{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68)}. [الأحزاب]
(066) حوارات مع مسلمين جدد :: (07) حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب :: (06) حكم زواج المسلم بالكتابية :: (015) سافر معي في المشارق والمغارب :: (065) حوارات مع مسلمين جدد :: (014) سافر معي في المشارق والمغارب :: (013) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06) حكم زواج المسلم بالكتابية :: (05) حكم زواج المسلم بالكافرة :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(042) حوارات مع مسلمين جدد

(042) حوارات مع مسلمين جدد
الحلقة الثالثة في الحوار مع جارودي

آخر الجمل قالها جارودي في الحلقة الثانية، وهو يعدد حالات ضعف المسلمين، وعدم وجود حلول لمشاكلهم، هي قوله:

(عندما وصل المغول إلى الدولة البيزنطية قتلوا أهل مدينة بيزنطة كلها ورجال الدين يناقشون قضية الملائكة: هل هم ذكور أو إناث؟. والآن وضعنا أسوأ من وضع أولئك، عندنا مشكلات في العالم لا نهتم بحلها، ونناقش في أمور غيرها ليست ذات بال. توجد نار مشتعلة ينبغي أن نقول للمسيحي: تعال نتعاون على إطفاء النار وبعد ذلك نتناقش في الأمور الأخرى.)

وكلامه صحيح في ذلك، ولكنه يتعلق بضعف المسلمين، ليرتب على تكليفهم في هذه الظروف، أنهم لم يبحثوا عن حلول لمشكلاتهم، وليس كما قال، فإن للمسلمين علماء ومفكرين، لهم كتب ومؤلفات ومفكرين، ولكن ليس بيدهم امر لتنفيذ تلك الأفكار والحلول، والدنيا كلها في حلة حرب معهم، ويقفون لهم بالمرصاد، إن أرادوا أن يستقلوا في شئونهم المادية، كالصناعات، والسياسات ووشئونهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها

ثم قال: قال والآن وضعنا أسوأ من وضع أولئك، عندنا مشكلات في العالم لا نهتم بحلها، ونناقش في أمور غيرها ليست ذات بال. توجد نار مشتعلة ينبغي أن نقول للمسيحي: تعال نتعاون على إطفاء النار وبعد ذلك نتناقش في الأمور الأخرى.

قلت له: سمعت من بعض الناس أن جارودي يرى أن الأديان كلها سواء: القرآن والتوراة والإنجيل - الموجودين الآن بعد التحريف - فهل هذا صحيح؟!. قال: لم أقل أبداً يوماً من الأيام إنها سواء، وإنما أقول فقط ما هو في القرآن، أن كل الأنبياء السابقين لمحمد صلى الله عليه وسلم، أرسلوا من الله الذي أرسل محمداً عليه الصلاة والسلام، والناس يحرفون كلامي ويقولون عني غير ما أريد، وهؤلاء الناس لم يقرأوا لي سطراً واحداً مما كتبته، وهذا كلام خيال ليس له أساس من الصحة.

قلت: سمعت – أيضاً - أن لجارودي رأياً في الإيمان باليوم الآخر وما فيه، من جنة ونار ونعيم وعذاب، وهو عند المسلمين ركن من أركان الإيمان الذي لا يصح الاسلام بدونه، أرجو أن أسمع من جارودي ما يعتقد في هذا الأمر؟.

فقال: بالنسبة لله عز وجل، اللحظة التي خلقنا فيها أول ما خلق العالم، واللحظة التي نعيش فيها الآن، ولحظة الوقوف بين يديه يوم البعث والنشور هي بالنسبة لله لحظة واحدة. وفهمي للحياة الآخرة أنه في هذه الحياة الدنيا، الناس قد ينجح واحد ويكون غنياً ويمسك دولة ويقيم نظاماً، لكن هذا لا يعني أنه نجح حقيقة في مقياس الله، فمقاييس الله في وزن الناس هي معنى اليوم الآخر..

وعندما يقول الله: اخشوني ليس معناه أنا نخشى الله بالضرب، وإنما معناه نخشى أن نغضب الله، هذا هو الحب لله عز وجل، والإمام الغزالي شرح هذا المعنى بشكل رائع في الكتاب السادس والثلاثين من كتابه: "إحياء علوم الدين"، وهذا الكتاب يتعلق بحب الله، وهو من أروع ما قرأ في هذا المعنى.

قلت: حب الله صحيح، يحب لأنه يستحق ذلك وهو فرض علينا، ولكن اليوم الآخر هو غير الدنيا، وفي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ونصوص القرآن تدل على أن اليوم الآخر هو غير الحياة الدنيا، وفي اليوم الآخر يجازي الناس بأعمالهم خيراً كانت أو شراً.. وهذا هو الذي فهمه المسلمون من القرآن والسنة وليس مجرد فهم مستنبط، وإنما هو قطعي في دلالاته وثبوته ولا إيمان لمن لم يؤمن به.

