{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68}) [التوبة]
(04) سافر معي في المشارق والمغارب :: (022) أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (021) أثر عظمة الله في الخشوع له :: (02) سافر معي في المشارق والمغارب :: (01) سافر معي في المشارق والمغارب :: (020) أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (050)سافر معي في المشارق والمغارب :: (019) أثر فقه عظمة الله في الخشوع له :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(014) أثر فقه عظمة الله في الخشوع له

(014) أثر فقه عظمة الله في الخشوع له

عظمة الله تعالى في تسخيره:

وفي تأمل الإنسان ما سخره الله تعالى له -ولغيره- في نفسه وفي الكون من حوله، الأرض التي تقله وما ذرأه فيها وهيأه له من مصالحه الشاملة التي لا حياة له بدونها، منه ما يسهل عليه استعماله، ولا قدرة له على صنعه، كالهواء الذي لو وقفه الله فترة قصيرة من الزمن لما بقي حي على الأرض يتحرك، ومنه ما أتاح الله له الحصول عليه بتعاطي الأسباب منه، كالطعام والغذاء والدواء الذي لا بد من حرثه وصرمه وخزنه وصنعه.

وكذلك استنباط الماء من أعماق الأرض التي خزنه الله تعالى فيها، وتصفيته من الشوائب من الأنهار والآبار والركي، ليشرب صافياً نقياً سليماً مما يفسد الأجسام ويجلب الأسقام، والطاقات والمعادن التي أودعها الله في الأرض، كالذهب والفضة والحديد البترول وغيرها، مما تتقدم بها الأمم الحية الحكيمة في كل مجالات حياتها، وتضمحل وتذوى أي أمة تكسل وتفرط في الاستفادة منه، كما نشاهد ذلك في عصرنا الحاضر.

ويكفي الإنسان رؤيةً لعظمة الله تعالى في التسخير أن يفكر فيما سخره الله تعالى له من أعضاء وأجهزة في جسمه، ليحيى بها حياة سهلة سعيدة، وصان له منها ما لا قدرة له على صيانته بنفسه، وأمره بوقاية ما يستطيع وقايته، بوسائل هو قادر على استعمالها في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه وغير ذلك.

قال سيد قطب رحمه الله وهو يتفيأ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ...(20)} [لقمان]. "وهذا هو التسخير المشار إليه في الآية، في معرض نعم الله الظاهرة والباطنة، وهي أعم من تسخير ما في السماوات وما في الأرض. فوجود الإنسان ابتداءً نعمة من الله وفضل؛ وتزويده بطاقاته واستعداداته ومواهبه هذه نعمة من الله وفضل، وإرسال رسله وتنزيل كتبه فضل أكبر ونعمة أجل؛ ووصله بروح الله من قبل هذا كله نعمة من الله وفضل؛ وكل نفس يتنفسه، وكل خفقة يخفقها قلبه، وكل منظر تلتقطه عينه، وكل صوت تلتقطه أذنه، وكل خاطر يهجس في ضميره، وكل فكرة يتدبرها عقله... إن هي إلا نعمة ما كان لينالها لولا فضل الله.

وقد سخَّر الله لهذا المخلوق الإنساني ما في السماوات، فجعل في مقدوره الانتفاع بشعاع الشمس ونور القمر وهدي النجوم، وبالمطر والهواء والطير السابح فيه. وسخر له ما في الأرض. وهذا أظهر وأيسر ملاحظةً وتدبراً. فقد أقامه خليفة في هذا الملك الطويل العريض، ومكَّنه من كل ما تذخر به الأرض من كنوز.

ومنه ما هو ظاهر ومنه ما هو مستتر. ومنه ما يعرفه الإنسان ومنه ما لا يدرك إلا آثاره؛ ومنه ما لم يعرفه أصلا من أسرار القوى التي ينتفع بها دون أن يدري. وإنه لمغمور في كل لحظة من لحظات الليل والنهار بنعمة الله السابغة الوافرة التي لا يدرك مداها، ولا يحصي أنماطها. ومع هذا كله فإن فريقاً من الناس لا يشكرون ولا يذكرون ولا يتدبرون ما حولهم، ولا يوقنون بالمنعم المتفضل الكريم". انتهى.

فهذا التسخير الرباني وحده كاف للعقلاء وبخاصة المسلمين منهم لتعظيم الله تعالى وقدْرهم له حق قدْره، والرهبة والخشية من حرمانهم منه، ومحبته وشكره على تمكينهم منه والإخبات والخشوع له جل وعلا.

اقرأ هذه الآيات التي أجمل الله فيها شيئاً مما سخره تعالى لخلقه: {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)} [إبراهيم].

وفي تدبرْها والتفكر في عظمة من سخرها، وهل لغيره تعالى من قدرة على هذا التسخير، أو حمايته من خالقه لو أراد سلبه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} [الملك]. وفي قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف [من الآية: (32) إلى الآية (43)]. وقصة قارون [من الآية: (76) إلى الآية: (82) من سورة القصص]. وقصة أصحاب الجنة في سورة القلم. [من الآية: (17) إلى الآية: (33)]. عبرةٌ لمن أراد الاعتبار والإخبات إلى الله.

ولا فرق عند الله في قدرته على حرمان صاحب الحنتين المذكورتين في الكهف، وما عاقب به قارون، وحرمان أصحاب الجنة المذكورة في القلم، وفي حرمان الإنسان مما سخره الله من أعضاء وأجهزة.. قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(78)} [النحل]. وقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)} [الأنعام].

فنحن نشاهد كثيراً من البشر يحرمهم الله من أبصارهم وأسماعهم، وأيديهم وأرجلهم، بل وعقولهم، بعد أن يتمتعوا بها برهة من أعمارهم، ولهذا شرع الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة اللجوء إليه بهذا الدعاء الذي ما كان صلى الله عليه وسلم يقومُ من مجلسٍ حتى يَدْعُوَ به لأصحابه: (اللَّهمَّ أَمتِعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقُوَّتنا ما أَحيَيتنا، واجعَلُه الوارثَ منا). [رواه النسائي في سننه الكبرى (6/106) دار الفكر، الترمذي (9/379) دار الكتب العلمية، وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيْبٌ" واقتدى به من رواه عنه من أصحابه في ذلك].

ودل القرآن الكريم أن الله تعالى يغير حالَ مَن غير ما بنفسه، فيبدل نعمته نقمة إذا كفر تلك النعمة، والعكس صحيح، فهي سنة من سنن الله تعالى في خلقه.. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)} [آل عمران]. وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)} [الرعد].







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

12043852

عداد الصفحات العام

1955

عداد الصفحات اليومي