{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) } [إبراهيم]
(014) طل الربوة أو تربية الأستاذ طلابه :: (09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (013) طل الربوة أو تربية الأستاذ طلابه :: (08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06) سافر معي في الشارق والمغرب :: (012) طل الربوة أو تربية الأساذ طلابه :: (011) طل الربوة أو تربية الأستاذ طلابه :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب تابع للديانات المشهورة في الصين :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(080) سافر معي في المشارق والمغارب

(080) سافر معي في المشارق والمغارب

الأحد: 28/3/1420ﻫ ـ 11/7/1999م

خواطر ورُؤَى مستخلصة مما مضى من رحلة جنوب أفريقيا:

الحلقة الأولى من هذه الخواطر والرؤى

بين كل فترة وأخرى تعرض لي بعض الخواطر المترتبة على ما حصلت عليه من المعلومات في المقابلات أو غيرها، وأحاول أن أسجل تلك الخواطر مع ما قد يبدو لي من آراء، وقد يتكرر بعضها ـ دون قصد ـ بسبب تباعد زمن تسجيلها، فإذا وجد القارئ شيئاً من ذلك فليعذرني، وبخاصة أنني لا أجد الوقت الكافي للمراجعة - سواء كان ذلك في وقت الكتابة في السفر - أو وقت التبييض بعد الرجوع من السفر.
وفي هذا اليوم عنت لي الخواطر والرؤى الآتية:

جرت سنة الله أن لا تبقى الأرض بدون عمارة:

الأوربيون الذين احتلوا جنوب أفريقيا، وجدوا بلداً فيه إمكانات مادية وثروات زراعية ومعدنية وحيوانية ومائية، لم يكن أهل البلد الأفارقة - في ذلك الوقت - مؤهلين لاستغلال تلك الإمكانات وتعمير بلادهم وبنائها به. وقد جرت سنن الله في هذا الكوكب أنه لا بد من عمارته واستغلال خيراته، لأن الله تعالى سخر ما في السماوات وما في الأرض لهذا الإنسان وطلب منه عمارة الأرض بذلك التسخير، ماديا ومعنويا، فإذا قصر أهل بلد أو عجزوا عن عمارتها واستغلال خيراتها - لأي سبب من الأسباب - هيأ الله لها من يقوم بعمارتها، ولو كان من أهل بلد أخرى.

كما جرت سنن الله الكونية أن الأرض التي يزدحم بها سكانها وتقل أرزاقهم الكافية لرفاهيتهم فيها، يجتهدون في البحث عن أراض أخرى تكثر فيها الخيرات التي تفيض عن حاجة أهلها أو لا يقومون باستغلالها، فيستوطنونها ويستغلون خيراتها.وهذا ما جرى لبلدان كثيرة في هذا العالم، ومنه جنوب أفريقيا، فقد عثر الأوربيون على هذا البلد ووجدوا فيه ضالتهم المنشودة، فبنوه بناء بما يناسب أهافهم في الدني، اقتصادياً وإدارياً وتعليمياً ومعمارياً وزراعياً وعسكرياً، وأقاموا فيه المواصلات البرية والبحرية والجوية، وأنشئوا كل ما يحتاجون فيه من المرافق، كالاتصالات، والإعلام ودور العبادة وغيرها.

عاقبة ظلمِ البيض وكبريائهم الوخيمة:

ولكن الأوربيين الذي احتلوا هذا البلد واستغلوا خيراته غفلوا عن سنة الله فيمن ظلم الناس وتكبر عليهم، فتفننوا في ظلم أهل البلد وأوغلوا في التكبر والتسلط عليهم، وسلكوا في ذلك مسالك لا تليق بإنسان عاقل، أجملها في الأمور الآتية:

الأمر الأول: اعتقادهم بأنهم سادة العالم، وأن من سواهم عبيد لهم، بسبب ما آتاهم الله من علم وخبرة وقوة، وبسبب اغترارهم ببياض بشرتهم، وفقد أهل البلد الأمرين، واعتقادهم بأنهم أحق بخيرات البلد من أهلها.

الأمر الثاني: استعبادهم أهل البلد وجعلهم خدماً لهم ومعاملتهم لهم معاملة أسوأ من معاملة الحيوان.

