{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) [آعمران]
(01)ما المخرج؟ مقدمة :: (037) سافر معي في المشارق والمغارب :: (036) سافر معي في المشارق والمغارب :: (035)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)سافر معي في المشارق والمغارب :: (033) سافر معي في المشارق والمغارب :: (032) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031)سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(03) التكفير ومذاهب العلماء فيه

(03) التكفير ومذاهب العلماء فيه

المذهب الثاني: مذهب المرجئة:

المراد بالمرجئة الفِرق التي تنفي دخول الأعمال في معنى الإيمان، وسموا بذلك لإرجائهم
الأعمال أي تأخيرها عن الإيمان. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "والمرجئة بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة، ويجوز تشديدها بلا همز، نسبوا إلى الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم أخَّروا الأعمال عن الإيمان، فقالوا الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلاً، ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول[فتح الباري (1/110)].

وقيل: "سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأٌ لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم" [شرح العقيدة الطحاوية (1/592) وشرح المقاصد للتفتازاني (2/238). يعني أن جميع المرتكبين لكبائر الذنوب هم من أهل الجنة قطعاً، ولا يقال فيهم: نرجئ أمرهم إلى الله تعالى، إن شاء غفر لهم وإن شاء عذبهم. وهم متفاوتون في الإرجاء، أشدهم غلوا فيه الجهمية، ومن تبعهم، سيأتي ذكر ما اعتمدوا عليه في مذهبهم. وأساس النزاع بين أهل السنة وغيرهم من الفرق، اختلافهم في معنى "الإيمان" [راجع مجموع الفتاوى لابن تيمية ( 7/510)، (10/748-751)، ( 14/498)].

ومذهب المرجئة مبني على ثلاثة أسس:

الأساس الأول: تعريف الإيمان وما يترتب عليه عندهم من أحكام في الدنيا والآخرة: للمرجئة في تعريف الإيمان اختلاف طويل، وبسبب ذلك تعددت فرقهم التي بلغت اثنتي عشر فرقة، كما بين ذلك أبو الحسن الأشعري رحمه الله، فقال: "فالفرقة الأولى منهم، يزعمون "أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط". وأن ما سوى المعرفة، من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما، والخوف منهما [ينبغي تقييد الخوف من الله وحده]. والعمل بالجوارح، فليس بإيمان. وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يُحكى عن جهم بن صفوان، وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة، ثم جحد بلسانه، أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل، أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب، دون غيره من الجوارح" [مقالات الإسلاميين (1/132)].
هذا مع العلم أن بعضهم يضمون التصديق بالرب إلى المعرفة المذكورة، فإذا جحد التصديق بالله تعالى، فهو كافر عندهم. وبعضهم لا يجزمون بأن أحداً من عصاة المؤمنين يدخل النار، إهمالاً لما ورد في القرآن من وعيد الله تعالى لمن عصاه، وما فصل في السنة الصحيحة من دخول بعض أهل المعاصي النار، وإخراجهم منها، كما سيأتي ذكر بعضها في الرد على مذهب الخوارج، ومنها أحاديث الشفاعة].

وصاحب هذه المعرفة مؤمن كامل الإيمان عندهم، ولو أنكر قلبه وجحد لسانه الإيمان بالله وبرسله وكل ما جاء من عنده؛ لأن الإيمان هو المعرفة ليس إلا، وبناء على ذلك يكون إبليس مؤمناً، والمشركون واليهود والنصارى والمرتدون عن الإسلام مؤمنين، ما داموا يعرفون تلك المعرفة. وكل من عرف تلك المعرفة عندهم فهو من أهل الجنة مطلقاً، ولا يستحق العقاب ودخول النار، مهما أتى من الأعمال، كالقتل والسرقة والزنا وشرب الخمر وغير ذلك.

الأساس الثاني لمذهب المرجئة: التمسك بنصوص الوعد: ومما احتج به المرجئة على مذهبهم الآيات والأحاديث التي وعد الله فيها عباده الموحدين بدخول الجنة والنجاة من النار، مثل قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)} [الروم].

ويدخل في ذلك كل النصوص التي وردت في القرآن أو السنة، مما وعد الله تعالى فيها عباده بالمغفرة والرحمة والعفو، ومنها حديث أبي ذر رضي الله عنه، قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله U من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب منى ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقُراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً، لقيته بمثلها مغفرة) [صحيح مسلم ( 4/2068) رقم (2687)، والحاكم في المستدرك من وجه آخر (4/269) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ويراجع مسند الإمام أحمد (5/148) وروى نحوه الترمذي من حديث أنس، (5/548)].

الأساس الثالث: تأويل نصوص الوعيد: الواردة في الكتاب والسنة، بأن المقصود بها مجرد تخويف الناس لينزجروا عما نهوا عنه، وليس لها أي حقيقة غير ذلك. وهذا من غرائب التأويل، لنصوص متواترة اللفظ والمعنى من القرآن، تنفي بالضرورة هذا التأويل، وتبين أساليبها المتنوعة التي يؤكد بعضها بعضاً من منطوقها ومفهومها؛ أن دخول بعض مرتكبي الكبائر من أهل التوحيد النار وخروجهم منها إلى الجنة، حقيقة لا تقبل التأويل، وأن تأويلهم هذا تأويل منكر فاسد، لا ينسجم مع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب.

قال ابن تيمية: "وَقَدْ يَقُولُ حُذَّاقُ هَؤُلاءِ مِنْ الإسماعيلية وَالْقَرَامِطَةِ وَقَوْمٍ يَتَصَوَّفُونَ أَوْ يَتَكَلَّمُونَ وَهُمْ غَالِيَةُ الْمُرْجِئَةِ: إنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، إنَّمَا هُوَ تَخْوِيفٌ لِلنَّاسِ لِتَنْزَجِرَ عَمَّا نُهِيَتْ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ، بِمَنْزِلَةِ مَا يُخَوِّفُ الْعُقَلاءُ الصِّبْيَانَ وَالْبُلْهَ بِمَا لا حَقِيقَةَ لَهُ لِتَأْدِيبِهِمْ، وَبِمَنْزِلَةِ مُخَادَعَةِ الْمُحَارِبِ لِعَدُوِّهِ إذَا أَوْهَمَهُ أَمْرًا يَخَافُهُ لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ أَوْ لِيَتَمَكَّنَ هُوَ مِنْ عَدُوِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ" [مجموع الفتاوى (19/150)].

وتأولوا قوله تعالى: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } فقالوا: "لمن يشاء معناه: لمن يشاء أن يؤمن"؛ يعني أن من شاء الله تعالى إيمانه على مذهبهم، لا بد أن يغفر له، ولا يستحق العقاب [يراجع كتاب التسهيل لعلوم التنزيل (1/145) للمفسر الكلبى الأندلسي، والآية من سورة النساء (48)].

وبهذا يعلم أنه لا يوجد عند غلاة المرجئة كافر على وجه الأرض، ممن عرف ربه بقلبه، فلا يعتبر كافراً ولا مرتداً من عرف ربه وجحد وحيه ورسالة رسله، أو أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام... وهو عكس مذهب الخوارج الذين يعتبرون كل من عصا الله كافراً خارجاً من ملة الإسلام... وهو مخلد عندهم وعند المعتزلة في النار، لا يخرج منها ولا يدخل الجنة مطلقاً. وبهذا يظهر كذلك ما بين الطائفتين: الخوارج والمعتزلة وغلاة المرجئة من التناقض الشديد، وضرب بعض النصوص ببعض. وسيأتي الرد على مذهبهم.




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

11725744

عداد الصفحات العام

2321

عداد الصفحات اليومي