﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]
(019)الدعوة إلى إلى الإسلام في أوربا :: (019)سافر معي في المشارق والمغارب :: (015)ما المخرج :: (017)الدعوة إلى الإسلام في أوربا :: (018)سافر معي في المشارق والمغارب :: (014)ما المخرج :: (016)الدعوة إلى الإسلام في أوربا :: (017)سافر معي في المشارق والمغارب :: (015)الدعوة إلى الإسلام في أوربا :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(8)ما المخرج؟ الأمر الرابع:

(8)ما المخرج؟ الأمر الرابع:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

سبق في الحلقة الماضية، أن مما يعين على الاعتصام بحبل الله، ويجمع كلمة المسلمين أمورا، الأمر الأول: طاعة الله ورسوله :الأمر الثاني: الرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف: الأمر الثالث: الرجوع فيما لا تعلم حقيقته إلى أهل التخصص، في أي علم أو نشاط ينفع المسلمين.

وبقي الكلام على قاعدة عظيمة، هي الرابعة، وهي قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن أعظم القواعد التي بها تجتمع بها كلمة الأمة الإسلامية وتعينها على الاعتصام بحبل الله الذي أمرها الله به، وتجنبها الاختلاف والتفرق اللذين نهاها عنه، قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تشمل الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر؛ لأن المعروف قد لا يختص ضرره بمن يتركه، والمنكر لا يختص شره بمتعاطيه، ولو اختص به فَرِضَا الأمة به يجعلها عرضةً لسخط الله تعالى، فينزل الله تعالى عقابه بفاعل المنكر وبمن رضي به، كما سيأتي قريباً.

فعدم القيام بهذه القاعدة يجلب للأمة الضيق والحرج، ويحرمها ما كانت تستحقه لو قامت به من المخرج والفرج، لسببين:

السبب الأول: عصيان الله تعالى في فعل ما به أمرها، وترك ما عنه نهاها.

السبب الثاني: أن المعروف الذي يترك قد يكون حقاً لغير تاركه، كمن عنده دَيْن لآخر فيمطله، وصاحب الحق غير قادر على استيفاء حقه منه، وقد يكون المنكر واقعاً على غير فاعله، كمن يغتصب عقار غيره أو يرتكب فاحشة أو ينشرها بينهم، أو ينشر بدعة محضة بين المسلمين تخالف شرع الله تعالى، أو يظلم من لا يقدر على الدفاع عن نفسه بأي ظلم كان. وترك المعروف أو فعل المنكر من فرد أو جماعة، قد تترتب عليه آثار ضارة بالأمة كلها، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(25)} [الأنفال].

والأصل في هذه القاعدة أنها فرض كفاية، إذا قام بها فرد أو جماعة قياماً كافياً سقط فرضها عن بقية الأمة، فإذا لم يقم به أحد أو قام بها من لا يكفي في الأمر والنهي، وجب على كل قادر في الأمة القيام بها، فإذا لم تفعل أثم القادرون على القيام بها كلهم. قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} [آل عمران].

فقد أمر الله تعالى هذه الأمة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورتب على قيامها بذلك فوزها وفلاحها بصيغة الحصر الذي يفهم منه فقدها للفوز والفلاح إذا لم تفعل ما أمرها الله به، وأتبع ذلك بنهيها عن التشبه بمن سبقها من الأمم الذين تفرقوا واختلفوا ولم يعتصموا بما أنزله على رسله الذين بلغوهم به وبينوه لهم، ومجيء النهي عن التشبه بهم بعد الأمر السابق يدل على أن من أسباب تفرقهم واختلافهم عدم قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...(110)} [آل عمران].

فلما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخير الذي أمر الله تعالى به، فالأمة التي تقوم به هي أمة خير، بل هي خير أمة أخرجها الله تعالى للناس في أرضه، ومعنى هذا أنها تستحق أن يجعل الله تعالى لها مخرجاً من الضيق والحرج لكونها حققت تقواه بتنفيذ أمره بهذه القاعدة العظيمة، فإذا لم تنفذ أمره بها فليست جديرة بنيل المخرج المشروط بوجود تقواه؛ لأنها فقدت صفة الخيرية المذكورة في الآية. وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)} [التوبة].

فالرابط الإيماني بين الأمة الإسلامية كلها يوجب عليها أن تحافظ عليه بالصفات التي وصفها الله تعالى بها وأثنى عليها بمحافظتها عليها، ومنها قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي قرنها الله تعالى في الآية بركني الإسلام: الصلاة والزكاة والطاعة الشاملة لله ورسوله، ورتب على قيامهم بذلك نيل رحمته سبحانه، ومن رحمته أن يجعل لها مخرجاً من الحرج والمضايق وكافة المآزق.

