﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]
(039)سافر معي في المشارق والمغارب :: (038)سافر معي في المشارق والمغارب آخر حلقات بريطانيا :: (037)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011)طل الربوة :: (036)سافر معي في المشارق والمغارب :: (010)طل الربوة :: (035)سافر معي في المشارق والمغارب :: (09)طل الربوة :: (034)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(01)طل الربوة

(01)طل الربوة
[تربية الأستاذ لطلابه]

مقدمة الطبعة الرابعة

للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي

قال رحمه الله: "من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به؛ أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.. وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات:

إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له، فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم..

والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح..

فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم، لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله، وأفعاله، واعتمادهم على ما يرد منه، كائناً ما كان، وعلى أي وجه صدر..

وصار مثلُ ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك. وقلَّما وجدت فرقة زائغة، ولا أحداً مخالفاً للسُنَّة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف". [اختصرت هذه الجمل من كتاب الموافقات في أصول الشريعة (1/91-95) بتحقيق الأستاذ محمد عبد الله دراز.]

والهدف من نقل هذه الجمل لهذا العالم الجليل [الإمام الشاطبي.] هو نصح طالب العلم أن يأخذ العلم من أهله، ويبتعد عن الأخذ بطريقة بعض الجهلة المغرورين الذين ينصبون أنفسهم للتعليم والفتوى، وقد يدَّعون أنهم من المجتهدين، وهم على جهل بقواعد العلوم الشرعية وعلومها وآلات تلك العلوم، بسبب قراءتهم لبعض الأبواب في بعض الكتب، وسوء فهمهم لكثير مما قرأوه، وعدم اقتدائهم بالصحابة والتابعين وعامة السلف الصالح في أخذ العلم عن أهله المتحققين به، وهذا من أهم أسباب الزيغ كما قرر ذلك الإمام الشاطبي رحمه الله.

مقدمة الطبعة الخامسة

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)}.

أما بعد:

فقد مضى على كتابتي لطل الربوة ما لا يقل على أبعين سنة، وكان الهدف من كتابتها كما أشرت إلى ذلك في مقدمة الطبعة الثالثة، أنْ قُصِد منه أن يستفيد الطلبة من أساتذتهم خارج قاعات الدرس: يستفيدون من علمهم، ومن تربيتهم وسلوكهم، فكانت تعقد الندوات، وتنشأ الرحلات، وكان الأساتذة يجتهدون في لقاءاتهم بطلابهم، في الرحلات التي قد تبقى أياماً في الخلاء، أو في بعض مدن المملكة، كمكة المكرمة وغيرها.

وكنت كتبت قطوفاً مختصرة جداً تتعلق بقوة الصلة بالله، لتكون تلك القطوف دافعة للطلاب

إلى الالتزام بمنهج نشاطهم مع أساتذتهم، ونفع الله بذلك في حينه، وبعد مراجعتي لهذا الكتيب رأيت أن أتوسع قليلاً في الأمور التي تقوي الصلة بالله تعالى؛ لأن الأحداث التي نزلت بالأمة الإسلامية وبخاصة الشباب منهم، تستدعي ربطهم بربهم ربطاً قوياً يقيهم من الانحراف الذي لا وزر منه إلا ذلك الرباط الرباني.

كما أن الحاجة دعت إلى زيادة بعض الموضوعات التي يجب أن يفقهها الأساتذة والطلاب معاً، مثل موضوع الوسطية والاعتدال الذي لم يتضمنه "الطل" من قبل، أرجو أن يكون الأساتذة وطلابهم جميعاً محصنين من الإفراط والتفريط، وأن يكونوا على منهج الأمة الوسط، لهذا كَبُر حجم "طل الربوة" عما كان عليه من قبل.

أسأل الله تعالى أن يجعل عملي في هذا الكتاب وغيره خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به من شاء من عباده، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

مقدمة الطبعة الثانية لطل الربوة

الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد بن عبد الله خير المعلمين وعلى آله وأصحابه الهداة خير المتعلمين وعلى أتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فإنه لم يمض على طبعة هذا الطل إلا زمن يسير جداً، اتصل بي بعده الناشر طالباً مني الموافقة على طبعه للمرة الثانية، فعجبت لذلك لقرب عهد طبعته الأولى، ولكني سررت لسرعة نفاذه، آملاً أن يكون الله قد نفع به الشباب المسلم معلمين ومتعلمين، وليس عندي ما أقوله في هذه المقدمة إلا الإجابة على سؤال وجه إليَّ من عدد من الشباب، وهو:

ما سبب تسمية هذا الكتيب بـ(طل الربوة)؟

والجواب: يعود إلى ثلاثة أمور:

الأمر الأول: الإشارة إلى قلة بضاعة الكاتب، فليس عنده وابل كوابل ابن القيم [لابن القيم كتاب قيِّم في الأذكار سمَّاه: الوابل الصيِّب في شرح الكَلِم الطيِّب.] رحمه الله، وإنما عنده شئ من طل [والطل المطر الخفيف]

الأمر الثاني: الإشارة إلى طيب عنصر القارئ، واستعداده لاستقبال الطل القليل من الخير، وإعطائه هو الخير الكثير، تعليماً وتعلماً مثل الربوة الطيبة التي ينزل عليها الطل، فتنبت الزرع وتؤتي أكلها أضعافاً مضاعفة.

