{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} [البقرة]
(012) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة :: (011) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (010) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة المسلمة وأمنها :: (09) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة المسلمة وأمنها :: (08) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (07) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: (06) أثر التربية الإسلامية في بناء الأسرة وأمنها :: الفرق بين المؤمن وغيره في عبادة الله :: (05) أثر التربية الإسلامية في تربية الأسرة وأمنها :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(015) حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر اليوم

(015) حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر اليوم

المفاسد المترتبة على زواج المسلم بالكتابية في دار الكفر:

أما دار الكفر في هذا الزمان، فإن الزواج بالكتابية فيها يترتب عليه مفاسد كثيرة، ومنها ما يأتي:

المفسدة الأولى:

إقامة المسلم في دار الكفر، وذلك مخالف لحكم الهجرة من دار الكفر إلى الإسلام، كما هو معروف، وهذه المفسدة يمكن استثناؤها في هذا الزمان لضرورات قد يضطر أصحابها إلى الإقامة في دار الكفر، كما هو معروف، لكنها لا تبيح له الزواج بالكتابية في بلاد الكفر، للمفاسد المترتبة عليها الآتية، وتوجد نساء مسلمات في الغرب، هن أحق بزواج المسلم منهن، ليحصنهن، وليتجنب الزواج بالكتابية، مع أن أكثر النساء الغربيات لسن كتابيات، إذ أغلبهن لا يؤمن بدين، بل كثير منهم ملحدات.

المفسدة الثانية:

إعانة المسلم المقيم في بلاد الكفر للكافرين على المسلمين، لما يبذله من جهد وطاقة في تقويتهم بعمله معهم، سواء كان الجهد بدنياً في المصانع وغيرها، أو علميا في شتى العلوم المهمة، كالطب والهندسة والفلك وغيرها، ويدخل في ذلك تقصيره في قتال الكفار المحاربين للمسلمين في عقر دارهم. [راجع أحكام القرآن للجصاص (1 / 366)].



المفسدة الثالثة:

تَعَرُّض المسلم لعادات أهل الكفر وأخلاقهم ومعاملاتهم التي يكون كثير منها محرماً في دينه،
وقد لا يقدر على ترك ذلك لاضطراره إلى الاختلاط بهم في المنازل وأماكن العمل والتنقلات، ويخشى عليه إن كان جاهلاً ضعيف الإيمان، أن يترك دينه ويدخل في دين الكفر وهذا وقع في بعض البلدان الغربية.

المفسدة الرابعة: فَقْدُ معنى الولاء والبراء الذي أمر الله به المؤمنين، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. [المائدة: ]51.

وقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)} [المائدة]. قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ(4)} [الجمعة].

والغالب أن المسلم الذي يخالط الكفار ويؤاكلهم ويشاربهم ويصاهرهم يذهب من قلبه العداء لهم ولو عادَوا أمته ودبروا لها المكايد، ويقل في قلبه ولاؤه لله ولرسوله ولعباده المؤمنين.

المفسدة الخامسة:

الرضا بالمنكر الذي يراه يتكرر أمام ناظريه في كل وقت: من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير والكفر بالإسلام ووسائل الزنا، بل والزنا نفسه، وقد يقع هو نفسه في تلك المعاصي؛ لأن إحساسه بمفاسدها وكونها من مساخط الله تعالى يضعف في نفسه لتكرارها وبقائه في محيط أهلها.

المفسدة السادسة:

تأثير امرأته الكتابية عليه بعاداتها وأخلاقها، أكثر من تأثيره هو عليها؛ لأن المحيط الذي يعيش فيه هو محيطها والبيئة بيئتها، وهي تأكل لحم الخنزير وتشرب الخمر وتختلط بالأجانب من الرجال أمامه، محارم وغير محارم وهي كاشفة أغلب جسمها، وقد تصافحهم وتراقصهم وهو يرى ذلك كله ويسكت عنه فيألف الدياثة، وقد ينالون منها ما وراء ذلك كله، وهو يدري أو لا يدري، كما أنه هو قد يختلط بقريباتها وصديقاتها اختلاطاً فيه مفاسد كثيرة على دينه وخلقه، وكيف ينجو من التأثر بذلك وهو في محيطه وبيئته؟!

شرط مفقود في الغالب:

ولا بد هنا من التأكيد على صفة الإحصان التي أباح الله بها للمسلم أن يتزوج الكتابية في قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (5)} [المائدة] فإن اشتراط هذه الصفة، يدل على عدم جواز زواج المسلم بالكتابية التي لا توجد فيها صفة الإحصان.

وقد اختلف في صفة الإحصان هذه على قولين:

القول الأول: أن المراد بها العفة، فإذا كانت الكتابية عفيفة لم تقارف الفاحشة جاز نكاحها، وممن فسر الإحصان بالعفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه عندما كتب إليه حذيفة بن اليمان: "أحرامٌ هي - يعني الكتابية - كتب إليه عمر قائلاً: لا، ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن، قال أبو عبيدة: يعني العواهر". وقال مطرف عن الشعبي في قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قال: "إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة وأن تحصن فرجها". [أحكام القرآن للجصاص (2/324)]. وممن قال بذلك: السدي، ومجاهد وسفيان.

القول الثاني: أن المراد بالإحصان هنا الحرية، أي يجوز نكاح الكتابية الحرة - دون الأمة - وإن كانت قد أتت بفاحشة إذا تابت منها، بشرط أن تكون بموضع لا يخاف الناكح فيه على ولده أن يجبر على الكفر.

