{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68}) [التوبة]
(07) أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (037) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06) أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (36)سافر معي في المشارق والمغارب :: (5) أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (035) سافر معي في المشارق والمغارب :: (04) أثر عظمة الله في الخشوع له :: (034) سافر معي في المشارق والمغارب :: (033) سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(012) المسئولية في الإسلام تتمة أخيرة لمسئولية التعليم

(012) المسئولية في الإسلام تتمة أخيرة لمسئولية التعليم

وما الحل؟

سبق أن ذكرنا المضار التي تنال المبتعث الناشئ الذي لم ينل الحصانة العلمية الإسلامية والتربية عليها، قد يقول القائل: إذا كنت تعترف أننا في حاجة إلى الاستفادة من هؤلاء الكفار.. فإن ترك تعلمنا العلوم النافعة منهم يؤدي إلى تأخرنا كما هو الواقع. ثم أنت تذم بعث أبنائنا إليهم.. فما الحل الذي تراه للحصول على ما عند الأعداء من العلوم النافعة دون أن يتأثروا بما عندهم من فساد؟

والجواب: إن لحل هذه المشكلة طريقين أحسنهما أولهما:

الطريق الأولى: تأمين تعليم الشباب المسلم في بلاده، بإنشاء مؤسسات متنوعة لكل العلوم التي يراد أخذها من الغرب واستقدام مدرسين خبراء منهم، مع أخذ شروط عليهم بأن لا يزاولوا غير وظائفهم التي قدموا من أجلها في البلاد.. وإذا كانت بعض المؤسسات في حاجة إلى مواد خام، أو أجهزة لا توجد في البلاد، عقدت اتفاقية مع الدول التي تملكها لاستيرادها.

وهذه الطريق قد تكون فيه صعوبة في أول الأمر، ولكنها ممكنة وهي أحسن الطريقين وأنفعهما، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، بصورة ترمز إلى هذا الطريق، حيث جعل الكُتاب من أسرى مشركي قريش يعلمون أولاد المسلمين في المدينة جزاء إطلاقهم من الأسر.

بقي أن أشير إشارة موجزة إلى أمر مهم، وهو أن استقدام المدرسين والخبراء الذين نحتاج إليهم لتعليم أبنائنا، يجب أن يكون مبنياً على دراسة واختبار سابقين بالوسائل الممكنة، بحيث تكون لجنة التعاقد لجنة مختارة معروفة بالإخلاص لدينها، والحمية على أبناء وطنها، وبالدهاء والذكاء اللذين يمكنانها من معرفة وجهة الشخص الذي يراد التعاقد معه، كما يجب أن يتصلوا بمن يوثق به من المسلمين الموجودين في بلد الاستقدام، لاستشارته وأخذ رأيه في المستقدمين.

الطريق الثانية: أن يختار طلاب عقلاء ويربوا تربية خاصة، من قبل علماء متضلعين مخلصين ومطلعين على شُبه الأعداء قادرين على الرد عليها، يقيمون لهم دورات قيل ابتعاثهم، بوقت كاف، يبينون لهم ما سيواجههم في البلدات التي يبتعثون إليها، من شبهات وشهوات، وكيف يتحصنون منها بما نالوه في تعليمهم وتفقيههم في دينهم ودوراتهم، حتى يفهموا الإسلام فهماً جيداً ويعرفوا الشبه، التي يوردها الأعداء والرد عليها..

ويعين لكل عدد منهم مشرف خاص يكون من ضمن البعثات الدبلوماسية لبلدانهم، بالإشراف عليهم لوجيههم، ويكون بمنزلة الأب لهم، يشجعهم على الالتزام بدينهم وأخلاقهم، ويحاول وقايتهم من الانحراف والسلوك السيئ.

وفي الزوايا خبايا

ويجب أن أسجل هنا اعترافي لشباب من بلدان عربية متعددة، رأيتهم في أواخر التسعينات الهجرية، وأواخر السبعينات الميلادية، في أول زيارة لي إلى أمريكا، واقفين أمام المغريات والشبهات كالجبال الرواسي التي لا تزعزعها العواصف العاتية، لقوة إيمانهم وحسن سلوكهم، ولكنهم يعتبرون كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، والعبرة بالغالب لا بالنادر. [وقد زاد عدد هؤلاء في الفترات الأخيرة بسبب النشاط الطلابي الإسلامي والحمد لله].

وطبيعي أنه لا يقال: إن كل من يبتعث للخارج يكون كذلك؛ لأن تلك القلة من الطلاب الذين درسوا في الجامعات الغربية، أو تدربوا في مؤسساتها، أصبحوا دعاة إلى الله قبل عودتهم إلى بلدانهم، بل أسسوا مراكز للدعوة وبنوا مساجد، وكان لهم أثر عظيم في انتشار الإسلام، وبخاصة في أمريكا الشمالية وفي أوربا غربيها وشرقيها.

