وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ (21) وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ (23) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ (24) 'تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) (ابراهيم)
(016) التكفير واختلاف العلماء فيه: :: (074) سافر معي في المشارق والمغارب :: (015) التكفير واختلاف العلماء فيه :: (073) سافر معي في المشارق والمغارب :: (014) التكفير واختلاف العلماء فيه :: (41) حوارات مع مسلمين جدد :: (072) سافر معي في المشارق والمغارب :: (40) حوارات مع مسلمين جدد :: (013) التكفير واختلاف العلماء فيه :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(010) التكفير ومذاهب العلماء فيه

(010) التكفير ومذاهب العلماء فيه

وإن من أوضح النصوص التي تدل على دخول عصاة المسلمين الذين سلموا من الشرك الأكبر الجنة، إما بمغفرة الله لهم، وإما بدخولهم النار بقدر معاصيهم، ثم دخولهم كما قال تعالى: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَاءُ }
الآيات الآتية: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)} [فاطر].

ففي الآية الأولى ذكر تعالى أن الذين أورثهم هذا الكتاب، وهو القرآن هم من اصطفاهم من عباده، وقسم هؤلاء المصطفين ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الظالم لنفسه، وهم الذين يتركون بعض الواجبات، ويرتكبون بعض المحرمات، مع محافظتهم على التوحيد، واجتنابهم الشر الأكبر.

القسم الثاني: المقتصدون، وهم الذين يقتصرون في طاعة الله، على فعل الواجبات وترك المحرمات، ولا يحافظون على فعل المندوبات، وترك المكروهات.

القسم الثالث: السابقون، وهم الذين اشتركوا مع القسمين السابقين، في توحيد الله تعالى، وابتعدوا عن الشرك الأكبر، وزادوا عليهم في المحافظة على المندوبات، وترك المكروهات، وترك بعض المباحات، أو المشتبهات التي يخشون أن تكون وسيلة إلى بعض المكروهات، أو المحرمات.

ثم قال في الآية الثانية بعد ذكر الأقسام الثلاثة: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } فضمير الفاعل في الآية الثانية "يدخلونها" يشمل الثلاثة جميعاً على الصحيح من أقوال العلماء. ومثله الضمائر التي تلته في الآيات الثلاث، وهي ثمانية ضمائر عائدة كلها للأقسام الثلاثة: نائب الفاعل في قوله تعالى بعد ذلك: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا}، والضمير المجرور في قوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}، والضمائر الستة في الآيتين الثالثة والرابعة: الفاعل في "قالوا"، والضميران المجروران في "عنا"، و"ربنا"، والمفعولان في "أحلنا"، و"لا يمسنا"، كلها تعود إلى الأقسام الثلاثة في الآية الأولى. ومعنى هذا أن الجنة مضمونة لهؤلاء الثلاثة، إما بالعفو عمن ظلم نفسهـ وإما بعوقبة بعض من ظلموا أنفسهم بدخول النار أولاً، كما دلَّت نصوص أخرى من الكتاب والسنة.

تنبيهان:

التنبيه الأول: خالف بعض العلماء ما سبق من أن القسم الأول "الظالم لنفسه"، لا يدخل أصحابه الجنة، ورأوا أن المراد به الكفار، ولكن الذي يظهر ترجيحه أنهم كلهم يدخلون الجنة، وإن كان بعض الظالمين لأنفسهم قد يجازون بدخول النار بحسب معاصيهم ثم يدخلون الجنة، كما سبق. فقد قال ابن كثير رحمه الله: في تفسيره للآية 66 من سورة المائدة عندما استشهد بقوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}: "والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة".

وذكر عند تفسير الآية نفسها، في سورة فاطر حديثاً في المسند، عن أبي الدرداء رضي الله عنه, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (قال الله تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذي يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ }. قال الهيثمي عن حديث أبي الدرداء هذا في مجمع الفوائد: "رواه الطبراني عن الأعمش، عن رجل سماه، فإن كان هو ثابت بن عمير الأنصاري، كما تقدم عند أحمد فرجال الطبراني رجال الصحيح‏"..

وأخرج الحاكم حديثاً عن عقبة بن صهبان الحراني، قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: "يا أم المؤمنين أرأيت قول الله : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }؟ فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "أما السابق فمن مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد له بالحياة والرزق، وأما المقتصد فمن اتبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا وكلٌ في الجنة"، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"..
لكن قال الهيثمي عن حديث عائشة هذا في مجمع الفوائد: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه الصلت بن دينار وهو متروك‏".. وفي حديث لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عَنْ النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ في هَذِهِ الآية: {ثُمَّ أورثنا الكِتابَ الذِينَ اصطفينَا مِنْ عِبَادِنَا فمِنْهُمْ ظَالِم لِنَفسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بالخَيْراتِ بإذنِ اللَّه} قَالَ: (هؤلاءِ كلُّهُم بمنزلةٍ واحدةٍ وكلُّهُمْ في الجَنَّة) رواه الترمذي وقال: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ".

ومما يدل على أن الثلاثة الأقسام موعودون من الله بدخول الجنة، إضافة إلى ما مضى، أنه تعالى بعد الآيات السابقة المتعلقة بالمؤمنين وجزائهم، ذكر الكفار وجزاءهم، في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)} [فاطر].

وقد جرى أسلوب القرآن في آيات كثيرة أن يذكر المؤمنين وجزاءهم، ويتبعهم بذكر الكافرين والمنافقين وجزاءهم، أو العكس. فقد ذكر المؤمنين وجزاءهم في أول سورة البقرة، من قوله تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} إلى قوله تعالى: {وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (5)} وأتبعهم بذكر الكافرين وجزاءهم إلى قوله من قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)}، ثم ذكر المنافقين وجزاءهم، من قوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ}: إلى قوله: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)} [كل الآيات في سورة البقرة].

ومنه قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)} [آل عمران. وهو كثير جدا في القرأن الكريم].

التنبيه الثاني: أن الواجب على المؤمن - مع سروره وفرحه بأنه إذا مات على إيمانه فإن مآله إلى الجنة - ألَّا يغتر بذلك، فيقع في شَرَك مذهب المرجئة، لأمور:

الأمر الأول: أنه لا يدري بم يختم له؟ فإن الإصرار على المعاصي قد يؤدي به إلى سوء الخاتمة والعياذ بالله.
الأمر الثاني: أن الله تعالى قد توعد بالجزاء على كل صغيرة وكبيرة من الحسنات والسيئات، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه (8)} [الزلزلة]. فإذا أكثر الإنسان من المعاصي، فسيطول بقاؤه في النار إذا لم يغفر الله له.

الأمر الثالث: أنه ليس ضامناً لقبول الشفاعة فيه قبل الدخول في النار، ولا بعد ذلك، ولا بد أن ينال جزاءه على ما قدم..

الأمر الرابع: أن دخوله نار جهنم - ولو لحظة واحدة - ليس بالسهل، فوصف الله تعالى للنار مخيف، ترجف منه القلوب، وترتعد الفرائص، وتقشعر له الأبدان، وهو في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كثير: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)} [الملك].




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

12727945

عداد الصفحات العام

3107

عداد الصفحات اليومي