الأمر الثالث: العمل على استمرار جهل أهل البلد وإبعادهم عن الثقافة والعلوم القيادية، كالسياسة والاقتصاد والإعلام والطب والهندسة وغيرها، حتى لا تحدث تلك الثقافة والعلوم في نفوسهم تطلعاً للتحرر من الاستعباد والقهر والتسلط عليهم، وإنما أرادوا بقاءهم منقادين للسيطرة الظالمة والأوامر الاستبدادية.

الأمر الرابع: غفلتهم عن سنن الله في الظلم والظالمين، وأنه تعالى لا يهمل الظالم وإن كان قد يمهله، كما يدل على ذلك تاريخ العالم وتجارب الأمم في كل الأجيال المتعاقبة، وكما سطر الله تعالى ذلك في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ 010)} [هود] وكما قال في ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته). [متفق عليه]

الأمر الخامس: غفلتهم عن التطورات الاجتماعية والسياسية في العالم التي تنبه الغافل وتوقظ النائم، وتجعل المظلوم المكبل ينتفض على ظالمه ليتحرر من نير ظلمه، وبخاصة ما حصل في العصور المتأخرة من إتاحة سبل الثقافة والعلم وانتقال الوعي السياسي من بلد إلى آخر، مما جعل الجاهل يتعلم، والمظلوم يشكو ويتململ، إضافة إلى دعايات المنظمات العالمية، مثل منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والمنظمات القارية والإقليمية، ومنظمات حقوق الإنسان التي نبهت كثيراً من الشعوب المظلومة على المطالبة بحقوقها - وإن كانت غالبها تكيل بمكيالين - وكان مكيالها لجنوب أفريقيا مُطَفَّفًا تطفيفاً شديداً، كما هو الحال في الشعب الفلسطيني وغيره، ولكنها تنبه أهل البلد وتوقظ عقولهم من لسبات الطويل.

الأمر السادس: غفلتهم عن وسائل الإعلام التي تحاول كل دولة تضليل عقول شعبها بها، فإن ذلك التضليل قد يقابله ما يكشفه ويبين كذبه من وسائل الإعلام المضادة، وقد كان الأمر كذلك فيما يتعلق بجنوب أفريقيا، إذ أوجدت وسائل الإعلام المعادية للحكم العنصري من الدول المجاورة وغيرها في نفوس الأفارقة السود حباً للتحرر وصموداً للكفاح وعزماً على التصدي للظلم والطغيان.

الأمر السابع: التفرقة العنصرية التي اتبعوها، وأجبروا كل فئة على الانزواء في منطقة سكنية معينة لا تختلط بغيرها ولا يختلط غيرها بها، حيث بدت تلك الفئات شبيهة بحيوانات متنوعة لكل صنف منها زريبة خاصة بها: فالبيض في جهة، والملونون في جهة، والهنود في مكان، والأفارقة السود في مكان آخر، مما أحدث في نفوس الناس حقداً شديداً على الحاكم العنصري الظالم، فأمست صدورهم براكين تتفجر بين حين وآخر، حتى جاء الانفجار الأخير الذي حطم قيود الظالمين وهدد كبرياءهم.

الأمر الثامن: الاستئثار الكامل بمرافق البلاد وخيراتها وحرمان أهلها الأصليين منها، من وظائف وأموال وغيرها …

الأمر التاسع: إجبار الناس على ترك بيوتهم وأراضيهم وأماكن عباداتهم، ونقلهم منها إلى أماكن أخرى، ليستأثروا هم بالأماكن ذات القيمة، كسواحل البحر وغيرها من المناظر الجميلة، فأحس المستضعفون بالإهانة والحرمان وازداد بذلك حقدهم.

الأمر العاشر: أن الله أعمى أبصارهم، عندما أحسوا بانتباه أهل البلاد وتطلعهم الجاد إلى التحرر والانعتاق من استعبادهم، لم يحاولوا استرضاءهم بتلبية بعض مطالبهم والتدرج في إعطائهم شيئاً من تلك المطالب التي يمكن أن ترضيهم إلى حين، كإفساح المجال لهم في التعليم، واعتلاء بعض المناصب، ومحاولة إعطائهم فرصاً في السكن المناسب والاختلاط المنظم، ليصلوا معهم إلى نوع من المصالحة والانسجام بدون عنف، وحتى يتدرب أبناء البلد على بعض الأعمال الإدارية والقيادية المناسبة بحكمة ونظام، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك، بل وقفوا ضد كل مطلب من مطالبهم، وعاملوهم معاملة قاسية، أدناها التعذيب والسجن وأعلاها سفك الدماء والقتل، وهذا ا تفعله لصهيونية العنصرية المحتلة للأرض الفلسطينية، وستكون عاقبتها كعاقبة
إخوانها العنصريون البيض في جنوب أفريقيا.

