(بَشِّرِ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِیمًا ۝١٣٨ ٱلَّذِینَ یَتَّخِذُونَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۚ أَیَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِیعࣰا ۝١٣٩ )
(09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (8) سافر معي في المشارق والمغارب :: (07)) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (04) أستراليا سافر معي في المشارق والمغارب :: (03) أستراليا سافر معي في المشارق والمغارب :: (02) سافر معي في المشارق والمغارب :: (01) سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(012) ثبات الإسلام واستعصاؤه على أعدائه

(012) ثبات الإسلام واستعصاؤه على أعدائه

استعصاء الإسلام بمن يحمله على من يكيد له.

اقتضت حكمة الله تعالى أن الأديان والمبادئ لا تبقى وتقوى وتنتشر وتحترم، إلا بأهلها الذين يؤمنون بها ويعملون بها ويحمونها، ولا يستثنى من ذلك الإسلام، فقد أنزل الله تعالى كتابه، وأرسل رسوله، وشرع دينه، ليطبق في حياة الأفراد والأسر والأمة.

والفرق بين الإسلام وغيره من الأديان والمبادئ، أنه دين حق عالمي، يجب على كل الأمم الدخول فيه، وأنه دين باق خالد، ما بقي كتابه الذي تكفل الله بحفظه إلى يوم القيامة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر (9).] فحفظ هذا القرآن يقتضي حفظ ما جاء به من هذا الدين، ويقتضي ـ كذلك ـ أن تبقى للإسلام أمة تؤمن به وتحميه وتبلغه إلى غيرها من الأمم.

فليعلم ذلك المسلمون، وليحفظوا لأنفسهم شرف حمل هذه الرسالة، فإنهم لا يستحقون البقاء وحفظ الله لهم، إلا إذا حفظوا هذا الدين، ولا يعرضوا أنفسهم لسخط الله بتخليهم عنه، فيأتي الله لنصرة دينه بغيرهم، ويستبدل بهم غيرهم، من عباده الذين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون فيه لومة لائم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [54].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)} [التوبة]. وقال تعالى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38} [محمد ].

وليس معنى بقاء طائفة تحمل هذا الدين وتدافع عنه، سلامة هؤلاء من الابتلاء والامتحان والتمحيص، بل معناه أن هذه الطائفة، مهما تعرضت للابتلاء والامتحان والأذى، ستبقى ثابتة صابرة، ينال الشهادة منها من اختاره الله للشهادة، وينال شرف النصر على أعداء الإسلام من أراد الله نصر دينه على يديه.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)}. وقال تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)} [آل عمران].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَاْ (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)}. إلى أن قال : {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22)} [الأجزاب].

استعصاء الإسلام على من يكيد له:

والواقع أنهم يتخذون - وهم في تلك الأحوال القاهرة - كل وسيلة متاحة لحفظ كتاب ربهم وسنة نبيهم والعمل بهما، حتى تنقشع الغمة، وتعود النعمة وتنزل الرحمة، فإذا هم يعودون أقوى مما كانوا قبل تلك المحن والمصائب.
وإن التاريخ لشاهدعلى ذلك: فقد اجتمع على الرسول صلى الله عليه وسلم، العدوان الثلاثي: المشركون كلهم في جزيرة العرب، واليهود، والمنافقون، في غزوة الأحزاب، فخرجوا من ذلك العدوان منتصرين. وارتدت جزيرة العرب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، في عهد أبي بكر الصديق، وكان المسلمون في ضعف مادي شديد، ولكنهم خرجوا أيضاً منتصرين.

وحاربتهم الدول العظمى في ذلك العهد: الروم في الشمال، والفرس في الشرق، والأحباش في الجنوب، فكان النصر لهم على تلك الدول جميعاً. واجتمعت على حربهم الدول النصرانية "الصليبية" وكانوا في غاية من الضعف والتفرق، ولكن أعداءهم خرجوا في النهاية يجرون أذيال الهزيمة. واجتاح التتار وزعيمهم هولاكو عاصمة الخلافة بغداد، وسيطروا على المسلمين سيطرة لم يكونوا يظنون أنهم سيطردون منها شر طردة، ولكن النصر كان حليف المسلمين.

