﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡتَرِی لَهۡوَ ٱلۡحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲ وَیَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ﴾ [لقمان ٦]
(016)طل الربوة :: (015)طل الربوة :: (01)سافر معي في المشارق والمغارب :: (014)طل الربوة تقوية الأستاذ صلته بطلابه: :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب :: (013)طل الربوة شعور الأستاذ وطلابه بالمسؤولية في نشر العلم: :: (04)سافر معي في المشارق والمغارب :: (03)سافر معي في المشارق والمغارب :: (012)طل الربوة :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(014)طل الربوة تقوية الأستاذ صلته بطلابه:

(014)طل الربوة تقوية الأستاذ صلته بطلابه:

إن ما عليه كثير من الأساتذة مع طلبتهم، في كثير من المدارس النظامية وبعض المدارس الأهلية، من الجفاء، والبعد عن الروح الودية والإخاء لا تقره الآداب الإسلامية. وإن من أهم ما يمكن الأستاذ من إفادة طلابه بعلمه وتزكيته وتربيته لهم، ومن استفادة طلابه منه علماً وتزكيةً وعملاً، قوة صلته بهم وقوة صلتهم به، بحيث يكون لهم أباً حنونا، ويكونون له أبناء بررة.

ولتقوية الصلة بين الأستاذ وطلابه روابط أذكر أهمها:

الرابط الأول: رابط الحب في الله:
بأن يتخذ الأستاذ الأسباب التي تجعل طلابه يحبونه محبة صادقة في الله، وأن يجاهد نفسه بأن يكون هو يحبهم أيضاً محبة صادقة كذلك. نعم الحب في الله، وليس في غيره؛ لأن الحب فيه سبحانه يقوى ويبقى ويدوم، فلا يفرق بين المتحابين شيء ما دام حب بعضهم لبعض في الله تعالى، بخلاف الحب من أجل القرابة فقط، أو من أجل الصلة المادية من مال وجاه ومنصب وشراكة في أي شيء من أشياء الدنيا، فإن التحابب من أجلها يزول بزوالها، وهذا ما نشاهده في عالمنا، ما تحاب اثنان فأكثر في أمر من الأمور غير التحاب في الله إلا زال حب بعضهم لبعض بزوال ذلك الأمر الذي ربط بينهما.

لذلك ينبغي للأستاذ أن يجاهد نفسه أولاً، ثم يربي طلابه ويدربهم على أن يكون الحب بينه وبينهم في الله تعالى، كما رُوي عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار). [صحيح البخاري، وصحيح مسلم.]

تأمل كيف جعل صلى الله عليه وسلم، حب المسلم لأخيه لله تعالى من الخصال التي يجد بها حلاوة الإيمان، وذكره بخصلتين عظيمتين من خصال العقيدة: الأولى حب الله ورسوله، والثانية أن يكره الكفر كما يكره أن يقذف في النار؟ ولقد جعل صلى الله عليه وسلم، التحابب في الله من شروط دخول الجنة الذي من شرطه الإيمان، ودلَّ المؤمنين على أحد البنود التي تعينهم على التحابب فيما بينهم، وهو إفشاء السلام، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أنه قال: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا..) ـ وفي رواية ـ (والذي نفسي بيده! لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا.. ولا تؤمنوا حتى تحابوا.. أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). [صحيح مسلم]

قال النووي رحمه الله: "وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَقَوْله صلى الله عليه وسلم : (وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) مَعْنَاهُ لا يَكْمُل إِيمَانكُمْ وَلا يَصْلُح حَالُكُمْ فِي الإِيمَان إِلا بِالتَّحَابِّ ـ ثم قال ـ: "وَالسَّلامُ أَوَّل أَسْبَاب التَّأَلُّف, وَمِفْتَاح اِسْتِجْلاب الْمَوَدَّة. وَفِي إِفْشَائِهِ تَمَكَّنُ أُلْفَة الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ لِبَعْضِ, وَإِظْهَار شِعَارهمْ الْمُمَيِّز لَهُمْ مِنْ غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْمِلَل, مَعَ مَا فِيهِ مِنْ رِيَاضَة النَّفْس, وَلُزُوم التَّوَاضُع".

الرابط الثاني: اتخاذ الأسباب التي تتوطد بها الأخوة الإسلامية الحقة بينه وبين طلابه، الأخوة الصادقة التي يترتب عليها، تحقيقاً لما قرره كتاب الله تعالى في شأنها، في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ...(10)}. [لحجرات] ولما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، أمته: (وكونوا عباد الله إخواناً). [صحيح البخاري (5/2253) دار ابن كثير اليمامة، بيروت، وصحيح مسلم (4/1983) دار إحياء التراث العربي، بيروت.]