لهذا تفجرت براكين الغضب وتسارعت الاحتجاجات العنيفة، إلى أن تسلم حكمَ البلاد أهلُها الذين يقل فيهم وجود السياسي المحنك والإداري الماهر والقائد الحكيم، مثل نلسون مانديلا الذي هيأه الله لقيادة البلاد قيادة حكيمة، خفف بها حقد بني قومه على الحكام الذين استعبدوهم أكثر من ثلاثمائة سنة، فهدَّأ بقيادته أتباعه ووقف ضد مقابلة الاعتداء بمثله أو أشد.

؟؟؟ مستقبل البلاد في ظل حكم الأفارقة السود:
إن حرمان الأفارقة السود من حقوقهم ووضع العراقيل بينهم وبين وسائل تمكنهم من قيادة حكم بلادهم، ثم تمكنهم بعد عناء شديد من تولي مقاليد الأمور فيها، جعلهم يسرعون في تعويض ما فاتهم من مال ومنصب وجاه وسيادة، ومعلوم أن غالبهم غير مؤهلين لقيادة البلاد في كل مرافقها قيادة مستقلة سليمة، وقد أصبحوا بحكم القانون الجديد يتمتعون بالسكن حيث شاءوا، والتجول أينما أرادوا، وأن تكون لهم الأولوية في غالب الوظائف، وقد ترتب على ذلك أن أصبحوا يسرحون ويمرحون في مراكز المدن التي كان يستأثر بها البيض دونهم في الماضي، ولم يكونوا يجرؤن على ارتيادها أو المرور بها إلا خدماً في أوقات محددة، ونزح البيض إلى ضواحي المدن، مع اتخاذ الحراس الأشداء على مساكنهم، خوفاً على أنفسهم من اعتداء السود الذين تكثر جرائمهم في داخل المدن.
وأصبح السود هم الأغلبية في البرلمانات المركزي منها والمحلي، كما أصبحوا هم الوزراء المسئولين عن مرافق الدولة وإدارتها، وأصبحت ميزانية الدولة بأيديهم، وهم الذين يستطيعون ـ إذا توافرت فيهم الكفاءة الإدارية ـ أن يعمروا البلاد، بل يستمروا في عمارتها، لأن البيض قد عمروها، ويستطيعون أن يدمروا ما شيد في بلادهم من بناء ـ إذا لم تتوافر فيهم تلك الكفاءة.
وأهم صفات الإداري الكفء الناجح:
1 ـ الأمانة التي تحفظ بها موارد البلاد وحقوق المواطنين جميعاً، وتجنب الخيانة التي يهلك صاحبها ـ إذا تولى ـ الحرث والنسل.
2 ـ الخبرة التي تمكن صاحبها من تدبير أمور الناس تدبيراً حكيماً مبنياً على دراسة وعلم، لا على جهل وفوضى.
3 ـ العدل الذي يساوي من اتصف به بين الناس مساواة تعطي كل ذي حق حقه، بناء على مؤهلاته وعمله واستحقاقه.
4 ـ القوة التي يتمكن المتصف بها من تنفيذ ما توجبه عليه إدارته بدون تردد ولا تراخ.
وإن الذي سمعته ممن اجتمعت بهم ـ والعهدة على من سمعته ـ في وقت زيارتي القصير يدل على وجود سلبيات خطيرة في هذه الحكومة:
منها: تبذير الأموال فيما لا يعود بفائدة على الشعب، كالاحتفالات الرئاسية الأخيرة. ومعلوم أن تبذير ولي الأمر لأموال الدولة من أهم أسباب خرابها.
ومنها: التلاعب بميزانية الدولة وتحويل كثير من الأموال إلى بنوك في الخارج لمصالح بعض المسئولين في الدولة. وغالب أسباب الفساد والدمار المالي والاقتصادي التي تحصل في كثير من الدول من هذين الأمرين: تبذير الأموال وسرقتها.
ومنها: التسرع في توظيف غير المؤهلين من السود قبل تدريبهم وتأهيلهم في وظائف الدولة، أو فيما يسمى بالقطاع الخاص، وتوظيف غير الكفء جناية على الوظيفة وعلى الأمة.