فإذا فرطت في المحافظة على رابطها الإيماني بترك الصفات التي تؤهلها لرحمة الله ونيل وعده بالمخرج، يخشى عليها أن تنال حظاً مما وصف الله تعالى به المنافقين الذين لا يربط بينهم الإيمان وإن ادعوه، وإنما يربط بينهم النفاق، كما قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(67)} [التوبة].

تأمل قول الله تعالى في المؤمنين: { أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ} وقوله في المنافقين: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، فكما أنهم نسوا الله أي تركوا أمره وطاعته، فإنه تعالى نسيهم أي تركهم فيما هم فيه من الغي والمصائب في الدنيا والآخرة، وحرمهم من التوفيق والثواب في الدنيا والآخرة، ومن الخير الذي يحرمهم الله تعالى منه عدم نيلهم المخرج مما يقعون فيه من الضيق والحرج في الدنيا.

ولقد كان من أهم أسباب طرد الله لبني إسرائيل من رحمته ولعنته لهم، تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} [المائدة].

مسئولية أولي الأمر عن قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

النصوص الماضية في قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شاملة لكل المسلمين، أفراداً وأسراً وجماعات ودولاً، كل فيما يدخل تحت مسئوليته وقدرته، ولكن مسئولية أولي الأمر من العلماء والأئمة والأمراء والحكام أعظم من مسئولية غيرهم؛ لأن الله تعالى مكَّن العلماء من معرفة المعروف والمنكر، ومكَّن الأمراء والحكام، سواء كانوا علماء أم لا، من القدرة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بخلاف غير أولي الأمر الذين قد يعجزون عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيمن هم تحت مسئوليتهم من أسرهم وغير أسرهم.

فأولو الأمر قادرون على القيام بذلك على كل من ولاهم الله تعالى عليهم، لما منحهم الله تعالى من الفقه في الدين والتمكين الذي يؤهلهم للقيام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمراتبه الثلاث، وبخاصة التغيير باليد الذي هو من اختصاص الأمراء والحكام في غالب الأمور، ولهذا خصهم الله تعالى عن سائر خلقه بالذكر، كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)} [الحج].

فمسئولية أولي الأمر أعظم من مسئولية من سواهم، بسبب التمكين الذي به يقدرون على بيان المعروف الذي يجب الأمر به، والمنكر الذي يجب النهي عنه، فقيامهم بذلك سبب لمنح الله تعالى الأمة كلها مخرجاً من الضيق والحرج. وقد وعد الله تعالى من مكنهم في الأرض، فقاموا بمقتضى تمكينه لهم به من الإيمان والعمل الصالح، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باستخلافهم ورفع راية دينهم، ورفع ما قد ينزل بهم من الخوف من قبل أعدائهم، ومنحهم بدلَه الأمن التام، كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)} [النور].

فإذا لم يقوموا بمقتضى هذا الوعد، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يستحقوا تحقيق هذا الوعد، بل استحقوا إنزال الله تعالى بهم الضنك والحرج بدلاً من التمكين والأمن واليسر والمخرج. وها نحن اليوم نرى الضنك والحرج والخوف ينزل بهذه الأمة في غالب بلدانها، تحقيقاً لسنة الله تعالى فيمن تقاعس عن تنفيذ شرع الله تعالى الذي أرسل به رسوله.

وقد صور لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحقق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المخرج لأمته، كما صور لنا كيف يسد الله تعالى على أمته هذا المخرج عندما تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في حديث النعْمانِ بنِ بَشيرٍ tـما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فيها كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ فصارَ بعضُهم أعلاهَا وبعضُهم أسفلَها وكانَ الذينَ في أسفلها إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصَيبِنا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعاً، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجوْا ونجوْا جَمِيعاً) [البخاري (2/882) دار إحياء التراث العربي]. فحخرج أهل السفينة، ونجاتهم من غرقها، هو أن يمنعوا من أراد خرقها من ذلك الخرق، فإذا لم يمنعوهم من خرقها، تحقق فيهم جميعا الهلاك بغرقها.

الأمر الخامس: الشورى:

ومن أعظم القواعد الشرعية التي يتحقق به الاعتصام بحبل الله، قاعدة الشورى التي أمر الله بها رسوله، ووصف بها عباده المؤمنين، وطبقها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، واقتدى به في ذلك خلفاؤه الراشدون ومن تبعهم، فحقق الله تعالى لهم بها اجتماع الكلمة؛ لأنها تجرى فيما لا نص فيه، أو فيه نص يحتاج إلى اجتهاد في فهمه وتطبيقه. قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)} [آل عمران]. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(38)} [الشورى]. ولا داعي للتفصيل في هذا الأمر، فقد فصلت القول فيه، بنفس العنوان [كتاب الشورى، نشر دار الأندلس الخضراء، جدة]..







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10580354

عداد الصفحات العام

2188

عداد الصفحات اليومي