واستجاب أتاتورك لليهود والنصارى، وقضى على آخر رمز للخلافة الإسلامية، وأغلق مدارس المسلمين وغيَّر مناهجهم وأكرههم على إظهار موافقته، في كتابة أغلى كتاب على وجه الأرض بغير حروفه العربية، وأرغمهم على الأذان بغير ألفاظه العربية، وأنزل بالمسلمين من المحن والمصائب ما لا يخفى على قارئ التاريخ.

ولكن المسلمين درَّسوا أولادهم دينهم سراً في دهاليز منازلهم، وفي حظائر دوابهم، القرآن الكريم، والحديث الشريف، والفقه، والتفسير، والتاريخ الإسلامي، وإذا الجيل الذي نشأ في عهده يظهر بعد إدباره حافظاً لكتاب الله، متقناً للغة العربية، متمسكاً بدينه... رافضاً مبادئ أتاتورك وزمرته على رغم تسلطهم واستبدادهم الشامل تدعمهم القوة العسكرية، وها هو الشعب التركي اليوم يختار لحكمه المتدينين ويدخل زعيم حزب العدالة والتنمية قصر الحكم وزوجه ترتدي الحجاب الذي نزل كالصاعقة على رؤوس جنرالات الجيش!

وجثم الاتحاد السوفييتي على صدور المسلمين في آسيا الوسطى سبعين عاماً، قَتَل مَن قتل، واعتقل من اعتقل، وشرد من شرد، وحظر على المسلمين حمل كتاب الله... وليس خافياً ما قام به الملحدون من عذاب ونكال. ومع ذلك خرج الجيل الذي نشأ في ظل هذا النظام الظالم، وهو يحفظ كتاب الله، ويحفظ سنة رسول الله، ويحفظ أحكام دينه ويلتزم بها، وما جوهر دوداييف، وزملاؤه الذين سلكوا سبيله إلى الآن إلا دليل على أن الإسلام يستعصي بنصر الله وأن المسلمين يستعصون على أي عدو يحاول القضاء عليهم وعلى دينهم.

والمحتلون الأوربيون البريطانيون، والفرنسيون والإيطاليون، والبرتغاليون، والألمان والأسبان، الذين اغتصبوا بلدان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبقوا فيها فترات طويلة، حتى أصبحت في ظاهر الأمر جزءً من بلد المحتل، خرجوا جميعاً وهم يجرون أذيال الهزيمة.

وها هي الشعوب المسلمة التي تخلت حكوماتها عنها اليوم، تجاهد أعداءها الأقوياء مادياً المعتدين عليهم في بلدانهم، في فلسطين والعراق والفلبين والشيشان والصومال وغيرها من البلدان، برغم ضعفهم المادي، صابرين مستبسلين، لا يخافون إلا ربهم، وسيبقون كذلك حتى يحقق الله لهم النصر على عدوهم الذي حشد كل ما يملك من مال وسلاح ورجال لاستئصال الإسلام وأهله في بلدانهم.

ومع ذلك يتوالى تأييد الله ونصره للعصبة المؤمنة الضعيفة، على الجحافل الغازية القوية، وكأني أرى المسلمين في يوم من الأيام قريباً كان أو بعيداً، يرفعون راية النصر فوق جميع البلدان الإسلامية، وربما أدخلوا غيرها من البلدان في رقعتها، وأعداء الله المحادون لله ولرسوله وعملاؤهم يجرون أذيال الهزيمة يفرون إلى جحورهم كما فعل الله تعالى بأسلافهم السابقين..

قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ (10) جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنْ الأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14)} [ص].
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)} [البروج]. وقال عز وجل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13)} [الفجر].

ولا يلزم من هزيمة أعداء الإسلام أن يهلكهم الله تعالى أو يعذبهم بما أهلك أو عذب به الأمم السابقة، فلله جنود السموات والأرض التي لا نعلمها وهو وحده الذي يعلمها ويهزم بها أو يعذب من شاء من أعدائه، ولكنا نعلم يقيناً أن الله ينصر عباده المؤمنين إذا صدقوا في إيمانهم ونصروا دينهم بأموالهم وأنفسهم، فلا يقولون كما قال أبناء عبد الله بن أُبي ـ ولا زال إخوانهم يعيشون بين المسلمين اليوم ـ: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (12)} [الأحزاب]. بل يقولون كما قال أسلافهم: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22)} [الأحزاب].






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

12317615

عداد الصفحات العام

4644

عداد الصفحات اليومي