{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } [التوبة:67-68].
(08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (07)سافر معي في المشارق والمغارب جماعات أخرى: :: (06) الإخلاص :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) الإخلاص :: (04)الإخلاص لله :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب جماعات أخرى: :: (03)الإخلاص :: (04)سافر معي في المشارق والمغارب المساجد في البرتغال: المسجد المركزي في لشبونة: :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(016)طل الربوة

(016)طل الربوة

الوسطية والاعتدال:

إن من أهم المبادئ التي يجب على الأستاذ أن يحرص على غرسها في نفوس طلابه، وتعميق تفقههم

إن من أهم المبادئ التي يجب على الأستاذ أن يحرص على غرسها في نفوس طلابه، وتعميق تفقههم
فيها، الوسطية والاعتدال، والبعد عن الإفراط والتفريط في كل شؤونهم، فالأمة الإسلامية هي أمة الوسطية التي تحفظ توازنها، وتجعلها قدوة لغيرها في ذلك، وإنما الأمة مكونة من أفرادها، فإذا تربى غالب أفرادها على الوسطية، تحققت فيها تلك الوسطية في كل شؤون حياتها. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً...}. [لبقرة] وقد فُسِّر الوسط بالخيار العدول، وفُسِّر بالاعتدال بين الغلو والتقصير، وكلاهما مُراد، فلا يمكن أن تتصف الأمة بالخيار والعدول وهي أمة غالية أو مقصرة.[يراجع تفسير الآية في كتب التفسير، ومنها تفسير القرآن العظيم لابن كثير (/191) وتفسير البغوي (1/122).] وهذا المبدأ الإسلامي شامل لحياة المسلم كلها، في عقيدته وفي عبادته وفي إنفاقه وفي معاشرته وفي حكمه على غيره، وذلك مبثوث في كتاب الله وفي سنة رسول الله وسيرته صلى الله عليه وسلم، رَبَّى عليه أصحابه، ومضت عليه أمته، ولا يخرج عن هذا المبدأ إلا جاهل أو معاند.

فقد نهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين، وبيَّن مع نهيهم عن ذلك مبدأ الوسطية هذا، فقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً(171)}.[لنساء]

وقد وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، أصحابه، إلى الاقتصاد في العبادة، بحيث لا يبالغون فيها مبالغة تلحق بهم ضرراً في أجسادهم، أو تلحق ضرراً بمن له حق عليهم..كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي ‘؟ فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله، فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). [صحيح البخاري رقم (4776) وصحيح مسلم رقم (1401).]

وفي قصة تهجد أم المؤمنين زينب رضي الله عنهـا من حديث أنس أيضاً، قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: (ما هذا؟) قالوا: لزينب تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: (حلوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد). [لحديث في صحيح البخاري مختصراً برقم (1/210) وهو بهذا اللفظ في صحيح مسلم برقم: ( 784).]

وفي قصة قيام عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وصيامه حديثه رضي الله عنه، قال: "كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة، قال: فإما ذُكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، وإما أرسل إلي فأتيته، فقال لي: (ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟) فقلت: بلى يا نبي الله ولم أرد بذلك إلا الخير. قال: (فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام).

قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: (فإن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً)... قال: (فصم صوم داود نبي الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أعبد الناس). قال: قلت يا نبي الله وما صوم داود؟ قال: (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً). قال: (واقرأ القرآن في كل شهر).
قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: (فاقرأه في كل عشرين). قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: (فاقرأه في كل عشر). قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك.
قال: (فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك فإن لزوجك عليك حقاً ولزورك عليك حقاً ولجسدك عليك حقاً). قال فشدَّدت فشُدِّدَ عليَّ، قال: وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر). قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله". [صحيح البخاري، رقم (5921) وصحيح مسلم، رقم (1159) واللفظ له.] وقال تعالى آمرا هذه الأمة بالوسطية والاعتدال في الإنفاق: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}. [لفرقان 67]

قال ابن تيمية رحمه الله عن أهل السنة: "وهم وسط في النِّحَل، كما أن مِلَّة الإسلام وسط في المِلَل، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون. ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود، فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً. بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أرباباً، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)}.[ل عمران]

ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح، فلم يقولوا هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة، كما تقوله النصارى، ولا كفروا به وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود، بل قالوا هذا عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه... وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد الوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي ‘، وبين المرجئة الذين يقولون إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية" [مجموع الفتاوى (3/370-374).]

