﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]
(027)سافر معي في المشارق والمغارب :: (026)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له-الحلقة الأخيرة :: (025)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (024)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (021)سافر معي في المشارق والمغارب :: (023)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له: :: (022)أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (021)فقه عظمة اللله في الخشوع له :: (020)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(021)فقه عظمة اللله في الخشوع له

(021)فقه عظمة اللله في الخشوع له

عظمته في أخذه وعقابه:

سبق ما يتعلق بسعة رحمته تعالى الشاملة لجميع خلقه في الدنيا، وإذا استعرضنا أسماءه الحسنى وصفاته العلا في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجدناها تتضمن الترغيب في طاعته وما يترتب عليها من آثار حبه ووده ورأفته ورحمته ورضوانه التي خص بها عباده. كما تتضمن الترهيب لمن عصاه وخالف أمره، وحكمته تعالى تقتضي عدم المساواة بين المسلم والمجرم: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} [القلم].

لأن عدله سبحانه يأبى التسوية بين أهل الطاعة وأهل المعصية، وقد قال: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ (20)[الحشر]}. وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه (8)} [الزلزلة]. فكما أن ثوابه لأهل الطاعة عظيم، فإن عقابه للعصاة شديد أليم، قال تعالى: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(211)}. ونحن نشاهد في عمرنا القصير في الدنيا عقابه الشديد الذي ينزله ببعض أهل البلدان، منذراً به غيرهم من أهل الأقطار الأخرى.

ولقد وقفت عند هذه الآيات من قول الله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ (15)} [الأنبياء]. مرات ومرات.

واستحضرت في ذاكرتي ما شاهدته وشاهده العالم في الفضائيات من الزلازل التي أصاب الله بها بعض الدول، وحالة الناس الذين كانوا يفرون مثل الفئران فتلحق غالبهم الأمواج الهادرة التي يدفع بعضها بعضاً، فتهلكهم وتدمر كل ما أتت عليه، فإذا مدنٌ وقرى بكاملها تختفي في مساحات واسعة من الأرض، وكيف تكون حالة الذين يكتب الله لهم الحياة، من البؤس والشقاء والحرمان والشكوى؟! وأعظم ما رأيناه مما يحكي تلك الحال هو زلزال جنوب آسيا "تسونامي" الذي حدث في نهاية ديسمبر 2004م وبلغت قوته 8.9 على مقياس ريختر وقضى على أكثر من 140 ألف إنسان!!".

والذي يريد معرفة عظمته في أخذه وعقابه، لمن كفر به وعصاه، فليتتبع ما فعله الله تعالى بالأمم الماضية، من عهد نوح إلى عهد عيسى عليهم جميعا السلام، كما ف سورة الأنعام، وهود وغيرهما من السور التي ذكر الله تعالى فيها العصاة من تلك الأمم، وعلى سبيل المثال، تأمل قول الله تعالى في أصحاب الأخدود: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)} [البروج].

وقال تعالى في سورة هود، بعد أن ذكر الأنبياء وقومهم الذين كذبوهم وبلغوا ما بلغوا من الظلم والفساد، وعقابه لهم في الدنيا، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)} وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته.] وسبقت قصة قارون في الحلقة الماضية.

وقال تعالى في سورة الفجر: أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)

قال سيد قطب رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: "وما بدّلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في حياتها على الأرض قبل عقاب الآخرة. وها هي ذي البشرية المنكودة الطالع في أنحاء الأرض كلها تعاني العقاب الشديد؛ وتجد الشقوة النكدة؛ وتعاني القلق والحيرة؛ ويأكل بعضها بعضاً؛ ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه، ويطاردها وتطارده بالأشباح المطلقة، وبالخواء القاتل الذي يحاول المتحضرون أن يملأوه تارة بالمسكرات والمخدرات، وتارة بالحركات الحائرة التي يخيل إليك معها أنهم هاربون تطاردهم الأشباح!". انتهى.

والفرق بين العقاب الذي ينزله الله تعالى بهذه الأمة ـ أمة محمد صلى الله عليه وسلم ـ ومن سبقها من الأمم السابقة، أن عقاب الله تعالى للأمم السابقة كان يستأصلها، فلا ينجو منها إلا رسولها ومن تبعه، أما هذه الأمة - أمة الدعوة وأمة الإجابة معاً - فلا ينزل الله بها عقاباً يستأصلها، كما روى ذلك سعد بن أبي وقاص عن الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (سألت ربي ثلاثاً. فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة. سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها. وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها) [صحيح مسلم 2890]. قال النووي رحمه الله في شرح الحديث: "(فَيَسْتَبِيح بَيْضَتهمْ) أَيْ جَمَاعَتهمْ وَأَصْلهمْ، وَالْبَيْضَة أَيْضًا الْعِزّ وَالْمُلْك. قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى: (وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُك لأُمَّتِك أَلا أُهْلِكهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّة) أَيْ لا أُهْلِكهُمْ بِقَحْطٍ يَعُمّهُمْ، بَلْ إِنْ وَقَعَ قَحْط فَيَكُون فِي نَاحِيَة يَسِيرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي بِلاد الإِسْلام. فَلِلَّهِ الْحَمْد وَالشُّكْر عَلَى جَمِيع نِعَمه". انتهى [شرح النووي 18/12].

