﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]
(039)سافر معي في المشارق والمغارب :: (038)سافر معي في المشارق والمغارب آخر حلقات بريطانيا :: (037)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011)طل الربوة :: (036)سافر معي في المشارق والمغارب :: (010)طل الربوة :: (035)سافر معي في المشارق والمغارب :: (09)طل الربوة :: (034)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(014)ما المخرج

(014)ما المخرج

التاسع من المخارج: الصلح بالعدل


ومن أخطر ما يدخل في منح الله تعالى عباده المؤمنين المتقين المخرج من الضيق والحرج، قيامهم بالصلح بين المختلفين منهم؛ لأن الصلح يجمع كلمة المسلمين ويمكنهم من الاعتصام بحبل الله تعالى، وقد أشارت آيات القرآن الكريم إلى مجالات الصلح المهمة في حياة الأمة..

الصلح العام:

فمنها ما تضمنت المجال العام للصلح، مثل قوله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114)} [النساء]. قال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية: "قوله تعالى: {أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين...." [أحكام القرآن 5/382)].

ولهذا يجتهد القضاة الذين يلجأ إليهم المتنازعون في الصلح بينهم فيما يمكن فيه الصلح، قبل البت في القضاء، لما في الصلح من سلامة الصدور وطيب الخواطر، وقد شرع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة ذلك: قصة عبد الله بن الزبير والأنصاري عندما اختلفا في مسيل الماء الذي يسقون منه أرضهما، وكان يمر على أرض الزبير قبل أرض الأنصاري..

قال عبد الله بن الزبير: إن رجلاً من الأنصار، خاصم الزبير عند النبي صلى الله عليه وسلم، في شِراج الحرة، التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: (اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك). فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر). فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ..(65)} [النساء، والحديث في صحيح البخاري (2/831) وصحيح مسلم (15/91)].


فالرسول صلى الله عليه وسلم، أمر الزبير بإرسال الماء إلى أرض خصمه الأنصاري، بمجرد سقي أرضه، وهو يعني اكتفاء ابن الزبير رضي الله عنه، باليسير من الماء ولا يستوعب حقه في السقي، ولكن الأنصاري - الذي ذكر العلماء أنه كان منافقاً لجرأته على مقام النبوة - اتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بميله إلى ابن الزبير، وكأنه كان يريد من الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يأمر ابن الزبير بإرسال الماء ولو لم يأخذ ما يروي أرضه، فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم من كلام الأنصاري كما يدل عليه قول: "تلون وجه رسول الله" قال النووي: "أَيْ تَغَيَّرَ مِنْ الْغَضَب لانْتَهَاك حُرُمَات النُّبُوَّة وَقُبْح كَلام هَذَا الإِنْسَان" [شرح النووي على صحيح مسلم (15/91)]. فقد بت صلى الله عليه وسلم عليه في الحكم وقضى للزبير بأخذ حقه كاملاً. فكلامه الأول صلح، وكلامه الأخير حكم وقضاء.

وكذلك بدأ بالصلح بين كعب بن مالك، وابن أبي حدرد رضي الله عنهـما، فقد ذكر كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى: (يا كعب). قال: لبيك يا رسول الله، قال: (ضع من دينك هذا). فأومأ إليه: أي الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: (قم فاقضه) [البخاري (1/174) ومسلم (10/181)]. فالصلح بين المتنازعين فيما يمكن الصلح فيه، فيه سلامة صدورهم ووقايتها من الأحقاد والسخائم من صدورهم.

الصلح الأسري:

-ومعلوم أن الأسرة هي نواة الأمة- فإذا ما قوي الرابط الإيماني المبني على المنهاج القرآني والخلق النبوي الذي قالت عنه عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان خلقه القرآن) إذا قوي هذا الرابط بين الأسرة - ونواتها الزوجان اللذان يكونان القدوة الحسنة لأولادهما - في التعليم والتزكية الربانية، كان أساساً للوئام والوفاق بين تلك الأمة.

ولهذا خص الله تعالى الزوجين في كتابه بالسعي بالإصلاح بينهما، حتى ولو كره بعضهما بعضاً، فقال تعالى في كراهة الزوج زوجها: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً (35)} [النساء].



وقال تعالى في كراهة الزوج زوجه: {وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128)} [النساء].

