية من جلاله، ورغبةً إليه ومحبةً له وطمعاً في رحماته وتوفيقه وهداه.

إن رجلا يُمَلِّكه الله تعالى قطعةً في الأرض تشتمل على خيرات من الأرزاق في ظاهرها وباطنها، يتربع على سرير الرئاسة أو الملك يسيطر على شعب متنوع الأصناف: فقير وغني وجاهل وعالم، وقوي وضعيف، يحيط به الجيوش الكثيرة، والخدم والحشم الوفيره، يتسابقون في السمع له والطاعة، تجد الناس ينظرون إليه نظرة احترام وهيبة، وخوف ورهبة، لا يعصون له أمراً، ولا يرتكبون له زجراً، يرجون منه الكرم والفضل، ويخافون الحرمان والعزل، يدعونه بصاحب الفخامة أوالجلاله احتراماً له وتعظيماً، وتقرباً إليه وتسليماً، مع أن ملكه مجاز وليس حقيقة؛ لأن الذي منحه ذلك الملك هو خالقه ومالكه الذي يعطي ويمنع ويعز ويذل، ويحيي ويميت ، الذي قال لنبيه ولكل من يصلح لتوجيه الخطاب إليه: {قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)} [آل عمران].

وملك غير الله من المخلوقين مع كونه نسبياً في الزمن الذي قد يمتد لصاحبه مدة حياته، وقد يسلب منه قبل ذلك، هو نسبي في المضمون كذلك؛ لأنه مهما عظم في نظر المخلوق يعد شيئاً ضئيلاً بجانب ملك الخالق العظيم، فهو ملك مضمحل باطل في حقيقة الأمر؛ لأن الله تعالى مالك كل شيء في الدنيا وفي الآخرة، وغيره مالك ما ملكه الملك الحق في وقت دون وقت، كما قال تعالى عن نفسه: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ...(114)} [طه].

قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير الآية: "أي وجوده وملكه وكماله حق، فصفات الكمال، لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال، ومن ذلك: الملك، فإن غيره من الخلق، وإن كان له ملك في بعض الأوقات، على بعض الأشياء، فإنه ملك قاصر باطل يزول، وأما الرب، فلا يزال ولا يزال ملكاً حياً قيوماً جليلاً". انتهى.
فهو تعالى وحده الذي يخفض ويرفع، ويهب ويمنع، ويذل ويعز، لا يملك أحد من خلقه شيئاً إلا ما ملكه إياه تمليكاً مؤقتاً يهبه متى شاء لمن يشاء على ما يشاء، ويسلبه متى شاء. هذا في الدنيا؛ أما في الآخرة فهو تعالى وحده مالك يوم الدين، يخاطب فيه عباده الذين برزوا من قبورهم للجزاء العادل الذي لا يتميز فيه أحد عن أحد، بل ينال كل منهم جزاء ما قدم، كما قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)} [غافر]. ترى ألا تجعل عظمة الله تعالى في ملكه في الدنيا والآخرة، جلود العقلاء من البشر تقشعر، وقلوبهم ترتجف وتخبت وتخشى وتخشع لهذا الرب العظيم؟

كررت في هذا البحث ذكر "عقلاء البشر" عن قصد، مع أن المسلمين وحدهم هم المنتفعون بعقولهم التي تجعلهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويخبتون لله تعالى؛ لأن آيات الله الكونية قد أخضعت عقول كثير من علماء الكون غير المسلمين من ذوي التخصصات المتنوعة، من فلك وطب وجيولوجيا وفيزياء، إلى الإيمان بأن هذا الكون لا بد له من خالق مدبر، إذ أدهشهم ما في الكون العلوي والسفلي من دقة ونظام، دالين على أنه من المستحيل أن يكون هذا الكون وُجد بدون خالق، ومن البحوث التي ألفت في ذلك كتاب "العلم يدعو إلى الإيمان". وقد أسلم بعض هؤلاء العلماء بناء على ذلك، وبعضهم اعترف بوجود الله بعد أن كان ملحداً.

وقد دعا هذا بعضَ المسلمين، أن يزعموا أن هؤلاء العلماء من غير المسلمين، أنهم من أشد الناس خشيةً لله تعالى، لعلمهم قدرة الله تعالى، وذكر عدداً منهم لم يدخلوا في الإسلام، قال: "ولو حاولت تتبع بعض سير مؤسسي العلوم الحديثة فستجد أن معظمهم - إن لم نقل كلهم - من أشد الناس خشية لله تعالى ولو عُرض عليهم الإسلام بصورته الصحيحة لما ترددوا في اعتناقه أمثال: نيوتن وكابلر وليوناردو دافنشي وآينشتاين".

ونحن نسلم بأن كثيراً من أولئك العلماء قد أثَّر فيهم دقة الكون ونظامه وأخضعا عقولهم ونفوسهم، للاستسلام لخالق مدبر، وأن الذين أسلموا من هؤلاء وتمكنوا من الفقه في الدين فقهاً صحيحاً، قد عرفوا الله حق المعرفة، وأن هؤلاء قد يكونون أشد خشيةً وخضوعاً وخشوعاً لله؛ لأنهم جمعوا بين الفقه الشرعي والعلم الكوني الذي يزيد صاحبه إيماناً، أما من تأثروا بالعلوم الكونية تأثراً لا يجعلهم يؤمنون بخالق لهذا الكون، فإيمانهم بالخالق إيمان عام، لم يعرفوا حقيقة أوصاف هذا الخالق الشرعية التي لم تعد توجد إلا في كتاب الله وسنة رسوله، ولم يعرفوا ما لهذا الإله على خلقه من عبادته، فلا يصح القول: إن هؤلاء من أشد الناس خشية، وهؤلاء نفى الله تعالى عنه علما، وأثبت لهم علما وغفلة، في قوله تعالى: {...وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)} فالعلم الذي نفاه عنهم، هو العلم بالله الذي يدعو أهله إلى الإيمان بالله تعالى، والعلم الذي أثبته هو ما مكنهم تعالى أن يعلموا من شئون الحياة الدنيا.، وهو واضح.






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10457884

عداد الصفحات العام

1543

عداد الصفحات اليومي