[لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (22)[
(08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (08) التكفير واختلاف العلماء فيه :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (07) التكفير ومذاهب العلماء فيه :: (06) التكفير ومذاهب أهل العلم فيه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) التكفير ومذاهب العلماء فيه مذهب جماهير أهل السنة: :: (04) التكفير ومذاهب العلماء فيه :: (03) التكفير ومذاهب العلماء فيه :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(036) المسئولية في الإسلام

(036) المسئولية في الإسلام

ومن أهم الحقوق الوجبة على المرأة قيامها بتربية الأولاد

إن مهمة الأم المتعلقة بتربية أولادها الجسمية والعقلية والإيمانية والسلوكية، من أعظم ما يجب عليها القيام به، وهو أشد خطراً من غيره من وظائف المرأة. فيجب أن تكرس جهودها في القيام بتربيتهم غذاءً وتنظيفاً، وتأديباً. ولقد أجاد العلامة ابن القيم رحمه الله القول في كتابه "تحفة المودود بأحكام المولود" فيما يتعلق بتربية الأولاد، ولهذا فإني سأنقل منه الفقرات المناسبة لهذا الموضوع - وإن طالت - لعظيم فائدتها.
كلام ابن القيم رحمه الله فيما يتعلق بتربية الأولاد:قال رحمه الله: "الباب السادس عشر في فصول نافعة في تربية الأطفال تحمد عواقبها عند الكبر: ينبغي أن يكون رضاع المولود من غير أمه بعد وضعه بيومين أو ثلاثة، وهو الأجود، لما في لبنها ذلك الوقت من الغِلَظ والأخلاط، بخلاف لبن من استقلت على الرضاع وكل العرب تعتني بذلك حتى تسترضع أولادها عند نساء البوادي كما استرضع النبي صلى الله عليه وسلم، عند بني سعد. وينبغي أن يمنع من حملهم والطواف بهم، حتى يأتي عليهم ثلاثة أشهر فصاعداً، لقرب عهدهم ببطون الأمهات، وضعف أبدانهم.

وينبغي أن يقتصر بهم على اللبن وحده إلى نبات أسنانهم، لضعف معدتهم وقوتهم الهاضمة عن الطعام. فإذا أنبتت أسنانه قويت معدته وتغذى بالطعام فإن الله سبحانه، أخر إنباتها إلى وقت حاجته إلى الطعام، لحكمته ولطفه، ورحمة منه بالأم وحلمة ثديها فلا يعضه الولد بأسنانه. وينبغي تدريجهم في الغذاء فأول ما يطعمونهم الغذاء اللين فيطعمونهم الخبز المنقوع في الماء الحار واللبن الحليب، ثم بعد ذلك الطبيخ والأمراق الخالية من اللحم ثم بعد ذلك ما لطف جداً من اللحم بعد إحكام مضغه أو رضه رضاً ناعماً.

فإذا قرب من وقت التكلم، وأريد تسهيل الكلام عليه، فليدلك ألسنتهم بالعسل والملح الأندراني[الملح الاندراني والذي يوجد في مناجم على الأرض متبلوراً على هيئة كتل صخرية بلورية تقطع وتنقل أيضاً إلى معامل خاصة لتصفيتها وطحنها قبل عرضها للبيع] لما فيهما من الجلاء للرطوبات الثقيلة المانعة من الكلام. فإذا كان وقت نطقهم فليلقن لا إله إلا الله، محمداً رسول الله. وليكن أول ما يقرع مسامعهم، معرفة الله سبحانه وتوحيده وأنه سبحانه فوق عرشه، ينظر إليهم ويسمع كلامهم وهو معهم أين ما كانوا. ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن. بحيث إذا وعى الطفل وعقل علم أنه عبد الله وأن الله هو سيده ومولاه.

وإذا حضر وقت نبات أسنانهم، فينبغي أن يدلك لثاهم كل يوم بالزبد والسمن ويمرخ جدر العنق تمريخاً كثيراً. ويحذر عليهم كل الحذر، وقت نباتها إلى حين تكاملها، وقوتها من الأشياء الصلبة ويمنعون منها كل المنع لما في التمكن منها من تعريض الأسنان لفسادها وتعويجها وخللها. ولا ينبغي أن يشق على الأبوين بكاء الطفل وصراخه - ولا سيما لشربه اللبن إذا جاع - فإنه ينتفع بذلك البكاء، انتفاعاً عظيماً، فإنه يروض أعضاءه ويوسع أمعاءه، ويفسح صدره ويسخن دماغه ويحمي مزاجه ويثير حرارته الغريزية ويحرك الطبيعة لدفع ما فيها من الفضول ويدفع فضلات الدماغ من المخاط وغيره.

