{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) [آعمران]
(01)ما المخرج؟ مقدمة :: (037) سافر معي في المشارق والمغارب :: (036) سافر معي في المشارق والمغارب :: (035)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)سافر معي في المشارق والمغارب :: (033) سافر معي في المشارق والمغارب :: (032) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031)سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(08) التكفير واختلاف العلماء فيه

(08) التكفير واختلاف العلماء فيه

ومما رد به جمهور علماء السنة على الخوارج والمعتزلة

وجوب الجمع بين ما ظاهره التعارض من الأدلة:

وإذْ قد تبين لنا من نصوص القرآن والسنة في المسألة الثانية الدلالة الواضحة على غفران الله تعالى كبائر الذنوب - غير الشرك - لمن شاء من عباده، وأنه يخرج من النار من دخلها منهم، وأن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، وجب الجزم بأنه لا تعارض بين هذه النصوص، وبين النصوص التي استدل بها الخوارج والمعتزلة، لإمكان الجمع بينها.

الأصل عدم تعارض أدلة الشريعة:

إن أدلة الشريعة الثابتة في القرآن والسنة، لا يحصل بينها تعارض عند الراسخين المحققين من علماء الأمة؛ لأنها وحي من الله، والوحي معصوم من التعارض والتناقض، وإنما يحصل التعارض بين ظواهرها عند غير الراسخين في العلم، وأهل الأهواء والبدع. وهذا ما عناه الإمام الشاطبي رحمه الله، بقوله: "كل من تحقق بأصول الشريعة فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابه، لأن الشريعة لا تعارض فيها ألبتة، فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ، أمكن التعارض بين الأدلة عندهم" [الموافقات (4/294)].

وقال في موضع آخر: "ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحداً من المختلفين في الأحكام؛ لا الفروعية ولا الأصولية، يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مرَّ من ذلك أمثلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة" [الموافقات (3/76)].

وإذا ظهر تعارض للمجتهد بين دليلين، فلا يخلو الأمر من إمكان الجمع بينهما، أو عدم إمكانه، فإن أمكن الجمع وجب الأخذ به، بحمل كل منهما على معنى يخرجهما عن التعارض، وإن لم يمكن الجمع بعد التحقيق الصادر من المجتهد في العلم، وجب الترجيح بينهما، وإن تعذر الترجيح، وعلم تاريخ المتقدم منهما فهو منسوخ، والمتأخر ناسخ. ويجب أن يعلم أنه لا يحصل تعارض بين قطعيين، بل بين قطعي وظني، أو بين ظنيين، والقطعي مقدم على الظني. قال الشاطبي رحمه الله: "ومعلوم أن الناسخ والمنسوخ، إنما هو فيما بين دليلين يتعارضان، بحيث لا يصح اجتماعهما بحال، وإلا لما كان أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، والفرض خلافه" [الموافقات (4/121)].

وقال رحمه الله، وهو يرد على المبتدعة - ومنهم الخوارج والمعتزلة - الذين يردون الأحاديث الصحيحة الثابتة، بحجة معارضتها للقرآن العظيم: "فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلاً وإما أن يمكن، فإن لم يمكن، فهذا الفرض بين قطعي وظني، أو بين ظنيين، فأما بين قطعيين فلا يقع في الشريعة، ولا يمكن وقوعه؛ لأن تعارض القطعيين محال. فإن وقع بين قطعي وظني، بطل الظني، وإن وقع بين ظنيين، فهاهنا للعلماء فيه الترجيح، والعمل بالأرجح متعين. وإن أمكن الجمع، فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع، وإن كان وجه الجمع ضعيفاً، فإن الجمع أولى عندهم، وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها، فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأساً، إما جهلاً به أو عناداً..." [الاعتصام (2/247)]

وقال الإمام النووي رحمه الله: "وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر، فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما، وإنما يقوم بذلك غالباً الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون المتمكنون في ذلك، الغائصون على المعاني الدقيقة، الرائضون أنفسهم في ذلك. فمن كان بهذه الصفة لم يشكل عليه شيء من ذلك إلا النادر في بعض الأحيان. ثم المختلِف قسمان: أحدهما يمكن الجمع بينهما فيتعين، ويجب العمل بالحديثين جميعاً، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة، تعين المصير إليه، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، لأن في النسخ إخراجَ أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به..."

وقال شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي، رحمه الله، بعد أن ذَكَر اختلاف العلماء في كفر تارك الصلاة عمداً: "هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم، في مسألة ترك الصلاة عمداً مع الاعتراف بوجوبها، وأظهر الأقوال أدلةً عندي قول من قال: إنه كافر، وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث، قول الجمهور: إنه كفر غير مخرج عن الملة، لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن. وإذا حُمِلَ الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة، حصل بذلك الجمع بين الأدلة. والجمع واجب إذا أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث.
وقال النووي في شرح المهذب، بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه: "ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه، ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث. وأما الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية ابن شقيق، فهو: أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه، وهو القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها.." انتهى محل الغرض منه [أضواء البيان ـ الشنقيطي (3/456)].

وبهذا يعلم أن الواجب هو الجمع بين نصوص الوعيد، الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، التي استدل بها الخوارج والمعتزلة على تكفير مرتكبي الكبائر من مسلمي هذه الأمة، وبين نصوص الوعد التي استدل بها أهل السنة والجماعة، وقد سلك هذا المسلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من سلف هذه الأمة. ومنهم حَبْر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة. [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)} كفر دون كفر"].

قال شارح الطحاوية: "وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة. وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً إما مجازياً، وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعَلِمَه في هذه الواقعة، وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاصٍ، ويسمى كافراً كفراً مجازياً، أو كفراً أصغر. وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحكم، وأخطأه، فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور" [شرح الطحاوية (1/364)].

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "{ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } من الحق المبين، وحَكَمَ بالباطل الذي يعلمه لغرض من أغراضه الفاسدة { فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفراً ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد" [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/233)]. وينطبق هذا الجمع على ما ورد من النصوص ظاهره كُفْرُ من ارتكب كبيرة ولم يتُب منها، وما ورد ظاهره معارضاً لها.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

11725853

عداد الصفحات العام

106

عداد الصفحات اليومي