﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡتَرِی لَهۡوَ ٱلۡحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲ وَیَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ﴾ [لقمان ٦]
(07)سافر معي في المشارق والمغارب جماعات أخرى: :: (06) الإخلاص :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) الإخلاص :: (04)الإخلاص لله :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب جماعات أخرى: :: (03)الإخلاص :: (04)سافر معي في المشارق والمغارب المساجد في البرتغال: المسجد المركزي في لشبونة: :: (02)الإخلاص وما يعين عليه صعوبة الإخلاص، وما يعين عليها: :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(06)سافر معي في المشارق والمغارب الإيمان باليوم الآخر عند جارودي!

(06)سافر معي في المشارق والمغارب الإيمان باليوم الآخر عند جارودي!

قلت: سمعت أن لجارودي رأياً في الإيمان باليوم الآخر وما فيه من جنة ونار ونعيم وعذاب، وهو عند المسلمين ركن من أركان الإيمان الذي لا يصح الإسلام بدونه، أرجو أن أسمع من جارودي ما يعتقده في هذا الأمر؟

فقال: بالنسبة لله تعالى، اللحظة التي خلقنا فيها أول ما خلق العالم، واللحظة التي نعيش فيها الآن، ولحظة الوقوف بين يديه يوم البعث والنشور هي بالنسبة لله لحظة واحدة. وفهمه - أي جارودي - للحياة الآخرة أنه في هذه الحياة الدنيا، الناس قد ينجح واحد ويكون غنياً ويمسك دولة ويقيم نظاماً، لكن هذا لا يعني أنه نجح حقيقة في مقياس الله، فمقاييس الله في وزن الناس هي معنى اليوم الآخر، وعندما يقول الله: اخشوني ليس معناه أنا نخشى الله بالضرب، وإنما معناه أن نخشى أن نغضب الله، هذا هو الحب لله تعالى، والإمام الغزالي شرح هذا المعنى بشكل رائع في الكتاب السادس والثلاثين من كتابه: إحياء علوم الدين، وهذا الكتاب يتعلق بحب الله، وهو من أروع ما قرأ في هذا المعنى.

قلت: حب الله صحيح، يحب لأنه يستحق ذلك، ولكن اليوم الآخر هو غير الدنيا، وفي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ونصوص القرآن تدل على أن اليوم الآخر هو غير الحياة الدنيا، وفي اليوم الآخر يجازى الناس بأعمالهم خيراً كانت أو شراً، وهذا هو الذي فهمه المسلمون من القرآن والسنة، وليس مجرد فهم مستنبط وإنما هو قطعي في دلالته وثبوته، ولا إيمان لمن لم يؤمن به.
قال: كل ما نحكيه نحن الآن عن الله تعالى وعن الجنة والنار هي أمثلة ـ خيالية ـ وليست حقيقية، لأني مهما أقول في الله تعالى بمفهومي أنا، فالله ليس كذلك، وحبي له غير حبي لزوجتي.

قلت: الأشياء التي في الدنيا تختلف عن الأشياء التي في الآخرة تماماً، وليست كما نرى أو نفهم، ولكن اليوم الآخر وما فيه من جنة ونار حقيقة.

قال: الجنة والنار هنا في الدنيا، الإمام الغزالي، قال: الجنة والنار في الحياة الدنيا، فالجنة تشعر بها عندما تسير في طريق الله، قلت - وكان هو مستعجلاً يريد أن يذهب لموعد في الإذاعة -: هذه المسألة سيطول البحث فيها، ولكن أرجو أن يراجع كلام الغزالي وغيره في هذه المسألة، لأني أعتقد أنه فهم خطأ من بعض عبارات الصوفية التي نقلها الغزالي، ومن ذلك كلام لرابعة العدوية سيأتي إن شاء الله ذكره. قال: إنه قرأ في كتاب الغزالي أن رابعة العدوية قالت: أنا أعبد الله تعالى لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، وإنما حباً له.

قلت له: هذا كلام ناس يصيبون ويخطئون، والقرآن والسنة يدلان على خلاف هذا الفهم أو الاعتقاد، وهم لا يقصدون من هذا أنه لا توجد جنة ولا نار، ولكن يقصدون أنهم من شدة إخلاصهم لله فإنهم يعبدونه حباً له بصرف النظر عن الجنة والنار.