فالأمل في المسلم الصالح أن يحوِّل كلَ سطر بل كل كلمة ترد إليه من هذا الطل، إلى مؤلف كبير أو وابل صيب، ليس في كتاب يكتبه، وإنما في سلوك يمارسه، في خُلُقٍ يتحلى به، وعمل صالح يداوم عليه، ودعوة إلى الله تهدي من شاء الله من عباده، وتعليمٍ لجاهل يصبح قدوة في أمته، وجهاد في سبيل الله شامل يعيد إلى الأمة الإسلامية مجدها وعزها، وينتشلها مما لحق بها من هوان بسبب تركه، محققاً ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، من قبول هدى الله والعمل به، ونشره بين الناس، لينعموا به، ولا يكون كمن لم يقبل ذلك، ممن حرم نفسه من رحمة الله وفضله.

فقد روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن مثل ما بعثني الله تعالى من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فَعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به) الحديث. [البخاري (1/28) ومسلم (4/1787).]

الأمر الثالث: التيمن بقول الله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً
مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
. [البقرة: 265.]

المدينة المنورة 29 من ذي القعدة سنة 1405هـ، وها أنا أسجل الحلقة الأولى من الكتاب في منتدى الروضة الإسلامي، بتاريخ: 6 من جمادى الآخر، لعام 1435هـ

تمهيد: قوة الصلة بالله:

إن أول هدف يجب أن يضعه الأستاذ والطالب على السواء نصب أعينهما، هو أن يكون الغرض من التعليم والتَّعَلُّم، قوة الصلة بالله وعبادته سبحانه على الوجه الذي يرضيه، فإن عبادته هي الغاية من خلقنا. كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)}. [الذاريات]

وعبادة الله شاملة لكل ما يتقرب به المسلم إلى ربه، سواء كان فعلاً واجباً أو مندوباً أو مباحاً، يقصد به وجه الله، أو ترك محرم أو مكروه، أو ترك مباح يبتغي به وجه الله.

كيف تُحقق قوة الصلة بالله؟

وتتحقق قوة الصلة بالله بأن يكون المؤمن كله لله تعالى. كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)}. [الأنعام]

ولنفصل ذلك بعض التفصيل فيما يأتي:

تفقيه الأستاذ طلابه في الدين وتزكيتهم بالوحيين:

فعبادة الله والدعوة إلى الله تعالى لا بد أن يكون مصدرُهما الوحيين: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتلقيهما يجب أن يكون على أيدي من وفَّقَه الله تعالى للتفقه فيهما؛ لأن الفقه فيهما شرط أساسي لمن يريد أن يعبد الله أو يبلغهما إلى الناس.

ومشايخ العلم الذين تفقهوا في دين الله تعالى هم المؤهلون للتبليغ، ومن أراد أن يتأهل للبلاغ المبين يجب أن يتفقه في الدين على أيديهم كما تفقهوا هم على أيدي الشيوخ من قبلهم.

هؤلاء العلماء المؤهلون لتبليغ دين الله والتزكية به، هم العلماء العاملون بما تعلموه، المتزكون به في أنفسهم، الذين يرى فيهم أتباعهم القدوة الحسنة برسول الله، لأن من لا يعمل بعلمه ليس أهلاً لتبليغ رسالة الله، وليس أهلاً لتزكية غيره بها.

فقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، آيات كتاب الله عن الروح الأمين جبريل عليه السلام، الذي أخذه مباشرة عن ربه سبحانه وتعالى، كما تلقى أصحاب الرسول، ذلك الكتاب والسنة النبوية عنه صلى الله عليه وسلم، وتلقى عن الصحابة ذلك أبناؤهم، وتلقى كبار التابعين عن صغار الصحابة، وهكذا استمرت أجيال الأمة يأخذ اللاحق عن السابق حتى وصل إلينا.

وهكذا يجب على علماء المسلمين وطلابهم أن يسيروا على نفس الطريقة في التعليم والتزكية، ومن حاد عنها فتتلمذ على الكتب والدفاتر لنفسه دون شيخ يفقهه على قواعد أهل العلم ويصقل عقله وقلبه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرته المطهرة، لم يكن أهلاً للتعليم والتزكية لغيره؛ لأنه ما فعل ذلك أحد إلا زاغ غالباً عن النهج الصحيح العاصم من الزلل.

كما سبق قول الشاطبي رحمه الله: "وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وجدت فرقة زائغة ولا أحداً مخالفاً للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف".






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10719467

عداد الصفحات العام

1040

عداد الصفحات اليومي