وقد رجح هذا القول ابن جرير الطبري، وذكر القائلين به في تفسيره جامع البيان عن تأويل آي القرآن. [6/107-2-]108. وعلى كلا القولين فإن الكتابية التي في دار الكفر - وليست في دار الإسلام - يرجح جانب الحذر منها، لما في بيئتها من الفساد الواضح، وكيف تكون عفيفة من توصم بالعار والأمراض النفسية إذا بلغت سناً معيناً، ولم تجد من يعيش معها معيشة غير مشروعة، كما يعيش الزوج مع زوجته؟ وكيف لا يخشى من عدم عفة امرأة تختلط بالأجانب في الخلوة كالجلوة كما مضى؟ إضافة إلى أن الرق لا يوجد أصلا في هذا الزمان.

المفسدة السابعة:

أن امرأته وهي لا تلتزم بأمر الله ونهيه، قد تنجب ذرية من غيره وينسبون إليه، ويترتب على ذلك أحكام كثيرة فاسدة: فيورثون إذا بقوا على دينه - ولو في الظاهر - ويختلطون بأبنائه وبناته على أنهم محارم، وكذلك أخواته وإخوانه، مع أنهم في الواقع ليسوا أولاده.

المفسدة الثامنة:

أنها قد تُنَشِّئ أولاده على الكفر وعادات الكفار وأخلاقهم، وتأخذهم معها إلى الكنيسة والمراقص والمسارح وأماكن اللهو، وتفسد قلوبهم، ولا يستطيع هو أن يحول بينها وبين ذلك، وقد اشترط ابن جرير رحمه الله في جواز الزواج بالكتابية "أن تكون بموضع لا يخاف الناكح فيه على ولده، أن يجبر على الكفر". [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (6 / 108)].
وليس من شرط الإجبار على الكفر أن يكون بالقهر المادي كالتهديد بالقتل، أو الحبس أو الضرب، بل قد يكون الإجبار على الكفر بالضغوط الاجتماعية والتعليمية والثقافية والسياسية وتشويه الإسلام، وهذا كله واقع في بلاد الكفار.

المفسدة التاسعة:

أن القانون الأسري في مصلحتها في بلادها، فلو أراد أن يطلقها فإن القانون يجبره على مغادرة منزله وتركه لها ولأولادها، ويحكم لها بالأولاد ما داموا دون سن معينة كالثامنة عشرة، فيخسر أولاده، وتربيهم هي كما تريد، وهو يشاهد ذلك فلا يقدر على حمايتهم من ذلك.

بل إن المرأة الكافرة التي يتزوجها المسلم وينقلها إلى بلاده في أي شعب من شعوب المسلمين، إذا كرهته تستطيع أن تذهب في غفلة منه إلى سفارة بلادها في ذلك الشعب بأولادها، فتصبح بذلك كأنها في بلاد الكفر تحميها دولتها وقوانينها وتنقلها مع أولادها إلى بلادها، ولا تستطيع دولة الشعب المسلم أن تفتكَّها ولا تفتكَّ أولادها.

المفسدة العاشرة: ترك المسلم التزوج بالمسلمة، وإيثار التزوج بالكتابية.

وفي ترك التزوج بالمسلمة الموجودة في بلاد الكفر تعريض المسلمات للفتنة، إما بالزنا الصريح أو باستباحة زواجهن بالكفار الذي لا يحل في شرع الله، وهذا الأمر موجود في بلاد الكفر، فقد وجدنا كثيراً من المسلمين يشكون من هذه الحالة، ويتمنون أن يجدوا لبناتهم أزواجاً مسلمين من نفس البلد الذي يتزوج فيه المسلمون الكافرات لأغراض دنيوية، كالحصول على الإقامة أو التجنس أو الوظيفة.
وقد ذكر العلماء أن من أسباب كراهية بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كعمر رضي الله عنه، الزواج بالكتابية الذمية في دار الإسلام زهد المسلمين في الزواج بالمسلمات، كما قال ابن جرير رحمه الله: "وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة - رحمة الله عليهم - نكاح اليهودية والنصرانية، حذراً من أن يقتدي بهما الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني فأمرهما بتخليتهما". [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (2 / 378)].

وإذا كان هذا السبب يؤدي إلى كراهة الزواج بالكتابية في دار الإسلام، خشية من الزهد في الزواج بالمسلمات اللاتي لا يجدن الأزواج الراغبين فيهن غالباً، فإنه - أي هذا السبب - صالح لتحريم الزواج بالكتابية في دار الكفر، إذا أدى إلى ترك الزواج بالمسلمة وافتتانها بالزنا أو الزواج بالكفار، وهو محرم عليها كالزنا، من باب أولى.

وإذا كان زواج المسلم بالكتابية مباحاً، والمسلمون إنما تعاطونه في دار الإسلام، ومع ذلك وجد من يرى تحريمه من السلف وعامة أهل العلم كرهوه، وكثير منهم حرموه في دار الحرب، وإذا علمنا تلك المفاسد التي تترتب عليه في دار الكفر فما حكمه؟!.

إن كثيراً من هذه المفاسد ليست مفروضة فرضاً، وإنما هي واقعة مع كثير من المسلمين المقيمين في دار الكفر ممن يتزوجون الكافرات، وقد تكون هناك مفاسد كثيرة يعرفها أولئك المسلمون الذين يقعون في شراك الاستيطان في بلاد الكفر.

ولو لم يكن من تلك المفاسد إلا خشية وقوع المسلم نفسه في الارتداد عن دينه، أو التخلق بأخلاق الكفار التي لا يقرها الإسلام، وكذلك مفسدة تنشئة نسله على الكفر وعادات الكفار، لو لم يكن من تلك المفاسد كلها إلا هاتان المفسدتان لكانتا كافيتين في القول بتحريم زواج المسلم الكتابية في بلاد الكفر، فكيف بها إذا اجتمعت كلها؟!.








السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13133926

عداد الصفحات العام

1471

عداد الصفحات اليومي