خطر الخروج عن الاعتدال والوسط:

ومعلوم أن الخروج عن الاعتدال والوسطية إذا تعدى إلى غير الخارج، يكون أعظم فتنةً وأشدُّ ضرراً من الخروج القاصر على صاحبه، سواء كان الخروج تعليماً يترتب عليه سوء تصور من الخارج، أو دعوةً وتحريضاً أو فعلاً. ولهذا تكون مسؤولية الأستاذ عظيمة عن فقه تلاميذه وصحة تصورهم لهذا المبدأ العظيم؛ لأن طلابه أسرع استجابة له من غيره في الغالب..

ولهذا قال تعالى فيمن يضلون أتباعهم من ذوي الجهل: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}. [لنحل 25] قال البخاري رحمه الله: "باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة، لقول الله تعالى: { وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} ـ ثم ساق حديث عبد الله بن مسعود رضِي الله عنه - قال-: قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (ليس من نفس تقتل ظلماً، إلا كان على بن آدم الأول كفل منها.... لأنه أول من سن القتل أولاً). [صحيح البخاري، رقم (6890).]

وفي حديث جرير رضي الله عنْه - في حديث طويل وفيه -: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: [من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء]. [صحيح مسلم (ج2/704).]

وتتراكم الآثار الضارة المترتبة على الخروج عن الاعتدال والوسطية، فيتبع كل أثر منها ما سبقه، ومن أمثلة ذلك: الغلو في تكفير أهل القبلة الذي تولى كبره في الإسلام الخوارج، فقد كفَّروا أفضل المؤمنين إيماناً في عهدهم، وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طلب رضِي الله عنه، ثم أتبعوا تكفيرهم استحلال الخروج عليه وعلى أتباعه، ثم استحلوا قتاله وقتله وقتال غيره من المؤمنين وقتلهم. ومعلوم أنه لا يجوز الحكم على من تيقن دخوله في الإسلام بالكفر، إلا بتيقن خروجه منه.

ثم إذا حصل اليقين بخروج المسلم من الإسلام إلى الكفر، سمي مرتداً والذي يحكم بردته هم العلماء الذين رزقهم الله التفقه في دينه، وإذا ثبتت ردته يقيناً فلا يقيم عليه الحد إلا ولي أمر المسلمين المتمكن من ولايته، وليس لأفراد المسلمين القيام بذلك، لما فيه من الافتئات على الأمة، ولما يترتب على ذلك من المفاسد.

وهذا ما يحصل اليوم ممن تأثروا بالخوارج في بعض تصرفاتهم، فغلوا في تكفير المسلمين ونصبوا أنفسهم مُفتين في الحكم على من غلوا في تكفيره، وزادوا على ذلك إعطاء أنفسهم حق القاضي الذي يحكم على المرتد بالقتل، ثم رتبوا على ذلك منح أنفسهم تولي التنفيذ، فهم مُفتون بالكفر، وهم قُضاة في الحكم، وهم وُلاة أمر في التنفيذ، مخالفين في ذلك جماهير علماء الأمة الإسلامية! وإنما يحصل الإفراط والتفريط عندما يترك منهج الاعتدال الذي سار عليه الرسول صلّى الله عليه وسلم مع أصحابه، وأخذ العلم من أهله الذين ساروا على ذلك المنهج،

ولهذا قال الشاطبي رحمه الله: "من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.. وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات: إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له، فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يُقتدَى به في علم.. والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح. فأول ذلك؛ ملازمة الصحابة رضي اللعه عَنهم، لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله واعتمادهم على ما يرد منه، كائناً ما كان، وعلى أي وجه صدر.. وصار مثلُ ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلّى الله عليه وسلم، حتى فقهوا، ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية. وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك. وقلما وجدت فرقة زائغة ولا أحداً مخالفاً للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف". [كتاب الموافقات في أصول الشريعة (1/91-95) بتحقيق الأستاذ محمد عبد الله دراز، باختصار.] وقد استوفيت هذا المعنى في مبحث خاص، بعنوان: التكفير والنفاق ومذاهب العلماء فيهما. وبيَّنت في كتاب "الحدود والسلطان" من له حق إقامة الحدود.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10989408

عداد الصفحات العام

3051

عداد الصفحات اليومي