{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68)}. [الأحزاب]
(066) حوارات مع مسلمين جدد :: (07) حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الحرب :: (06) حكم زواج المسلم بالكتابية :: (015) سافر معي في المشارق والمغارب :: (065) حوارات مع مسلمين جدد :: (014) سافر معي في المشارق والمغارب :: (013) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06) حكم زواج المسلم بالكتابية :: (05) حكم زواج المسلم بالكافرة :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(08) سافر معي في المشارق والمغارب

(08) سافر معي في المشارق والمغارب
تجوال في يوم إجازة:

الأربعاء: 3/3/1420هـ ـ 1999م

هذا اليوم هو يوم إجازة سكان جنوب أفريقيا، الذي يتسلم فيه الرئيس الجديد "مبيكي" الرئاسة من الرئيس القديم "مانديلا" ولهذا لم تحدد لي فيه مواعيد لقاء مع أحد. لذا طلبت من الأخ أحمد فيصل أن نقوم بجولة في بعض معالم المدينة.

حديقة الحيوان في جوهانسبرج (the johannesburg zoo):

وقد بدأنا بزيارة حديقة الحيوان، وهي حديقة واسعة يتجول فيها كثير من الناس على عربات صغيرة ـ بعضها أوسع من بعض - يستأجرونها ويقودونها بأنفسهم. وكنت أرغب في المشي السريع، لأجمع بين رؤية الحيوان وقسط من الرياضة، ولكن الأخ أحمد ـ مع رغبته في خدمة ضيفه وبالرغم من كونه مشغولاً هذه الأيام بامتحانات طلابه في مدرسة إسلامية يقوم بالتدريس فيها ـ لم يكن يأتني ـ غالباً ـ دون أن يصحب معه طفليه: "ساجد" الذي يبلغ من العمر سنتين وستة أشهر تقريباً، وأخته "ساجدة" التي تبلغ سنة وستة أشهر.

وقد أخذهما اليوم معه عندما ذهبنا إلى الحديقة في الساعة التاسعة والنصف صباحاً، والغريب أن كلا منهما كان يحمل معه كيساً من القماش ـ يعرقل سيره - ولا أدري عن محتواه، وكان الأب مضطراً إلى المشي مع ولديه رويداً رُويدا، وعندما شعر بأنهما يبطئان بسيرنا حاول جر ساجدة التي تقف هنا وتتلفت هناك، وهي تأبى إلا تنفيذ رغبتها، وهو يجاملها ويصبر على عنادها، ولعل السبب في ذلك خوفه من شكواها إلى أمها المغربية، والمغاربة مشهورون بسرعة الغضب وشدته.

الشيخ أحمد فيصل وولداه ساجد وساجدة في حديقة الحيوان ـ جوهانسبرج

لا بد من أخذ الحق

وعندما رأيت بطأ سير الرجل وطفليه أخذت أسرع الخطا، فحفزه ذلك على حمل ساجدة وكيسها ومحاولة اللحاق بي. وكان يحاول أن يذكر لي أسماء بعض الحيوانات باللغة الإنجليزية، ولكن ساجداً وساجدة يحولان بينه وبين ذلك، لهذا كان يناديني قائلا: شيخ! ـ أي يا شيخ - ثم يتركني ويقول: ساجد أو ساجدة! منكراً عليهما تصرفاتهما، وهكذا مضى أحمد فيصل في الحديقة يكرر: شيخ ـ ساجد ـ ساجدة! وعندما تعب من حمل ابنته ويئس من طاعتها لأوامره اشترى لطفليه عصيراً بارداً وجلس معهما على مقعد خشبي تحت شجرة ليسقيهما ويرتاح معهما.

لا جديد في الحديقة

ولم يكن في الحديقة جديد من الحيوانات بالنسبة لي، لأني قد زرت حدائق حيوانات في كثير من بلدان العالم التي زرتها تفوق هذه الحديقة، ومن الحيوانات التي رأيناها في هذه الحديقة: الفيلة والزرافات والقرود والأسود والفهود والأفراس…

إلى مركز مدينة جوهانسبرج والصعود على أعلى عمارة في إفريقيا: (the carlton center)

ثم خرجنا من الحديقة قاصدين مركز المدينة ـ ورأى الأخ أحمد أن يمر بمنزله ليترك طفليه عند أمهما ليتخفف منهما، وربما خوفاً عليهما من الإجرام الأسود كما شعرت بذلك فيما بعد ـ وذهبنا إلى وسط المدينة الذي تقع فيه البنايات الشاهقة، المحيطة بأعلى عمارة في المدينة - بل في أفريقيا كلها كما قيل لي - وتتكون من 50 طابقاً.

لا بد من دعاء نبي الله يونس بن متى!

عندما وقفت بنا السيارة بجانب العمارة لننزل، قال لي الشيخ أحمد فيصل: قل قبل أن تنزل: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} وانزل بسرعة، قلت: لقد أمرتني بحق ـ وقلت ذلك ـ ولكن لماذا في هذا المكان بالذات؟ قال: إن السود يكثر تجمعهم هنا، وكثير منهم مجرمون، ينهبون الأموال وقد يقتلون الشخص الذي لا يستسلم لهم!