قال: بالنسبة لله لا يوجد قبل وبعد. قلت: ولكن بالنسبة لنا يوجد قبل وبعد. قال: إن الإنسان من روح الله، نفخ فيه من روحه، ونحن نحمل في أنفسنا الجنة والنار، فإذا شعرتُ أن الله تعالى تخلى عني، معناه أنا في النار، أشعر بهذا فوراً، ولكن ليس بالتصور الذي يظنه المسلمون أنه بعد الموت توجد نار. يُضرب الإنسان إذا أذنب في الدنيا، وإذا عمل طيباً يدخل الجنة.

قلت له: هذا تصور شاذ عند علماء الإسلام، والنصوص كثيرة في الكتاب والسنة توضح فرض الإيمان باليوم الآخر، كيف يكون إيمانك بها على هذا التصور؟ قال: الله يحاسب الإنسان ويعاقبه ابتداء من هذه الحياة إذا ابتعد عن الله، وإذا مشى في طريق الله فهو في الجنة من الآن يبدأ هذا.

قلت: ما رأيك في الظلمة من الملوك والجبابرة الذين يظلمون الناس في الأرض ويموتون قبل أن يؤخذ منهم حق المظلومين، متى يعاقبون؟ قال: الله معنا في كل لحظة يراقبنا على كل صغيرة وكبيرة، وبعض الناس يصورون الجنة بأن فيها نساء جميلات لهن عيون كبيرة وخمر من نوع خاص، [الذي جاء به القرآن يقول عنه جارودي: بعض الناس يصورونه!].

قلت: هذا هو الذي ذكره القرآن فماذا تقول فيه؟ قال: الله يقول: {وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه(. فيعطيهم صوراً من مجتمعهم حتى يفهموا}. قلت: تعني ذلك خيال، وليس حقيقة؟ قال: إذا كنتُ لا أطيع الله إلا لأني أريد عيون النساء والخمر اللذيذة فأنا أصبحت عبداً لشهوتي.

قلت: بل أعبد الله وأطمع في ثوابه الذي وعدني به. قال: أنا أتصور أني محب لله، ولست عبداً للنساء والخمر التي ألقاها في الآخرة. فالإسلام والقرآن يرفضان قضية العبودية لغير الله.
قلت: أنا أطلب من جارودي وأكرر مرة أخرى أن يراجع نفسه في هذا الموضوع، لأنه يخالف نصوص القرآن والسنة (ثم احتدم النقاش بين جارودي والمترجم ثم قال لي جارودي) ـ: أريد منك أن تراجع القسم الذي كتبه الغزالي. قلت: الغزالي لا يقصد هذا الذي فهمته، وهو يثبت الجنة والنار، ولكن ينقل عن بعض الصوفية كلاماً يحثون فيه على الإخلاص لله ويبالغون في عباراتهم، فيقولون: إنهم لشدة إخلاصهم له وحبهم له يعبدونه بصرف النظر إلى الجنة والنار.

قال: إن الغزالي قال أكثر من ذلك، قال: ينبغي أن يعبد الناس ربهم حباً له، لأنهم إذا عبدوه بالخوف من النار والطمع في الجنة يصبح المجتمع في حالة رعب...والكاثوليك يعملون مع الناس هكذا، كل واحد مظلوم أخذت حقوقه يقولون له: ربنا يعوضك في الجنة، وهذا مفهوم خطير، ولا أريد المسلمين يقعون في هذا الفخ. وهذا سلاح كل دولة تستعمل الدين سلاحاً سياسياً، تقول للناس مثل هذا الكلام [قلت للمترجم: قل له إن هذا الفكر هو فكر إلحادي ينبع من قول الشيوعيين الماركسيين: إن الدين أفيون الشعوب واستغلال الدين شيء والحقائق التي جاء بها القرآن شيء آخر. ولكن المترجم قال: إن الوقت ضيق والأفضل أن يبعث له صورة من كلام الغزالي عن اليوم الآخر ومفهومه لهذا الأمر].