ومنها: إباحة محظورات اجتماعية مدمرة، والعزم على إصدار قوانين بإباحتها، ومن أمثلة ذلك: زواج المرأة بالمرأة والرجل بالرجل، وقد كان ذلك محظوراً في عهد البيض.
ومنها: تسهيل ارتكاب الجرائم بسجن من دافع عن نفسه بقتل المعتدِي على نفسه أو ماله أو عرضه، إذا اقتضى الأمر ذلك، وإذا جرح المجرم في مثل تلك الأحوال تُعنى به الحكومة وتعالجه في أرقى المستشفيات الحكومية، وقد كان القانون في عهد الحكومة البيضاء يبيح دفاع المعتدَى عليه ولو أدى ذلك إلى قتل المعتَدِي.
وهذا هو العدل الإلهي الذي يتفق مع العقل والفطرة، وهو داخل في ضرورات الحياة التي يجب حفظها، وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال، فإذا يُسِّرت سبل الاعتداء ـ قانوناً وعملاً ـ على أي منها، اضطربت أحوال البشر وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، واستحالت الحياة السعيدة إلى حياة شقاء وضنك.
فإذا ما صحت نسبة هذه الأمور إلى الحكومة السوداء، واستمروا في إباحتها، فإن ذلك مؤذن بخراب ودمار ماديين ومعنويين لبلادهم.
؟؟؟ ما الوسائل التي اتخذها البيض لحماية أنفسهم؟
أولاً حماية أنفسهم في السكن.
بعد أن أصبح القانون يبيح للسود الانتقال من أي مكان إلى أي مكان آخر في المدن والضواحي والبوادي، أحس البيض بالخطر وخافوا من الاعتداء عليهم من قبل السود في مساكنهم ودكاكينهم، فتركوا مراكز المدن التي كانوا يستأثرون بها دون غيرهم وانتقلوا إلى الضواحي القريبة من المدن في مساكن راقية ومناطق غالية جميلة، كانوا قد ملكوها من قبل.
وأصبحت مراكز المدن تعج بالمتسكعين وذوي البطالة من السود الذين تسمع صياحهم وخصومتهم فيما بينهم، بل وترى تعاركهم بالأيدي وبالعصي وقد رأيت شيئاً من ذلك في مركز مدينة جوهانسبرج، والناس في هذه المراكز يخافون من الاعتداء عليهم والسطو على أموالهم، وقد خلت الأسواق والشقق السكنية وبعض الفنادق الموجودة في المركز الذي كان قبل ذلك عامراً بالسكان والمتسوقين والسائحين.
وليس معنى هذا تبرئة البيض الذين حكموا البلاد أكثر من 300 سنة من المسئولية، فهم أساس البلاء والفوضى وأساس الفساد الذي يحصل من السود الذين تعمدوا تجهيلهم وحرمانهم وإذلالهم، فاجتمع فيهم ـ السود ـ حب الانتقام المبني على الحقد المتراكم، وحب الزعامة والسيطرة بدون وجود المؤهلات الإدارية التي يستحقون بها الزعامة.
ثانياً: حماية أموالهم واقتصادهم وسياستهم.
البيض عندهم قدرة على مواجهة التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك باتخاذ الأساليب التي تمكنهم من حفظ حقوقهم، ومن قيادة البلاد من وراء ستار، وقد اتبعوا ـ لذلك الأمور الآتية ـ :
الأمر الأول: الاحتياط الاقتصادي والمالي.
وذلك باتباع الوسائل الآتية:
الوسيلة الأولى: نقل قسط من أموالهم وتجارتهم إلى الخارج.
الوسيلة الثانية: تمكين السود من العمل في مؤسساتهم الاقتصادية في البنوك والفنادق والأسواق، في وظائف ليست ذات شأن في الغالب، وأبقوا الوظائف العليا وإداراتها التي هي مواقع توجيه وضبط بأيديهم، ومعنى ذلك أن السود ما زالوا يخدمون البيض مع بقائهم سادة في تلك المواقع.