وعندما نزلنا رأيت ما ذكره الأخ أحمد ماثلاً للعيان ن فالشوارع مزدحمة بالسود الذين لا تكاد ترى عينك فيها غيرهم، وهم يتخاصمون فيما بينهم بأصوات عالية، وبعضهم يحملون عصياً، ولا يبعد أن يحمل بعضهم أسلحة نارية يخفونها، وهم يكثرون من التلفت هنا وهناك بنظرات مخيفة، لذلك أخذت بنصيحة صاحبي فكنت أكرر: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.

وهنا فقط سلمت حقيبتي لرفيقي!

كنت دائماً أحمل حقيبتي التي تحتوي على عُدَّة زياراتي ومقابلاتي: الدفتر والأقلام والمصورة ـ الكاميرا ـ وكثيراً ما يحاول المرافقون مساعدتي بحمل الحقيبة، فلا أسلمها لأحد حرصاً على أن أكون دائماً متيقظاً لوجودها في يدي خشية أن أغفل عنها أو أنساها.

ولكني ـ هنا ـ طلبت من رفيقي أن يحمل حقيبتي- وهو أقوى مني - خوفاً من أن يختطفها أحد هؤلاء السود، وقلت لصاحبي: انتبه أنت للحقيبة، وسأنتبه أنا للمصورة وإنما سلمته الحقيبة لدلالة لباسه على كونه من أهل البلد، بخلاف لباسي الذي يدل على أنني زائر أجنبي، وذلك يغري المجرم بالإقدام على إجرامه! وصعدنا إلى الدور الخمسين عن طريق المصعد الكهربائي السريع، ومن هناك رأينا كثيراً من أحياء المدينة وأطرافها، والتقطت لها بعض الصور.

ولله في خلقه شئون!

لقد أصبحت هذه العمارة والعمارات الكبيرة المجاورة لها ـ من فنادق وأسواق وشركات والتي ما كان يجرؤ على دخولها والاقتراب منها إلا أهلها من البيض، أو خدمهم أو المتسوقون والسائحون ـ أصبحت فارغة من سكانها وتجارتها وسائحيها، ولا يوجد في بعض شققها من البيض إلا النادر من فقرائهم مع خوفهم الشديد من اعتداء السود عليهم.

وأصبح السود وحدهم يتجولون في شوارع مركز مدينة جوهانسبرج ويسرحون ويمرحون، ولله في خلقه شئون!
ثم رجعنا إلى الفندق بعد أربع ساعات وثلاثين دقيقة في جولتنا اليوم: ثلاث ساعات في الحديقة، وساعة وثلاثين دقيقة في العمارة المذكورة.

إمهال لا إهمال!

لقد كان البيض يعاملون السود ـ وغيرهم ـ وهم أهل البلاد معاملة لا يعاملون بها أحقر الحيوانات.
إنهم يربون الكلاب في منازلهم ومكاتبهم، ويعدون لها الملابس ويمهدون لها أماكن نومها، ويحضرون لها الطعام الخاص، وينظفون أجسامها، ويمشطون شعورها، ويحتضنونها، وقد تبيت معهم على سررهم، ويمنحونها الأغطية والمدافئ التي تقيها من البرد.

وتأبى نفوسهم بل تتقزز أن يجاورهم "الإنسان الأسود" في السكن أو في المركب أو في الدكان أو في المدرسة، بل في الكنيسة التي [التي يزعمون أنها مكان عبادة لله!] بل في المقبرة التي تبلى فيها الأجساد وترم! كان البيض يستخدمون السود في الأعمال الحقيرة ـ ولا زالوا ـ ويستأثرون عليهم بخيرات بلادهم ـ ولا زالوا ـ ولكنهم ـ البيض ـ تركوا الآن كثيراً من أحيائهم ومساكنهم ومعارضهم التجارية، وقصورهم الشاهقة، وفنادقهم الممتازة، وانتقلوا إلى ضواحي المدن هرباً من اعتداء مَن كانوا يهينونهم عليهم، ينشدون الأمن والرعب يهز قلوبهم هزاً.

وأصبح السود - الذين حال البيض بينهم وبين العلم الرقي والتقدم ـ يصولون ويجولون في الأحياء البيضاء التي كانت محرمة عليهم، كما أصبح ساستهم يحكمون بلادهم، بعد أن استعبدهم البيض أكثر من ثلاثة قرون.

ولولا أن هيأ الله للبيض الرجل "الأسود" العاقل الرزين "مانديلا" الذي ذاق في سجونهم ومعتقلاتهم الذل والهوان طول حياته، فعفا عنهم وصفح وحث أبناء بلده على العفو والصفح، لولا ذلك لأكل السود قلوب البيض وأكبادهم، ولم يتركوا لهم مالاً ولا عرضاً، ولأجلوهم من بلادهم فخرجوا منها صاغرين. [نيلسون مانديلا ( من مواليد 18 يوليو 1918 - توفي 5 ديسمبر 2013 وفي هذا عبرة وعظة للطغاة الظالمين الذين إذا تولوا في الأرض تكبروا وأهلكوا الحرث والنسل، وأخذتهم العزة بالإثم، فإن الله تعالى يمهل ولكنه لا يهمل، وإنه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

الأثر يدل على المسير!