قال: كل ما نحكيه نحن الآن عن الله عز وجل وعن الجنة والنار، هي أمثلة خيالية وليست حقيقية، لأني مهما أقول في الله عز وجل بمفهومي أنا فالله ليس كذلك، وحبي له غير حبي لزوجتي.

قلت: الأشياء التي في الدنيا تختلف عن الأشياء التي في الآخرة تماماً، وليست كما نرى أو نفهم، ولكن اليوم الآخر وما فيه من جنة ونار حقيقة.

قال: الجنة والنار هنا في الدنيا، الإمام الغزالي قال: الجنة والنار في الحياة الدنيا، فالجنة تشعر بها عندما تسير في طريق الله..

قلت - وكان هو مستعجلاً يريد أن يذهب لموعد في الإذاعة -: هذه المسألة سيطول البحث فيها، ولكن أرجو أن يراجع كلام الغزالي وغيره في هذه المسألة - لأني أعتقد أنه فهم خطأ من بعض عبارات الصوفية التي نقلها الغزالي ومن ذلك كلام لرابعة العدوية سيأتي إن شاء الله ذكره -.

قال: إنه قرأ في كتاب الغزالي أن رابعة العدوية قالت: أنا أعبد الله عز وجل لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، وإنما حباً له. قلت له: هذا كلام ناس يصيبون ويخطئون، والقرآن والسنة يدلان على خلاف هذا الفهم أو الاعتقاد، وهم لا يقصدون من هذا أنه لا توجد جنة ولا نار، ولكن يقصدون أنهم من شدة إخلاصهم لله، فإنهم يعبدونه حباً له بصرف النظر عن الجنة والنار.

قال: بالنسبة لله لا يوجد قبل وبعد. قلت: ولكن بالنسبة لنا يوجد قبل وبعد.

قال: إن الإنسان من روح الله، نفخ فيه من روحه، ونحن نحمل في أنفسنا الجنة والنار، فإذا شعرت أن الله عز وجل تخلى عني معناه أنا في النار، أشعر بهذا فوراً، ولكن ليس بالتصور الذي يظنه المسلمون أنه بعد الموت توجد نار يضرب الإنسان إذا أذنب في الدنيا، وإذا عمل طيباً يدخل الجنة.

قلت له: هذا تصور شاذ عند علماء الإسلام، والنصوص كثيرة في الكتاب والسنة توضح فرضية الإيمان باليوم الآخر، كيف يكون إيمانك بها على هذا التصور؟. قال: الله يحاسب الإنسان ويعاقبه ابتداء من هذه الحياة إذا ابتعد عن الله، وإذا مشى في طريق الله فهو في الجنة من الآن يبدأ هذا.

قلت: ما رأيك في الظلمة من الملوك والجبابرة الذين يظلمون الناس في الأرض ويموتون قبل أن يؤخذ منهم حق المظلومين، متى يعاقبون؟. قال: الله معنا في كل لحظة يراقبنا على كل صغيرة وكبيرة وبعض الناس يصورون الجنة بأن فيها نساء جميلات لهن عيون كبيرة وخمر من نوع خاص. [الذي جاء به القرآن يقول عنه جارودي: بعض الناس يصورونه].

قلت: هذا هو الذي ذكره القرآن فماذا تقول فيه؟.

قال: الله يقول: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [إبراهيم:4]. فيعطيهم صوراً من مجتمعهم حتى يفهموا.
قلت: تعني ذلك خيال، وليس حقيقة؟. قال: إذا كنت لا أطيع الله إلا لأني أريد عيون النساء والخمر اللذيذة، فأنا أصبحت عبداً لشهوتي. قلت: بل أعبد الله وأطمع في ثوابه الذي وعدني به.

قال: أنا أتصور أني محب لله ولست عبداً للنساء والخمر التي ألقاها في الآخرة. فالإسلام والقرآن يرفضان قضية العبودية لغير الله. قلت: أنا أطلب من جارودي وأكرر مرة أخرى أن يراجع نفسه في هذا الموضوع لأنه يخالف نصوص القرآن والسنة.. (ثم احتدم النقاش بين جارودي والمترجم ثم قال لي جارودي): أريد منك أن تراجع القسم الذي كتبه الغزالي.

قلت: الغزالي لا يقصد هذا الذي فهمته وهو يثبت الجنة والنار، ولكن ينقل عن بعض الصوفية كلاماً يحثون فيه على الإخلاص لله ويبالغون في عباراتهم، فيقولون: إنهم لشدة إخلاصهم له وحبهم له يعبدونه بدون النظر إلى الجنة أو النار. قال: إن الغزالي قال أكثر من ذلك، قال: ينبغي أن يعبد الناس ربهم حباً له، لأنهم إذا عبدوه بالخوف من النار والطمع في الجنة، يصبح المجتمع في حالة رعب.