وحث سبحانه الأزواج على معاشرة أزواجهم بالمعروف ولو كانوا يكرهونهن، مرغباً لهم بما قد يكون في تلك المعاشرة من الخير الكثير الذي يعلمه تعالى ولا يعلمه الأزواج، تأكيداً منه تعالى لتقوية الرابط بين الأسرة والبعد عن تفككها، فقال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً(19)}[النساء].

صلح سياسي وعسكري:

الصلح العام الذي سبقت الإشارة إليه يشمل كل ما يحدث بين المتنازعين، فيعم الصلح بين الجيران، والصلح بين الأقارب، والصلح بين الشريكين والشركات في أي معاملة يطرأ فيها الاختلاف بينهم، كما سبق في قوله تعالى: {أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}.

ومع شمول ذلك للإصلاح بين كل متنازعين، خص الله تعالى الصلح الأسري والصلح بين الطوائف التي يكون سبب الخلاف فيها فكرياً أو سياسياً، قد يترتب عليه الاقتتال بين المختلفين، كما حصل ذلك في عصر الصحابة رضي الله عنهم، وحصل ولا زال يحصل بين المسلمين في كل العصور، وبخاصة في عصرنا الذي كثر فيه الخلاف بين طوائف كثيرة وأحزاب، وبين الحكومات حتى أصبح ذلك هو السائد بين المسلمين، مما جعلهم الأضعف بين الأمم، وسلط عليهم أذل أعدائهم في الأرض، ففقدوا الأمن والعزة، التي أرادها الله لهم باعتصامهم بحبله، وسبق أمر الله تعالى لهم بالاعتصام بحبله، ورجوعهم في اختلافهم إلى كتابه وسنة رسوله.

ولما كان الله تعالى يعلم بأن بعض المختلفين ينزغ بينهم الشيطان حتى ينسيهم ما أمرهم الله تعالى به من اجتماع الكلمة، ويأبون إلا اتباع الهوى وعدوان بعضهم على بعض، فقد أمر الله تعالى هذه الأمة بالقيام بالصلح بالعدل، فإن استجاب المختلفون للإصلاح بينهم فبها ونعمت، وإن رفضت طائفة هذا الإصلاح الذي أمر الله به، وبغت على غيرها بالظلم، وجب على المسلمين الوقوف في صف الطائفة المظلومة وقتال الفئة الظالمة الباغية حتى تعود إلى الحق.
قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)} [الحجرات].

تأمل قول الله تعالى في الآية الأخيرة: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} واربطه بقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} التي بُنِي عليها بحث هذه المخارج، فالصلح بين المختلفين بالعدل مخرج من الحرج والضنك والضيق؛ لأنه من التقوى، ولهذا ختم الله الآية بقوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ولعل من الله تعالى واجبة كما قرر ذلك العلماء، أي لا يتخلف ما جاء بعدها، فهي بمنزلة أن يقال: إن تصلحوا بالعدل يرحمكم الله، ورحمته شاملة للدنيا والآخرة، وإن كان المراد بها رجاء المؤمنين فهو تعالى يحقق لهم ذلك الرجاء.

وإن ما نراه اليوم من عدم قيام القادرين من هذه الأمة بهذا الإصلاح بين المتنازعين من قومهم لمن أهم الأسباب التي عذبنا الله تعالى بها وحجب عنا نصره وحرمنا من المخرج الذي وعد به عباده المتقين، حتى أصبحت بلدان المسلمين، وبخاصة العربية منها، محارق للمختلفين، من المتفاتلين على كراسي الحكم وغيره من شئون الدنيا، وذاقت من ذلك الشعوب العذاب الشديد، من الجراح والقتل والتشريد، وتدمير منازلهم فوق رؤوسهم، وغالب المتقاتلين ظلمة، وغيرهم يتفرج عليهم، أو ينصر من لا يستحق النصر.

وإذا ما وجد نوع من محاولة الإصلاح، فالغالب أنه يفقد العدل، الذي أمر الله تعالى به، فيضيف الذي يزعمون أنهم يصلحون، ظلمهم للمظلوم إلى ظلم الطائفة المعتدية عليه، فيتضاعف بذلك عقاب الله تعالى لهذه الأمة، ويسد عليها مخرجه لها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.








السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10719379

عداد الصفحات العام

952

عداد الصفحات اليومي