ثم قال: ويمكن أن نعطي مفهوم الجنة والنار بهذا المعنى للشعب الذي لا يمكن أن يسير في الطريق الصحيح إلا بالخوف، أما الذي يعبد الله بإخلاص فلا يحتاج إلى ذلك. نابليون كان ملحداً وثنياً، ولكن كان يقول: إذا كان هناك شعب لا توجد فيه عدالة اجتماعية والناس يشكون ويتألمون من المشكلات، يجب أن يقال لهم: إنه يوجد عالم آخر ستكون فيه التعويضات والحقوق حتى يهدؤا.

قلت: كلام الناس شيء وكلام الله شيء آخر، الله تعالى كرر ذكر اليوم الآخر في القرآن ما لا يحصى كثرة مع ذكر الله، إذا ذكر الله ذكر معه اليوم الآخر، فكلام الله غير كلام الناس، كلامهم يكونون فيه متأثرين بأهوائهم، وثقافاتهم ومبادئهم، أما كلام الله فهو حقيقة يجب الإيمان به.

قال: كلام الله يجب أن لا نفهمه بالمعاني الأدبية الواضحة، وأضرب لك مثالاً برمضان، الله تعالى قال: {كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ولو قلت هذا الكلام لسكان الإسكيمو وفهموه على حقيقته، لمكثوا ستة أشهر صائمين حتى يموتوا من الجوع، فلا ينبغي أن نفهم القرآن بالمعنى الأدبي - يعني ما يظهر من النص المجرد - والقرآن يعطيك إشارة وحدثاً ويأمرك بالتفكير. قلت: ولكن هذا الأمر - يعني الإيمان باليوم الآخر - كرره القرآن وأكده من أوله إلى آخره،
وأكدته سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، تأكيداً شديداً، ولو كان ذكره مرة واحدة فقط كان يمكن هذا الكلام أن يجد محملاً - وإن خالف الظاهر بشرط أن تدل قرينة على إرادة غير الظاهر - ولكن القرآن كرر وأكد ووصف اليوم الآخر وصفاً دقيقاً وكذلك السنة، وهي تدل على أنه أراده الله حقيقة. (واحتد النقاش بينه وبين المترجم، وقال: إن وقته انتهى).

فقلت له: على كل حال نشكره على حضوره، ومعذرة لأخذنا شيئاً من وقته، وهذا الموضوع يحتاج إلى زيادة بحث منه ونظر في موقفه هذا. فقال: يجب أن تقرأ للغزالي وابن الرومي وابن عربي وابن عطاء الله، قلت لا حجة في قول أحد مع كلام الله ورسوله، ولا أظن أن هؤلاء كلهم يرون رأيك هذا، وإن وجد في عباراتهم مثل العبارة المنقولة عن رابعة العدوية، وقلت لك: إن الغزالي رحمه الله أثبت في كتابه "الإحياء" الذي زعمت أنه ينفي الجنة والنار في اليوم الآخر، وأقول لك: عليك أن تقرأ في مقابل من ذكرت لابن تيمية وابن القيم أيضاً ولجميع أهل الحديث وأئمة الفقه.

قال: ابن تيمية يفضل أن يعيش ستين سنة وهو مظلوم، على أن يعيش سنة واحدة وهو يقوم بمعارضة.
قلت: لقد قام بمعارضات وجادل وناقش كل الطوائف، ونصح الحكام وجاهد الغزاة المعتدين. قال: إنه كان في الملتقى الفكري في الجزائر، وثار جدل عنيف بينه وبين بعض العلماء في الجنة والنار، وكانوا معه عنيفين.

قلت: أما أنا فأرجو أن يؤمن بالجنة ونلتقي أنا وهو في الجنة. قال: إذا كان أهل الجنة مثل الغزالي وجاد الحق فإنه يفضل أن يذهب إلى النار!

[وعندما سمع خلاصة ما نقلته عن جارودي في العلماء الدكتور طه بن مصطفى أبو كريشة [من أساتذة كلية اللغة العربية في الأزهر، وكان أستاذا في كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية، عندما كنت عميدا لها وبعد ذلك، ثم أصبح نائبا لرئيس جامعة الأزهر]. سبب حنقه على الشيخ جاد الحق أنه كشف ما عنده من زيغ في الاعتقاد، في لقاء معه وسط جمهور كبير في قاعة الشيخ محمد عبده بجامعة الأزهر، وكنت حاضراً هذا اللقاء، وظننا أن الشيخ جاد الحق لم يحسن لقاء الرجل، ثم تبين لنا فيما بعد صدق ما أعلنه عنه، بينما كان جارودي قادماً وفي حسبانه أنه سيلقى كل تكريم من أعلى مستوى ديني في مصر]. قلت: وهكذا يكون اتباع الهوى.