وينبغي أن لا يهمل أمر قماطه ورباطه ولو شق عليه، إلى أن يصلب بدنه وتقوى أعضاوه ويجلس على الأرض. فحينئذ يمرن ويدرب على الحركة والقيام قليلاً إلى أن يصير ملكة وقوة ويفعل ذلك بنفسه. وينبغي أن يوقى الطفل كل أمر يفزعه من الأصوات الشديدة الشنيعة، والمناظر الفظيعة والحركات المزعجة، فإن ذلك ربما أدى إلى فساد قوته العاقلة لضعفها فلا ينتفع بها بعد كبره، فإذا عرض له عارض من ذلك فينبغي المبادرة إلى تلافيه بضده وإيناسه بما ينسيه إياه، وأن يلقم ثديه في الحال ويسارع إلى رضاعه ليزول عنه حفظ ذلك المزعج، ولا يرتسم في قوته الحافظة فيعسر زواله. ويستعمل تمهيده بالحركة اللطيفة، إلى أن ينام فينسى ذلك، ولا يهمل هذا الأمر، فإن في إهماله إسكان الفزع والروع في قلبه، فينشأ على ذلك ويعسر زواله ويتعذر.

وينبغي للمرضع إذا أرادت فطامه أن تفطمه على التدريج، ولا تفاجئه بالفطام وهلة واحدة، بل تعوده إياه وتمرنه عليه لمضرة الانتقال عن الألفة والعادة مرة واحدة. ومن سوء التدبير للأطفال أن يمكنوا من الامتلاء من الطعام وكثرة الأكل والشراب، ومن أنفع التدبير لهم أن يعطوا دون شبعهم، ليجود هضمهم وتعتدل أخلاطهم، وتقل الفضول في أبدانهم وتصح أجسادهم، وتقل أمراضهم لقلة الفضلات في (كذا) [هكذا في الأصل والظاهر أن في العبارة سقطاً]. الغذائية.

ومما ينبغي أن يحذر أن يحمل الطفل على المشي قبل وقته، لما يعرض في أرجلهم بسبب ذلك من الانتقال والاعوجاج، بسبب ضعفها وقبولها. واحذر كل الحذر أن تحبس عنه ما يحتاج إليه من قيء أو نوم أو طعام أو شراب أو عطاس أو بول أو إخراج دم، فإن لحبس ذلك عواقب رديئة في حق الطفل والكبير. ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خُلُقِه، فإنه ينشأ عما عوده المربي في صغره، من حرد وغضب، ولجاج وعجلة، وخفة مع هواه وطيش وحدة وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك وتصير هذه الأخلاق، صفات وهيئات راسخة له.. فلو تحرز منها غاية التحرز فضحته ولا بد يوماً ما. ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم، وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها.

وكذلك يجب أن يجتنب الصبي إذا عقل مجالس اللهو والباطل والغناء، وسماع الفحش والبدع ومنطق السوء. فإنه إذا علق بسمعه عسر عليه مفارقته في الكبر، وعزَّ على وليه استنقاذه منه فتغيير العوائد من أصعب الأمور، يحتاج صاحبه إلى استجداد طبيعة ثانية والخروج عن حكم الطبيعة عسر جداً. وينبغي لوليه أن يجنبه الأخذ من غيره غاية التجنب.. فإنه متى اعتاد الأخذ صار له طبيعة، ونشأ بأن يأخذ لا بأن يعطي ويعوده البذل والإعطاء. وإذا أراد الولي أن يعطي شيئاً أعطاه على يده ليذوق حلاوة الإعطاء، ويجنبه الكذب والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع، فإنه متى سهل له سبيل الكذب والخيانة أفسد عليه سعادة الدنيا والآخرة وحرمه كل خير. ويجنبه الكسل والبطالة، والدعة والراحة بل يأخذه بأضدادها ولا يريحه إلا بما يُجم نفسه وبدنه للشغل، فإن الكسل والبطالة عواقب سوء ومغبة ندم، وللجهد والتعب عواقب حميدة، إما في الدنيا وإما في العقبى وإما فيهما، فأروح الناس أتعب الناس، وأتعب الناس أروح الناس.

فالسيادة في الدنيا والسعادة في العقبى لا يوصل إليهما إلا على جسر من التعب، قال يحي بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم.ويعوده الانتباه آخر الليل فإنه وقت قسم الغنائم وتفريق الجوائز فمستقل، ومستكثر، ومحروم، فمتى اعتاد ذلك: صغيراً، سهل عليه كبيراً.ويجنبه فضول الطعام والكلام والمنام ومخالطة الأنام، فإن الخسارة في هذه الفضلات وهي تفوت على العبد خير دنياه وآخرته.ويجنبه مضار الشهوات المتعلقة بالبطن والفرج غاية التجنب، فإن تمكينه من أسبابها و الفسح له فيها يفسده فساداً، يعزَّ عليه بعده صلاحه. وكم من أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه وإعانته له على شهوته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة، فإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء.