ولهذا بدأ زعما الغرب يضيقون بهم ذرعاً، خشية من تأثيرهم على الجاليات الإسلامية التي ازداد عددها، وأصبح الإسلام في بعض البلدان الغربية هو الديانة الثانية بعد النصرانية. ومن هؤلاء اتحاد الطلبة المسلمين، الذين كان من خططهم الدعوية تلقي الشباب الجدد الذين يفدون إلى الغرب للدراسة، ومساعدتهم فيما يحتاجون إليه في سكنهم وإنهاء إجراءات معاملاتهم، وفي مساعدتهم تعليمهم اللغة الإنجليزية.

ويهتمون بتربيتهم والمحافظة عليهم من الذوبان في المجتمع الغربي.ولهذا كثر الملتزمون بدينهم، ونفع الله بهم في الغرب، ورجعوا إلى بلدانهم وهم أكثر التزاماً بهذا الدين، وقد أشرت إلى ذلك في كتب رحلاتي التي سجلتها عن رحلاتي إلى أمريكا وأوربا.

الواقع أيد أصوات الإنذار:

كنت كتبت ما سبق قبل عشر سنوات، وها أنا أنقل ما كتبته في هذا الموضوع في مذكراتي عن زيارتي لبعض دول الغرب، وخاصة أمريكا في عام 1398ﻫ ـ 1978م بعد أن تم الاجتماع ببعض الطلبة المبتعثين من بعض الشعوب الإسلامية. وكنت خلال هذه الأيام التي قضيناها في المؤتمر السنوي السابع لعلماء المسلمين الاجتماعيين الذي عقد في مدينة أنديانا، أجتمع ببعض الطلبة المسلمين الصالحين من المملكة العربية السعودية وغيرها. فوجدت فيهم روح الشباب المسلم الغيور على دينه المحب لتقدم بلاده على أساس الإسلام الذي لا تقدم لأي بلد تقدماً سليماً بدونه، وإذا ظهرت بعض الثمار لجهود مادية بذلها الناس في الغرب، من وسائل العيش المتنوعة، في مآكلهم
ومشاربهم ومراكبهم ومساكنهم وسفرهم وإقامتهم، وسلمهم وحربهم، فإن ذلك لخلوه من توجيه الخالق، لا يعد تقدماً في الحقيقة، إلا في ميزان الإنسان الذي خرج عن فطرته التي فطره الله عليها، لما يشاهد من ويلات وآثار سيئة في حياة هذه الشعوب التي تسمى المتقدمة، ولما يجلبه زعماؤها بتقدمهم المادي المستقل عن توجيه الخالق من دمار ووبال على بقية شعوب العالم، وبخاصة بلاد المسلمين، وليس الخبر كالعيان كما يقال.

وأيضاً إذا تأمل العاقل في تصرفات القوم الذين ابتكروا تلك الوسائل، وجدهم يتخذونها ذرائع لتحقيق مآربهم وشهواتهم التي يشاقون بها الله ورسوله والمؤمنين، من الظلم والعدوان والاستكبار في الأرض... بدلاً من استعمالها في شكر الله الذي ابتلاهم بها.

أقول: لقد أيد الواقع أصوات الإنذار التي انطلقت تحذر من بعث الطلاب إلى الدول الغربية، قبل أن تتخذ الأسباب التي تحصنهم من المفاسد التي نالتهم في أنفسهم، ونالت شعوبهم بعد عودتهم إليها.

فلقد كان هؤلاء الطلاب الصالحون الذين اجتمعت بهم في بعض المدن الأمريكية، يبثون شكواهم من حالة أكثر زملائهم الذين ابتعثوا لتلقي العلوم ليعودوا إلى بلادهم رواداً متفانين في رفع مستواها الحضاري مادياً ومعنوياً، ولكنهم ذابوا في المجتمع الغربي، وخلعوا ثياب شخصية الآباء والأجداد، وانغمسوا في الشهوات والملذات القذرة، ففقدوا شخصية المسلم المعتز بدينه وعقيدته، ولم يصلوا إلى شخصية الغربي المبدعة في العلوم المادية والأنظمة الإدارية، بل تسيبوا وأصبحوا وصمة عار على بلادهم.