وهنا لا بد من تنبيهات:

التنبيه الأول: أن هذا الدين يجد إقبالاً ممن بلغه لهيمنته على النفوس وموافقته للفطرة والعقول السليمة، لما يشتمل عليه من العقيدة الواضحة السهلة التي لا تصطدم بالعقل والفطرة، ولا فرق بين متعلم وعامي، إلا أن كلاً منهما يحتاج إلى أسلوب يتناسب معه في إبلاغه هذا الدين، والأستاذ رجاء جارودي من ذوي الثقافة العالية عند الأوربيين، و إن كان وقع في حمأة الإلحاد، فهذا عند الأوربيين ليس عيباً، وربما يكون أكثرهم غير مقر بدين وإن كانوا ينتسبون إلى النصرانية المحرفة المبدلة التي رموا بها في زوايا الكنائس، لقلة من الناس يرتزقون منها ولا يفهمون حقيقة ما يقولون للناس.

التنبيه الثاني: الأصل في الذي يوفقه الله للإسلام أن يتتلمذ على أيدي مَن فقهه الله في الدين، ليتعلم أولاً فروض العين [وفي مقدمتها أصول الإيمان وأصول الإسلام] التي أوجبها الله تعالى عليه بنفسه، حتى يؤدي ما فرض الله عليه عن علم وليس عن جهل، فإن الله لا يقبل إلا صالح الأعمال وهي التي يتوافر فيها الإخلاص والصواب، والصواب لا يوجد إلا بالعلم به عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

وإذا أراد المسلم أن يطرق أبواباً أخرى غير فروض العين من أحكام الإسلام، فإنه يجب عليه كذلك أن لا يدخل نفسه في أبوابها مفتياً أو قاضياً أو واعظاً أو آمراً بمعروف وناهياً عن منكر، إلا بعد أن يتعلم ذلك من علماء الإسلام ويتفقه فيه على أيديهم، وإذا أراد أن يكون مجتهداً فلا بد أن تتوافر فيه شروط الاجتهاد، سواء كان اجتهاداً جزئياً أو اجتهاداً مطلقاً، وهذا الأخير قلما تجد من يدعيه من العقلاء في العصور المتأخرة.

التنبيه الثالث: الواجب على علماء المسلمين إذا سمعوا عن شخص دخل في الإسلام له ثقافة عالية في قومه ومركز اجتماعي، ويرجى من مثله أن يكون داعية إلى الله تعالى، أن يجتهدوا في تفقيهه في الدين، إما ببعث أحد العلماء الفقهاء في الدين ليلازمه فترة طويلة حتى يعمله ما يحتاج إليه، سواء كان في فرض العين أو فرض الكفاية، أو استدعائه إلى بعض المؤسسات الإسلامية في أحد البلدان الإسلامية لتعليمه دين الله، وأن لا يترك بمجرد دعواه الإسلام بدون تعليم.

