(بَشِّرِ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِیمًا ۝١٣٨ ٱلَّذِینَ یَتَّخِذُونَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۚ أَیَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِیعࣰا ۝١٣٩ )
(09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (8) سافر معي في المشارق والمغارب :: (07)) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (04) أستراليا سافر معي في المشارق والمغارب :: (03) أستراليا سافر معي في المشارق والمغارب :: (02) سافر معي في المشارق والمغارب :: (01) سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(011) ثبات هذا الدين واستعصاؤه على أعدائه

(011) ثبات هذا الدين واستعصاؤه على أعدائه

السبب الثامن: شمول العبادة في الإسلام لكل ما ينفع الناس:

إن هذه الأمة التي هذه صفتها، والتي يمكن تسميتها بـ"أمة العبادة" ليست عبادتها في الصلاة والزكاة، والصيام والحج، وقراءة القرآن والذكر، وفي المساجد فقط... وإنما عبادتها شاملة لذلك ولغيره من عمارة الأرض بكل ما ينفعها وينفع الناس جميعاً.

ولهذا يجد من يتأمل نصوص القرآن والسنة، والسيرة النبوية، وما يتعلق بها من تفاسير كتاب الله تعالى، وشروح أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب السياسة الشرعية وكتب الفقه، وكتب السلوك والأخلاق، وواقع المسلمين عندما يطبقون دين الله في حياتهم.. يجد من يتأمل ذلك أن العبادة في الإسلام شاملة لكل ما يقوم به المسلم من الأعمال النافعة له ولغيره من بني البشر إذا فعلها بالإخلاص لله؛ لأن تلك الأبواب كلها لا تخلو من ثواب أو عقاب: ثواب على فعلها واجبة كانت أو مستحبة أو مباحة قصد بفعلها وجه الله، وعقاب على ترك الواجب منها، أو المحرم، وثواب على ترك مباح فيه خشية الوقوع في حرام.

أقول: إن الذي يتأمل ذلك يجد في تلك المصادر جميعاً وفي التاريخ الذي سجل ذلك الواقع، ما يثبت اهتمام الإسلام بالقوة المعنوية والقوة المادية المبنية عليها. ولسنا في حاجة إلى اهتمام الإسلام بالقوة المعنوية، فهذا أمر بدهي لا يحتاج إلى إسهاب ولا إقامة حجة عليه، وعندما نذكر شيئاً منه إنما نقصد التذكير بأن هذه الأمة ذات صلة قوية بربها تدفعها إلى أداء حقوق ربها وحقوق نفسها، وحقوق غيرها..

ولكنا يجب أن نشير إشارة موجزة إلى الشق الثاني، وهو اهتمام الإسلام بالقوة المادية، وهي عمارة الأرض على أساس التوجيه الرباني الذي يجعل تلك العمارة محققة لمصالح الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم، مع الالتزام بالعدل مع المسلم وغير المسلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة].

فما من باب من أبواب العمل النافع في البيع والشراء والدَّين والقرض وشؤون الاقتصاد، والتجارة، والزراعة والصناعة، والسياسة، والتعليم، والدعوة - وهي لا تتم إلا بالإعلام - وشؤون القتال - الجهاد في سبيل الله - والإدارة، وغيرها، إلا كان للإسلام فيه تشريع وتوجيه.. لا يخفى ذلك على من عنده أدنى إلمام واطلاع على مبادئ هذا الدين ومصادره.

ويكفي أن نعلم كثرة الآيات التي ذكر الله تعالى فيها العمل وكذلك السنة، إضافة إلى أن الأنبياء كانوا يعملون وينفقون على أنفسهم من عمل أيديهم، فكان منهم النجار مثل نوح عليه السلام، ومنهم الحداد كداود عليه السلام، ومنهم راعي الماشية كموسى عليه السلام وغيره من الأنبياء. وقد أمر الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم، بالاقتداء بمن سبق من أنبياء الله ورسله، كما قال تعالى له بعد أن ذكر ثمانية عشر نبياً منهم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأعراف].

وزاول نبينا صلى الله عليه وسلم رعي الغنم قبل الرسالة، كما زاول التجارة، وباع واشترى بعد الرسالة، وكان يعمل مع أصحابه في الأعمال الشاقة كالبناء وحفر الأرض الصلبة ومنها ضرب الصخور، وبناء المسجد، وهو عمل مدني، وفي حفر الخندق وهو عمل عسكري حربي.