والحذر كل الحذر من تمكينه من تناول ما يزيل عقله، من مسكر وغيره أو عشرة من يخشى فساده، أو كلامه له أو الأخذ من يده، فإن ذلك الهلاك كله، ومتى سهل عليه ذلك فقد سهل الدياثة ولا يدخل الجنة ديوث. فما أفسد الأبناء مثل تفريط الآباء وإهمالهم واستسهالهم شرر النار بين الثياب، فأكثر الآباء يعتمدون مع أولادهم أعظم ما يعتمده العدو الشديد العداوة مع عدوه وهم لا يشعرون! فكم من والد حرم ولده خير الدنيا والآخرة، وعرضه لهلاك الدنيا والآخرة، وكل هذا عواقب تفريط الآباء في حقوق الله وإضاعتهم لها، وإعراضهم عما يوجب الله عليهم من العلم النافع والعمل الصالح حرمهم الانتفاع بأولادهم، وحرم الأولاد خيرهم، وهو من عقوبة الآباء.

ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره ما كان مأذوناً فيه شرعاً، فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له. فإذا وجده حسن الفهم صحيح الإدراك جيد الحفظ واعياً، فهذه من علامات قبوله وتهيئته للعلم، لينقشه في لوح قلبه ما دام خالياً فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه. وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه وهو مستعد للفروسية، وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها، فإنه أنفع له وللمسلمين. وإن رآه بخلاف ذلك فإنه لم يخلق لذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع مستعداً لها قابلاً لها وهي صناعة مباحة نافعة للناس، فليمكنه منها.هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه، فإن ذلك ميسر على كل أحد، لتقوم حجة الله على العبد فإن له على عباده الحجة البالغة كما له عليهم النعمة السابغة.

ثم قال بعد بحث طويل: فإذا صار له سبع سنين دخل في سن التمييز وأمر بالصلاة، كما في المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع) [أبو داود (1/334) وحسنه الألباني في إرواء الغليل (1/266)]. ثم قال: وإذا صار ابن عشر ازداد قوة وعقلاً واحتمالاً للعبادات فيضرب على ترك الصلاة كما أمر به النبي u وهذا ضرب تأديب وتمرين. ثم قال: فإذا تيقن بلوغه جرى عليه قلم التكليف، وثبت له جميع أحكام الرجل.انتهى ما أردت نقله مع اختصار لبعض الجمل [من ص: 137-182)].

وليست الأمور المذكورة خاصة بالأم كلها، بل منها ما هو خاص بها، ومنها ما هو خاص

بالأب، ومنها ما هو مشترك بينهما، بل كثير منها تشترك فيها الأسرة كلها، والمراد بكون بعضها خاصاً بأحدهما أنه ألصق به من الآخر.

أيها الأخ المسلم والأخت المسلمة: ليقم كل منكما بما يخصه وما يقدر عليه من تربية طفله، فإن طفلكما قد يصبح خليفة أو أميراً، أو وزيراً أو قاضياً، أو قائداً، أو غير ذلك من المناصب، فإن أحسن فلكما حظ عظيم من إحسانه، وإن أساء فعليكما وزر كبير من إساءته، وإن الفتن والمغريات التي انتشرت في هذا العصر لا يعصم الأولاد منها إلا التربية الإسلامية الصحيحة التي تقوي الإيمان في النفوس، وتغرس الأخلاق الحسنة، وتكره إليهم السلوك السيئ. ومصدر هذه التربية إنما هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة، مع القدوة الحسنة في الأسرة من الأبوين والأخوان والأقارب الذين يكثر اختلاطهم بهم، وبعدهم من رفقاء السوء.

وفي هذه الفصول التي اختصرتها من كتاب "تحفة المودود في أحكام المولود" للعلامة ابن القيم رحمه الله فوائد عظيمة في تربية الأطفال، الجسمية والروحية والعقلية الاجتماعية، فليعض عليها بالنواجذ من يريد أن تحمد عقباه وعقبى أولاده في الدنيا والآخرة.

بقي أن أقول لك أيتها الأخت المسلمة: ويجب على الأم أن تهتم بابنتها زيادة على ما مضى، بتدريبها على الخبرة بشؤون المنزل ومعاشرة الزوج وتربية الأولاد، وإجادة الطبخ ومهنة الخياطة وغير ذلك مما تعلم الأم بأنه من مهامها فإنها عما قريب تصبح مكلفة مثلها ببيت وزوج وولد وغير ذلك.








السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

11458264

عداد الصفحات العام

1968

عداد الصفحات اليومي