وفي حديث ثوبانَ صلى الله عليه وسلم، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (... وإنِّي سألتُ ربِّي لأمَّتي أنْ لا يَهلكَهَا بسنةٍ عامَّةٍ وأنْ لا يُسلِّطَ عليهِمْ عدواً من سِوَى أنفُسِهِم فَيَستبيحَ بَيضَتهُمْ وإنَّ ربِّي قال يا مُحَمَّدُ إنِّي قضيتُ قضاءً فإنَّهُ لا يُردُّ وإنِّي أعطيتكَ لأمَّتكَ أنْ لا أهلِكَهُمْ بسنةٍ عامَّةٍ، ولا أُسلِّطَ عليمْ عدواً من سِوَى أنفُسهِم فِيِستَبيحَ بَيضتهُمْ، ولو اجتَمَعَ عليهِمْ من بأقطارِهَا - أو قال من بينِ أقطارِهَا - حتَّى يكونَ بعضهُم يُهلكُ بعضاً ويَسبي بعضهُم بعضاً) [صحيح مسلم، 28/89].

فلا يستبيح بيضتهم كاملة عدوٌّ من الأعداء، إلا أن يتنازعوا فيما بينهم فيضعفوا فيختلفون بلا قتال، أو بالاقتتال الذي تسفك فيه دماؤهم فيما بينهم ويكون تنازعهم سبباً واقتتالهم، لاستحلال عدوهم بعض أقطارهم، كما هو حالنا اليوم مع اليهود وأعوانهم من النصارى، ولعل الحكمة في عدم استئصال هذه الأمة كلها تعود إلى أمرين:

الأمر الأول: أن هذه الأمة لا بد أن يبقى فيها من يعبد الله لا يشرك به شيئاً، ويطيع أوامره وينتهي عما نهاه الله تعالى عنه، كما جاء في حديث المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) [البخاري ومسلم].

الأمر الثاني: أنه يترتب على استئصال هذه الأمة خلو الأرض ممن يعمرها معنوياً بعبادة الله؛ لأن الإسلام هو خاتم الأديان، والرسول صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل، وهذه الأمة هي آخر الأمم، ودينها هو آخر الأديان الإلهية المهيمن على ما سواه، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله) [مسلم].

فإذا عُلم أن الله تعالى يعاقب من عصاه، ويثيب من أطاعه، ولا يساوي بين الفريقين، أحدث ذلك للإنسان العاقل، وبخاصة المسلم الخشية من عقاب ربه يوم لقائه، والخشية والرهبة والخوف منه تعالى من أهم أسباب الخشوع والإخبات له، كما قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (59)} [الإسراء].
ومعلوم أن العصاة الكفرة لا يخافون عقاب الله، وإنما يخافه عباده المؤمنون، وهل يستوي هؤلاء وأولئك؟: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)} [الزمر].

وتأمل الآيتين الآتيتين، كيف ذكر الله تعالى فيهما أن القرآن لو أنزل على أصلب ما في الأرض، وهي الجبال، لخشعت وتصدعت، من خشيته والرهبة منه، بعد أن نفى استواء أصحاب النار وأصحاب الجنة؟! {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ (20) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)} ألحشر].

فيجب أن يستحضر المؤمن دائماً عقاب الله لمن عصاه في الدنيا والآخرة، ليحدث عنده الخوف والخشية والرهبة منه، كما يطمع في رحمته وثوابه، ليعينه ذلك على الخشوع والإخبات له: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)} [الأنعام]. {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)} [العنكبوت].

ولكنه تعالى لا يعاقب أمة من الأمم ولا ينتقم منها في الدنيا والآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليها، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ(59)} [القصص] وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)} الإسراء]. تلك إشارات يسيرة قُصِد بها التنبيه على أن استحضار عظمة الله تعالى من تدبر كتابه المقروء، والإكثار من التعبد له بأسمائه وصفاته، والتفكر في كتابه الكوني المفتوح، أن من استحضر تلك العظمة يكون دوام الإخبات والخشوع له في كل وقت وحين.

إظهار الرسول صلى الله عليه وسلم خوفه من الرياح العاصفة!:

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ريح قوية، أظهر خوفه من أن تكون تحمل عذاباً، فيسأل الله خيرها، ويستعيذ من شرها، ولا يطمئن إلا بعد أن ينزل الله منها الغيث، روي عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: (اللهم! إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به. وأعوذ بك من شرها، وشرما فيها، وشر ما أرسلت به). قالت: وإذا تخيلت السماء، تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه، فعرفت ذلك في وجهه. قالت عائشة: فسألته. فقال: (لعله، ياعائشة! كما قال قوم عاد: { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا } [مسلم].

وقد كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم عظيم التأثير في أصحابه، يجعل قلوبهم ترتعد خوفاً ووجلاً من ربهم، وعيونهم تدمع من قوة الأسلوب البليغ الذي يخاطبهم به وسمو المعاني التي تتغلغل في قلوبهم، كما في حديث العرباض بن سارية صلى الله عليه وسلم، قال: "وَعَظَنَا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً بليغةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُون، فقُلْنَا: يا رَسولَ اللَّه كَأَنَهَا موْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا... الحديث" [ذكره الألباني في صحيح أبي داود، وصحيح الترمذي]..

قال ابن رجب رحمه الله في شرح هذا الحديث، وهو الثامن والعشرون في الأربعين النووية: "وقوله ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، هذان الوصفان بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر كما قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً } [الأنفال]. وقال: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ }(). وقال تعالى: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الزمر] . وقال تعالى: { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ }(). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتغير حاله عند الموعظة". انتهى.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10457964

عداد الصفحات العام

1623

عداد الصفحات اليومي