﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡفُرُونَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَیَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ بِغَیۡرِ حَقࣲّ وَیَقۡتُلُونَ ٱلَّذِینَ یَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمٍ (٢١) أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِینَ (٢٢)﴾ [آل عمران ٢١-٢٢]
(019)المسئولية في الإسلام :: (010)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011)سافر معي في المشارق والمغارب :: (10)سافر معي في المشارق والمغارب :: (09)سافر معي في المشارق والمغارب :: (08)سافر معي في المشارق والمغارب :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (018)المسئولية في الإسلام :: (017)المسئولية في الإسلام :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(06)المسئولية في الإسلام مصدر تحديد المصلحة والمفسدة

(06)المسئولية في الإسلام مصدر تحديد المصلحة والمفسدة

والمصلحة التي يجب - على الإمام الذي يحكم بشرع الله - أن يهيئ وسائل تحصيلها، والمفسدة التي يجب أن يهيئ أسباب درئها، يجب أن يكون مصدر تحديدهما الشريعة الإسلامية. فما اعتبرته الشريعة مصلحة فهو مصلحة يجب جلبها، وما اعتبرته مضرة فهو مضرة يجب دفعها، فإن لم يرد نص صحيح صريح في تحديدهما، رُجِع في ذلك إلى علماء الشريعة وأهل الحل والعقد كمجالس الشورى، القادرين على الاجتهاد المؤدي إلى تحديدهما بما لا يخالف قواعد الشريعة المعتمدة، وليس مصدر تحديد المصلحة أو المفسدة، أهواء الإمام أو الرعية التي تخالف شرع الله؛ لأنهما لو جعلتا من حق الإمام أو الرعية مطلقاً، لحصل في تحديدهما اختلاف عظيم لاختلاف ميول الناس وشهواتهم اختلافاً متبايناً، وترتب على ذلك من الفوضى والاضطراب ما الله به عليم، كما هو حاصل اليوم في غالب بلاد المسلمين. إذ ما يراه بعضهم مصلحة، قد يراه الآخر مفسدة، وما يراه بعضهم مفسدة، قد يراه بعضهم مصلحة.

وبناء على ذلك سيختلف كبار رجال الدولة - الوزراء - فيما بينهم ومع الإمام، وستختلف الرعية فيما بينها ومع المسئولين من موظفي الدولة، وسيزعم بعضهم أن المصلحة أو المفسدة تقتضي إباحة شيء، ويزعم الآخرون أنهما يقتضيان تحريمه، وستضطرب بذلك الأمور ويختل النظام وتنتهك حرمات الله، بسبب إسناد تحديد المصلحة والمضرة إلى غيره تعالى.

وخلاصة الكلام: أن الحلال ما أحله الله وليس لأحد تحريمه، والحرام ما حرمه الله وليس لأحد تحليله..وإذا تعارضت مفسدتان لا يمكن تركهما جميعاً، وجب ارتكاب أخفهما. وإن تعارضت مصلحتان لا يمكن تحقيقهما جميعاً، وجب تقديم أعظمهما نفعاً، والتحديد في كل ذلك يرجع إلى القواعد الإسلامية. والمعنيون بالبحث والموازنة بين المصالح والمفاسد، هم أهل الحل والعقد من علماء الأمة وأعيانها المعروفين بالورع والتقوى وخشية الله، والتضلع من العلوم الإسلامية أصولها وفروعها، الذين لا يخافون في الله لومة لائم، بل يقولون كلمة الحق ولو على أنفسهم، يضاف إليهم أهل الاختصاص في الشؤون التي لا يصح تصورها إلا عن طريقهم، كالأطباء والفلكيين والاقتصاديين، وخبراء شؤون السياسة والسلم والحرب وقادتهم.