والكاثوليك يعملون مع الناس هكذا.. كل واحد مظلوم أخذت حقوقه يقولون له: ربنا يعوضك في الجنة.. وهذا مفهوم خطير.. ولا أريد من المسلمين أن يقعوا في هذا الفخ..وهذا سلاح كل دولة تستعمل الدين سلاحاً سياسياً.. تقول للناس مثل هذا الكلام..

[قلت للمترجم: قل له: إن هذا الفكر هو فكر إلحادي ينبع من قول الشيوعيين الماركسيين: إن الدين أفيون الشعوب، واستغلال الدين شيء والحقائق التي جاء بها القرآن شيء آخر. ولكن المترجم قال: إن الوقت ضيق والأفضل أن يبعث له صورة من كلام الغزالي عن اليوم الآخر ومفهومه لهذا الأمر].

ثم قال جارودي: يمكن أن نعطي مفهوم الجنة والنار بهذا المعنى للشعب الذي لا يمكن أن يسير في الطريق الصحيح إلا بالخوف.. أما الذي يعبد الله بإخلاص فلا يحتاج إلى ذلك، نابليون كان ملحداً وثنياً.. ولكن كان يقول: إذا كان هناك شعب لا توجد فيه عدالة اجتماعية والناس يشكون ويتألمون من المشكلات، يجب أن يقال لهم: إنه يوجد عالم آخر ستكون فيه التعويضات والحقوق، حتى يهدؤا..

قلت: كلام الناس شيء.. وكلام الله شيء آخر.. الله كرر ذكر اليوم الآخر في القرآن ما لا يحصى كثرة مع ذكر الله.. إذا ذكر الله ذكر معه اليوم الآخر.. فكلام الله غير كلام الناس.. كلامهم يكونون فيه متأثرين بأهوائهم.. وثقافاتهم.. ومبادئهم..

أما كلام الله فهو حقيقة يجب الإيمان به.. قال: كلام الله يجب أن لا نفهمه بالمعاني الأدبية الواضحة وأضرب لك مثالاً برمضان.. الله تعالى قال: ((.. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..)) [البقرة: من الآية187]. ولو قلت هذا الكلام لسكان الإسكيمو وفهموه على حقيقته، لمكثوا ستة أشهر صائمين حتى يموتوا من الجوع.. فلا ينبغي أن نفهم القرآن بالمعنى الأدبي [يعني بما يظهر من النص المجرد] والقرآن يعطيك إشارة وحدثاً ويأمرك بالتفكير.

قلت: ولكن هذا الأمر - يعني الإيمان باليوم الآخر - كرره القرآن وأكده من أوله إلى آخره، وأكدته سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تأكيداً شديداً، ولو كان ذكره مرة واحدة فقط كان يمكن هذا الكلام أن يجد محملاً - وإن خالف الظاهر - ولكن القرآن كرر وأكد ووصف اليوم الآخر وصفاً دقيقاً، وكذلك السنة، وهي تدل على أنه أراده الله حقيقة.

(واحتد النقاش بينه وبين المترجم، وقال: إن وقته انتهى). فقلت له: على كل حال نشكره على حضوره، ومعذرة لأخذنا شيئاً من وقته وهذا الموضوع يحتاج إلى زيادة بحث منه ونظر في موقفه هذا. فقال: يجب أن تقرأ للغزالي وابن الرومي وابن عربي وابن عطاء الله.
قلت: وعليك أن تقرأ لابن تيمية وابن القيم أيضاً. قال: ابن تيمية يفضل أن يعيش ستين سنة وهو مظلوم، على أن يعيش سنة واحدة وهو يقوم بمعارضة.

قلت: لقد قام بمعارضات وجادل وناقش كل الطوائف ونصح الحكام وجاهد الغزاة المعتدين.. قال: إنه كان في الملتقى الفكري في الجزائر وثار جدل عنيف بينه وبين بعض العلماء في الجنة والنار، وكانوا معه عنيفين.

قلت: أما أنا فأرجو أن يؤمن بالجنة ونلتقي أنا وهو في الجنة.

قال: إذا كان أهل الجنة مثل محمد الغزالي وجاد الحق، فإنه يفضل أن يذهب إلى النار.
[وقال لي الدكتور طه بن مصطفى أبو كريشة نائب رئيس جامعة الأزهر، عندما كان يرس عندي في كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية: سبب حنقه على الشيخ جاد الحق أنه كشف ما عنده من زيغ في الاعتقاد، في لقاء معه وسط جمهور كبير في قاعة الشيخ محمد عبده بجامعة الأزهر وكنت حاضراً هذا اللقاء، وظننا أن الشيخ جاد الحق لم يحسن لقاء الرجل، ثم تبين لنا فيما بعد صدق ما أعلنه عنه، بينما كان جارودي قادماً وفي حسبانه أنه سيلقى كل تكريم من أعلى مستوى ديني في مصر]. قلت: وهكذا يكون اتباع الهوى. يتبع في حلقة رابعة.




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

12917126

عداد الصفحات العام

7504

عداد الصفحات اليومي