ونصوص القرآن والسنة دلَّت على أن الله تعالى شرع هذه الأخوة لكافة المؤمنين، الذين ينبغي أن يترتب على أخوتهم تحقيق المعاني التي شرع الله الأخوة بينهم لتحقيقها، بأن يكونوا متعاونين على البر والتقوى متناصرين، لا يخذل بعضهم بعضاً ولا يسلمه لعدو ولا لأذى، ما كان قادراً على عونه، ولا يظلمه، بل يسعى في قضاء حاجته وتفريج كرباته، ويستر عوراته، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.[لبخاري ومسلم واللفظ له]. وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة).[صحيح البخاري وصحيح مسلم.]

وإذا كانت الأخوة الإسلامية مطلوبة بين كافة المسلمين، فما بالك بالأستاذ وطلابه الذين جمعهم الله تعالى في حلقات "رياض الجنة" على تدارس كتابه تلاوةً وتدبراً وفقهاً وتزكيةً وعملاً، ونشراً للعلم والدعوة إلى الله، وكذا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرته وسيرة أصحابه التي تعتبر التطبيق العملي لما شرعه الله تعالى؟

إنها أخوة خاصة أقوى من الأخوة العامة التي ربط الله المؤمنين عامة بها، تجلت في مؤاخاة الرسول صلى الله عليه وسلم، بين المهاجرين والأنصار، في أوقات الشدة التي جعلت كل أخ من الأنصار والمهاجرين يرث أخاه في الرابطة الإيمانية، دون أخيه في النسب، الذي لم يصل إلى إرث أخيه إلا بعد أن زالت الشدة وأصبح كلٌّ من الإخوة في الإيمان مستغنياً عن أخيه فيه.

وترتب على رابطة هذه الأخوة ما نوَّه به القرآن الكريم، وما سطرته كتب الحديث من الكرم وإيثار الأخ الأنصاري لأخيه المهاجري على نفسه وأهله وفلذات كبده، ومن الورع والزهد وإيثار الاكتساب من الأخ الأنصاري عن أخذ ما أباحه له الإسلام من مال أخيه الأنصاري. قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9)}.[لحشر]

تمثل النموذجين قصة عبد الرحمن بن عوف مع أخيه سعد بن الربيع رضي الله عنهـما، قال عبد الرحمن: "لما قدمنا إلى المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلَّت تزوجتها، قال: فقال عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟. قال: سوق قينقاع، قال: فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بأقط وسمن، قال: ثم تابع الغدو، فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تزوجت). قال: نعم، قال: (ومن). قال: امرأة من الأنصار، قال: (كم سقت). قال: زنة نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة). [صحيح البخاري]

وتأمل قصة مضيف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الأنصار، كيف يؤثر ذلك الضيف على نفسه وأهله وأولاده، فيبيتون جياعاً ليشبع الضيف: عن أبي هريرة رضي الله عنه،، قال: "أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا رجل يضيفه هذه الليلة، يرحمه الله). فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تدخريه شيئاً، قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي، فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (لقد عجب الله عز وجل ـ أو ضحك ـ من فلان وفلانة) فأنزل الله U: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. [صحيح البخاري، والآية من سورة الحشر: 9.]

ونحن نتمنى أن نصل إلى ما وصلت إليه تلك الصفوة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما نعرف من أنفسنا من البعد البعيد عن الوصول إلى تلك القمم العالية التي بلغوها من الاقتداء بنبيهم العظيم في الكرم والجود والإيثار، ولكنا نأمل في أن نجاهد أنفسنا أساتذةً وطلاباً على اهتمام بعضنا ببعض في حدود ألا يبيت أحدنا شبعان وأخوه جائع مع قدرته على إشباعه، أو يكون لابساً أجود الملابس وأخوه عارٍ، يعني بذل الجهد في إعانة ذي القدرة أخاه بما يسد حاجته.

ومن رحمة الله بنا أنه تعالى راعى بشريتنا وحرصنا على إبقاء الخير بأيدينا فرضي منا بالقليل ولم يبالغ في تكليفنا بالكثير الذي تشح به نفوسنا: {وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (38)}. [محمد]






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10849901

عداد الصفحات العام

639

عداد الصفحات اليومي