وإن الأثَرَة التي عامل بها البيض غيرهم ـ وبخاصة السود ـ والاستبداد الذي مارسوه ضدهم لماثلان للعيان.
فالمباني الراقية والمقصورات الجميلة الواسعة، ذات البساتين والحدائق الغناء المبهجة، والمساكن الهادئة التي لا تعلو فيها الأصوات، ولا يسمع فيها ضجيج السيارات، علامة على أن سكانه ـ غالباً [هذا الاحتراز المقصود به أنه قد يوجد اليوم ـ بعد تسلم السود الحكم ـ بعض رجال الدولة من قد يكون له مثل تلك المساكن، وللهنود وضعهم الخاص إذ يوجد كثير منهم أغنياء] من البيض.

وأما السود فلا يسكنون إلا في الأماكن النائية عن المدن، وإنك لتسير في الشارع البعيد عن المدينة فترى على يمينك المقصورات الراقية الدالة على نعيم سكانها المادي، وترى على يسارك تلك الزرائب الضيقة المبنية من صفائح الزنك والخشب، تتكدس في المسكن الواحد منها أسرة كاملة يبدو على أفرادها البؤس والشقاء، وهم اليوم يعتبرون أنفسهم محظوظين، لأنهم استطاعوا أن يسكنوا في أماكن كان محظوراً عليهم المرور بها.

القيادة الجديدة وتبعاتها:

نعم أصبحت القيادة الظاهرة للدولة في جنوب أفريقيا بيد أهلها "السود" القيادة التنفيذية، والقيادة التشريعية، والقيادة الاجتماعية، فهل ستكون هذه القيادة مؤهلة للسير ببلادها إلى الرقي والتقدم، ويكونون - فعلاً - هم القادة صورة ومعنى؟ أو صورة لا معنى؟

لقد بنى البيض البلاد بناء مادياً واضحاً ـ وإن كانت معاملتهم لمن سواهم ظالمة ـ يظهر ذلك البناء في كل
المرافق، من مواصلات واتصالات وغيرها، وثبتوا فيها النظم الإدارية، وأهلوا لإدارة البلاد قومهم تأهيلاً فائقاً.

هل سيقوم السود بمهام الحفاظ على وضع بلادهم؟

وتسلم السود بلادهم عامرة لا تحتاج مرافقها إلا إلى الحفظ والصيانة والتحسينات. ولكن عامة الأفارقة السود ينقصهم التعليم والتأهيل والتدريب، وفقد هذه الأمور مؤذن بخراب البلاد وفساد العباد، ولهذا فإن على قادتهم مسئوليات عظيمة لا يمكن أن ينجحوا في حكم بلادهم، ورفع مستوى أمتهم إلا إذا قاموا بتلك المسئوليات، وتتلخص في خمس مهمات:

المهمة الأولى: أن يجتهدوا في تعليم قومهم وتأهيلهم وتدريبهم، ليستمروا في بناء بلادهم بإدارة ذات كفاءة عالية ونظام دقيق، في أي موقع من مواقع أعمالهم، هذه هي المهمة الأولى التي يجب أن ينهضوا بها لأمتهم.
وينبغي أن لا يستعجلوا فيمكنوا أحداً من تولي عمل دون أن يكون مؤهلاً له لما في ذلك من الإسراع بإفساد مرافق البلاد.

المهمة الثانية: أن يسلكوا في حكم بلادهم مسلكاً ديمقراطياً سليماً، تتمكن به الأحزاب والقبائل من تداول السلطة بطرق سلمية سليمة، وأن ينبذوا التنافس الحزبي والصراع القبلي اللذين يحدثان التقاتل والتشاحن المنتشرَين في كثير من البلدان الأفريقية، فتصاب البلاد بسبب ذلك بالدمار والخراب، وتسفك فيها الدماء وتنتهك الحرمات.

المهمة الثالثة: القيام بالأمانة في مسئولياتهم والبعد عن الخيانة في أملاك الدولة وميزانيتها.

المهمة الرابعة: العدل بين جميع السكان، لأن الدول لا تدوم ولا يستقيم أمر رعاتها ورعاياها بدون العدل.

المهمة الخامسة: الحذر من أن يكونوا حكاماً في الصورة دون المعنى، ويبقى البيض هم الحكام من وراء ستار، بسبب قوتهم الإدارية والاقتصادية والمالية.

وإن من أشد الفئات خطراً على بلادهم أن يسيطر اليهود ومؤيدوهم على اقتصاد البلاد وإعلامها وثقافتها، لأنهم بسيطرتهم على ذلك تجعلهم يتحكمون في مصير البلاد بأسرها فيبقى أهل البلاد حكاماً بالاسم،
ويكون غيرهم حكاما بالفعل…






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

12917303

عداد الصفحات العام

7681

عداد الصفحات اليومي