ومنهم من ضم إلى ذلك الانخراط في صفوف منظمات إلحادية أو ماسونية أو قومية حاقدة على الإسلام والمسلمين. وإنني لأتساءل، كما يتساءل غيري: ماذا سيكون مصير بلدان المسلمين عندما يتربع على كراسي إداراتها، ذوو أدمغة أفرغت من معاني الإسلام التي بفقدها يصير الفرد أجنبياً عن بلاده وبني قومه، وملئت بمعانٍ أخرى غير إسلامية، تكسب الفرد عداء لدينه فيعود وقد وضع لنفسه - أو وضعه له أساتذته الذين أفرغوا من دماغه معانيَ الإسلام وملئوه بما هو ضده - منهاجاً يقضي به على كل مظهر للإسلام، ويحقق به أهداف الكفر وأوليائه؟

أقول: ماذا سيكون غير الويلات والمصائب التي حدثت فعلاً في غالب شعوب العالم الإسلامي العربية منها وغير العربية إلا ما شاء الله؟ أليست الانقلابات العسكرية التي لم تهدأ في تلك الدول نتيجة لهذا الجيش الذي رباه الغرب على ما يريد.. أليس المسخ التعليمي في بلدان المسلمين نتيجة للمناهج الجاهزة التي نقلها هؤلاء من بيئة غير بيئتهم وقسروا أبناء شعوبهم قسراً عليها، وهي لم تفصل على قدّهم؟

أليس وبال أجهزة الإعلام الذي هدَّ أركان العقيدة في قلوب المسلمين وأوقعهم في شباك المسخ الخلقي والفكري، من آثار مسخ شبابنا الذي رباه الغرب؟ أليس فقدان الغيرة على الدين والعرض والوطن ثمرة من ثمار فَقْد العقيدة والأخلاق الإسلامية في نفوس شبابنا الذين أخرجهم لنا الغرب؟

أليس التناحر السياسي والقلق النفسي والتنافر الاجتماعي، من عطاء شبابنا الذي وجهه أساتذة الغرب؟ أليس ما قام به الغرب من العدوان على بلداننا في القرن الحادي والعشرين جرى بتواطؤ مع منافقين قالوا كما قال أستاذهم ابن أُبي وقومه: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ...} [الحشر 11] ؟

ألا إن في ارتداد كثير من ذراري المسلمين ممن طعنوا في القرآن الكريم والسنة النبوية، وسخروا من رسول الإسلام ودين الإسلام في وسائل الإعلام وبخاصة الفضائيات القريبة الحدوث في بلدان المسلمين، لعبرة لمن أراد أن يعتبر، وقد أصبحت الشبكة العالمية "الإنترنت" أُمّاً لوسائل الإعلام، يتناولها كل من هب ودب، وبنفث فيه ثعابين الفساد كل ما يريدون، دون رقيب، فازداد الفساد انتشارا.

وفي لوس انجلوس اجتمعنا ببعض الطلبة المبتعثين وأخذنا نتبادل الحديث عن الشرق والغرب. وكان الحديث يدور حول البلاء الذي انتشر في البلدان الإسلامية، بسبب الأفكار الهدامة الغريبة والشرقية على الأمة الإسلامية في العقيدة والسلوك والتشريع والسياسة والاجتماع وغير ذلك. وأن قسطاً كبيراً من هذا البلاء يحمله المبتعثون إلى الدول الغربية الذين يعودون إلى بلدانهم بأدمغة تحمل عفن التفكير الغربي في المجالات المذكورة.

والسبب في ذلك أن أساتذة الغرب يسعون جادين في غسل مخ هؤلاء المبتعثين من كل فكر يمت إلى الإسلام بصلة. ثم ملء هذه الأدمغة بالأفكار المضادة، كما أنهم يزينون لهم سبل الفساد والشر فينطلقون في إشباع شهواتهم انطلاقاً لا حدود له.

ومع عدم خشية الله في نفوسهم، ليس هناك رقيب من البشر، ولذلك يعود الطالب ممسوخاً في تخصصه حاملاً أقذار الفكر الغربي وسوء سلوك الغربيين. وذكر الإخوة أن أعداداً هائلة من هذا الشباب، هم الآن في أمريكا يرتبطون بأحزاب سياسية يسارية ويمينية، هدفها الأساسي تحطيم ما بقي في البلدان الإسلامية من دعائم لتطبيق الشريعة الإسلامية بالإضافة إلى الفوضى الخلقية التي يكتسبونها من المجتمع الأمريكي.

ولهذا نهيب بإخواننا المسلمين، أن لا يلقوا بفلذات أكبادهم إلى أحضان أعدائهم الذين يمسخونهم فيجعلونهم لعنة وعاراً عليهم، وسيتسلم هؤلاء الأبناء قيادة الدنيا منهم بعد سنين، ويربون أولادهم مثل تربيتهم، وأبناؤهم يربون أحفادهم كذلك، فتكون سلسلة شر متصلة بعد الآباء الذين فرطوا في الجيل الأول من هذه السلسلة، فيكون عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لأنهم السبب فيها.وليتقوا الله في أولادهم الذي قال تعالى محذرا لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم 6]. والأبناء أمانات عند الآباء وأقبح الخائنين من خان أبناءه.{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال 27].




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

11930816

عداد الصفحات العام

1606

عداد الصفحات اليومي