هؤلاء هم الذين يجب أن يسند إليهم البحث في مصالح الناس ومضارهم، وهم أهل الحق في تعيين المصلحة والمفسدة، وعلى ضوء بحثهم واجتهادهم يجب على الإمام أن ينفذ ما أشاروا به. مع العلم أن المصالح التي يحتاج المسلمون إلى البحث فيها وتقديم أعلى المصلحتين على أدناهما، أو المفاسد التي تدرأ أعظمها على أدناها، هي المصالح والمفاسد التي، التي لم يرد باعتبارها أو عدم اعتبارها، نص صحيح صريح، كما فصلها العلماء في كتب المقاصد وأصول الفقه، أما ما ورد فيه نص شرعي صحيح صريح، بحيث لا يحتمل إلا معنى واحدا فالواجب تنفيذه ولا اجتهاد فيه.

وقد حسم الله في كتابه أمر الأهواء والاختلاف بين الناس، رعية ورعاة، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء 59].
ولا يجوز الالتفات إلى معارضة أهل الأهواء ممن يدعون العلم، ويكتمون الحق، أو يلبسونه بالباطل، ليشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، تحقيقاً لرغبة الحكام المناوئين لما يخالف أهواءهم من شرع الله، كما هو حال كثير من العلماء في الأقطار التي لا تحكم شرع الله، وأحلت محله قوانين البشر المخالفة له.

قال ابن تيمية رحمه الله: "فَلَيْسَ حُسْنُ النِّيَّةِ بِالرَّعِيَّةِ وَالإِحْسَانِ إلَيْهِمْ: أَنْ يَفْعَلَ مَا يَهْوُونَهُ وَيَتْرُكَ مَا يَكْرَهُونَهُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون 71]. وَقَالَ تَعَالَى لِلصَّحَابَةِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات 7]. وَإِنَّمَا الإِحْسَانُ إلَيْهِمْ فِعْلُ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَلَوْ كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ; لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفُقَ بِهِمْ فِيمَا يَكْرَهُونَهُ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: (مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إلا زَانَهُ وَلا كَانَ الْعُنْفُ فِي شَيْءٍ إلا شَانَهُ). قَالَ صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ) [ولفظ الحديث في البخاري: (مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله..) وفي لفظ: (عليك بالرفق، وإياك والعنف). (7/80-81). ولفظه في مسلم (4/2004): (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)، وكذا (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف). مسلم (4/2004)].

وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه، يَقُولُ: "وَاَللَّهِ إنِّي لأُرِيدُ أَنْ أُخْرِجَ لَهُمْ الْمُرَّةَ مِنْ الْحَقِّ فَأَخَافُ أَنْ يَنْفِرُوا عَنْهَا، فَأصْبِرْ حَتَّى تَجِيءَ الْحُلْوَةُ مِنْ الدُّنْيَا فَأُخْرِجَهَا مَعَهَا، فَإِذَا نَفَرُوا لِهَذِهِ سَكَنُوا لِهَذِهِ". وَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ لَمْ يَرُدَّهُ إلا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورِ مِنْ الْقَوْلِ...." [مجموع الفتاوى (28/364)].

قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية من سورة الإسراء: "وكان عليه الصلاة والسلام إذا سئل وليس عنده ما يعطي سكت انتظارا لرزق يأتي من الله سبحانه وتعالى كراهة الرد، فنزلت هذه الآية، فكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل وليس عنده ما يعطي قال: (يرزقنا الله وإياكم من فضله). فالرحمة على هذا التأويل الرزق المنتظر. وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة. و"قولا ميسورا" أي لينا لطيفا طيبا، مفعول بمعنى الفاعل، من لفظ اليسر كالميمون، أي وعدا جميلا، على ما بيناه."

والنص السابق الذي ذكره ابن تيمية، هو قطعة من أثر طويل جداً ذكرت فيه صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه عن الحسن بن علي رضي الله عنه، قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي، وكان وصَّافاً، عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أتعلق به، فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر".. إلى أن قال: "ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول" [وهو في المعجم الكبير للطبراني وفي مجمع الزوائد للهيثمي، وقال: "رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي وثقه ابن حبان وغيره وضعفه الدارقطني وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح"]. قلت: يشير ابن تيمية رحمه الله بهذا إلى قول الله تعالى له: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (28)} [الإسراء]





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

11173828

عداد الصفحات العام

2578

عداد الصفحات اليومي