التنبيه الرابع: أن يتريث المسلمون والمؤسسات الإسلامية وأجهزة الإعلام في الشعوب الإسلامية، عن الإشادة به وكثرة مدحه وإطرائه، قبل الاجتماع به وتفقيهه في الدين، لأن ذلك قد يجعله يغتر بنفسه ويصدق نفسه - إذا كانت قد حدثته - بأنه مفكر إسلامي وداعية إسلامي، وهو لا يفقه في الدين إلا القليل، وعنده كثير من الأفكار القديمة التي كان يعتقدها لا تزال تسيطر على عقله وسلوكه، ويزداد غروراً عندما تنهال عليه الدعوات من العالم الإسلامي، لإلقاء محاضرات عن الإسلام، وهو لا يزال أقل علماً في الإسلام من طالب مسلم عاش في بلاد إسلامية، وهذا الأسلوب الذي يعامل به أمثال هؤلاء يجعلهم في نظر أنفسهم فوق الحاجة إلى التعليم، لأنه أصبح مفكراً إسلامياً وداعيةً ومناظراً... وتكون النتيجة أن يتجول بعقله في أي مرجع من الكتب التي ألفت في الإسلام، سواء كانت سليمة أو غير سليمة، يأخذ من هذا ما يوافق ثقافته وتفكيره ويأخذ من ذلك ما يناسبه، وقد يتمكن من قلبه بعض المعاني المنحرفة.
وقد يفهم من الكلام المنحرف انحرافاً أشد لم يقصده المؤلف، ويصبح عنده خليط من أفكاره القديمة وفلسفته، ومن الأفكار التي أطلع عليها مما يوافق أفكاره القديمة وفلسفته، وعنده شيء من المعاني الإسلامية الصحيحة، ويظن أنه أعلم العلماء، ويرى أن علماء المسلمين الذين أفنوا حياتهم في تعلم شرع الله أقل شأناً منه، حتى لو دخلوا هم الجنة التي يؤمنون بها، فإنه يفضل أن يدخل النار، ولو كان لا يؤمن لا بهذه ولا بتلك!

وهذا يبدو لي هو الذي حصل للأستاذ جارودي، فإنه يتهكم بشيخ الأزهر ومشايخ العلم الذين قابلوه في الملتقى الفكري في الجزائر، ومنهم الشيخ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي [هكذا ذكر لي المترجم الدكتور يوسف القرضاوي، ولكني سمعته في إحدى الفضائيات ينكر حضور حوار جارودي في هذا الأمر، فربما كان ذكره سبق لسان من المترجم] بسبب أنهم ناقشوه في ركن من أركان الإيمان لا يصح الإسلام بدونه، وهو اليوم الآخر، وقد صمم على رأي له، وهو أنه لا يوجد يوم آخر، وإنما هو عبارة عن السعادة في الدنيا بطاعة الله والشقاء في الدنيا بمعصية الله، ويرى أن الذي يؤمن بوجود الحور العين والخمر والعسل الذي ذكره الله في القرآن، إنما هو عبد لتلك الأشياء وليس عبداً حقا لله. [وهذا مذهب الملحدين الذين كان جارودي واحداً منهم قبل إعلان إسلامه]

ويأخذ ذلك من بعض العبارات التي أطلقها الصوفية - وهي تخالف بظاهر ها القرآن والسنة وما فهمه علماء الإسلام من الصحابة ومن تبعهم - وهم مع ذلك لم يقصدوا ما قصده جارودي من إنكار لليوم الآخر والجنة والنار، ومن ذلك قول رابعة العدوية الذي نقله الغزالي في إحياء علوم الدين (4/310): "وقال الثوري: لرابعة: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدته خوفاً من ناره ولا حباً لجنته، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حباً له وشوقا إليه…" ونقل الغزالي عبارات تشبه هذه العبارة، ثم قال في آخر ما نقل: "وما أرادوا بهذا إلا إيثار لذة القلب في معرفة الله تعالى على لذة الأكل والشرب والنكاح، فإن الجنة معدن متعة الحواس، وأما القلب فلذته في لقاء الله فقط". ورجاء جارودي إنما يقرأ هذه الأمور عن طريق الترجمة من العربية إلى غيرها، ويجوز أن يكون المترجم قد حرف إما قصداً، وإما عن سوء فهم، فيضاف إلى ذلك ما قد يحصل لجارودي وأمثاله من سوء فهم أو موافقة فكرهم السابق، فيصل في النهاية إلى إنكار ركن من أركان الإيمان وقد سمعت أنه كذلك لا يؤمن بوجود ملائكة، ولكن لم أسأله عن ذلك نسياناً وهو كان مستعجلاً [ولم أتمكن من كتابة بعض الأمور عن جارودي، كسبب إسلامه وديانته قبل الإسلام لأنه سلمني أوراقاً، قال: إن ذلك موجود فيها وهو باللغة الفرنسية تحتاج إلى ترجمة ولعلي أتدارك ذلك بعد أن تتيسر ترجمتها، وعمر جارودي أربعة وسبعون عاماً لأنه ولد سنة 1913م].







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

10972664

عداد الصفحات العام

4640

عداد الصفحات اليومي