وحث صلى الله عليه وسلم أمته، على الحرص على كل ما ينفعهم. كما روى عنه أبو هريرة ، قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز ...) [صحيح مسلم (4/2052) رقم (2664)].

وحث صلى الله عليه وسلم على اكتساب الرزق من العمل، مهما كانت صفته، ونفرهم من سؤال الناس، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه). [البخاري صحيح البخاري (2/730) رقم (1968)].

وعلَّم صلى الله عليه وسلم بعضَ أصحابه، كيف يتجر في أقل ما يملك، ويستغني به عن الناس، كما في حديث أنس بن مالك، أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم، يسأله، فقال: (أما في بيتك شيء؟) قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء. قال: (ائتني بهما) فأتاه بهما. فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال: (من يشتري هذين؟). قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: (من يزيد على درهم؟) مرتين أو ثلاثاً، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: (اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً فأتني به) فأتاه به.

فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال له: (اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً) فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع) [سنن أبي داود (2/120) رقم (1641) وسنن ابن ماجه (2/740) رقم 2198) وذكره الألباني في صحيح النسائي من حديث قبيصة بن مخارق].

ولقد أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضل العاملين المتعاونين على ما ينتفع به المسلمون، فجعل الصانع، ومستعمل المصنوع، ومن يمده به، مشتركين في الأجر، كما في حديث خالد بن زيد الأنصاري، قال: كنت مع عقبة بن عامر الجهني وكان رجلاً يحب الرمي، إذا خرَج خرج بي معه، فدعاني يوماً فأبطأت عليه، فقال: تعال أقول لك ما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حدثني.. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه المحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله).

وقال: (ارموا واركبوا ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وليس من اللهو إلا ثلاث تأديب الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه). وقال: (من ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه، فإنها نعمة تركها). [مسند الإمام أحمد (4/148) وسنن أبي داود (3/13) رقم (2513) وسنن النسائي (6/222) رقم (3578) والحاكم في المستدرك (2/104) رقم 2467 وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد على هذا الاختصار صحيح على شرط مسلم" ضعف الحديث بعض أهل العلم، وقال المنذري: "لا ينزل هن درجة الحسن، وقد يكون على شرط الصحيحين أو أحدهمت".، وذكر الحديث الألباني في صحيح الجامع، وفي صحيح الأدب المفرد، وقال: "صحيح على شرط مسلم"].

بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم، أمر الأمة بالاستمرار في العمل النافع، كالزراعة إلى أن يقترب فناء الحياة بقيام الساعة، كما في حديث أنس بن مالك قَال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فان استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل). [مسند الإمام أحمد (3/911) رقم 13004) وذكره الألباني في سلسلته الصحيح، والفسيلة صغار النخل].

والمراد بقيام الساعة ظهور علاماتها التي تصيب من رآها بالفزع، وتلهيه عن العمل إشفاقاً من هولها، وليس المراد قيامها حقيقة؛ لأنها إذا قامت لم يبق عمل. قال الهيثمي: "رواه البزار ورجاله أثبات ثقات وكأنه أراد بقيام الساعة أمارتها، فانه قد ورد: (إذا سمع أحدكم بالدجال وفي يده فسيلة، فليغرزها فان للناس عيشاً بعد). [مجمع الزوائد (4/63)]. وقال المناوي: "والحاصل أنه مبالغة في الحث على غرس الأشجار وحفر الأنهار، لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به، فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة" [فيض القدير (3/30)]. ويقاس على غرس الفسيلة، أنواع الزراعة كلها، بل كل عمل تُعمر به الأرض وينتفع به الناس.

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)} [الأنبياء]: "هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسببُ سنةُ الله في خلقه، فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة. وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود  أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضاً يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثاً، ونوح نجاراً، ولقمان خياطاً، وطالوت دباغاً. وقيل: سقَّاء؛ فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والباس..." انتهى.

ومن أعظم ما يدل على اهتمام الإسلام بالقوة المادية، ما سيأتي في هذا البحث من أمر الله تعالى المسلمين بإعداد العدة التي يرهبون بها أعداءه وأعداءهم في كل عصر من العصور. السبب التاسع: صبر المسلمين على ما ينزل بهم من المحن والمصائب والعدوان: والتي يُظَن معها أنهم قد ذابوا واضمحلوا، وأصبحوا في عداد الموتى غير قادرين على النهوض من أجداثهم، كما سيأتي في الفصل الخامس.






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

12317927

عداد الصفحات العام

4956

عداد الصفحات اليومي