الوسيلة الثالثة: تجزئة شركاتهم الكبرى وتقسيمها، بحيث تظهر شركات صغيرة استجابة لرغبة الدولة في عدم وجود شركات كبرى تسيطر على اقتصاد البلد، فقد صَغَّروا شركاتهم في الظاهر، وهي لا زالت شركات كبرى في حقيقة الأمر.
الأمر الثاني: تحسين علاقاتهم بكبار موظفي الدولة.
وذلك عن طريق المال وقضاء الحاجات، بحيث يبقى أولئك الموظفون محتاجين إلى البيض، مستجيبين لتنفيذ رغباتهم بطريقة خفية ذكية.
الأمر الثالث: حيازة القيادة السياسية الخفية.
وذلك بجعل القيادة الظاهرة بيد السود، والقيادة الواقعية الخفية بأيديهم، بأن يكون الأسود وزيراً، ويكون نائبه أبيض، ويكون الأسود مديراً عاماً، ويكون الأبيض مديراً لمكتبه أو سكرتيراً له، ويكون للنائب أو مدير المكتب أو السكرتير من النفوذ ما يجعله المسير للأمور، والسبب في ذلك ما عندهم من خبرة وإمكانات قد لا تتوافر للوزير أو المدير العام، ويترتب على ذلك تسخير نفوذهم لخدمة أبناء جنسهم بطرق وأساليب يصعب على غيرهم اكتشافها.
مصالح حققها الله للمسلمين في عهد الحكم العنصري:
كثير من المفاسد لا تكون شراً محضاً، وكثير من المصالح لا تكون خيراً محضاً، بل قد يصاحب المفاسدَ شيءٌ من المصالح، وقد يصاحب المصالحَ شيءٌ من المفاسد، والعبرة بالغالب، فإن غلب الخير قيل: إنه خير، وإن غلب الشر قيل: إنه شر.
ومن الأمثلة على ذلك الجهاد في سبيل الله، فإن المجاهدين قد تزهق أرواحهم ويصابون بالجروح وقطع الأطراف، وقد يسبي أعداؤهم نساءَهم وأطفالهم ويأسرون رجالهم، وقد ينهبون أموالهم وقد يغلبونهم لسبب ما فيهزمونهم ويحتلون أرضهم، هذه الأمور كلها مفاسد تصيب المسلمين إذا وقعت، ولكن مصالح الجهاد في سبيل الله والثمار المترتبة على إقامته تغلب مصالحُها كلَّ تلك المفاسد، لأن في الجهاد في سبيل الله رفعَ راية الإسلام وعزةَ المسلمين، والدفاع عن الأرض الإسلامية وأعراض المسلمين وغيرهم، ونشر العدل وتثبيته في الأرض، ونصر المظلوم ـ مسلماً كان أو غير مسلم ـ على ظالمه، وبث الرعب في نفوس أعداء الله وتقوية مهابة المسلمين في الأرض.
والغالب أن المسلمين إذا أقاموا راية الجهاد في سبيل الله كما أمرهم الله، أن يكون النصر حليفهم على عدوهم، وأن لا ينالهم من الأذى والمفاسد إلا القليل، فالجهاد في سبيل الله مصالحه عظيمة عميمة، ومع ذلك يوجد فيه شيء من المفاسد التي قد تصيب المسلمين، هذا مثال للمصالح الراجحة المحتوية على شيء من المفاسد المرجوحة.
ومثال ما هو مفسدة محتوٍ على شيء من المصلحة المعاملات الربوية، التي تدمر الدول والشعوب وتحطم اقتصادها، كما تحطم شركات وتفقر أسراً وأفراداً، ومع ذلك توجد فيها بعض المصالح للدول والشركات والأفراد، فقد تأخذ دولة قرضاً ربوياً تقيم به مشاريع ضرورية، وقد يستدين فقير مالاً بربا فيقيم شركة ويربح ويصبح غنياً، ولكن الغالب في المعاملات الربوية أن تكون مفاسدها أعظم من مصالحها، ومثلها الخمر التي قال الله فيها: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا() وقد رتب الله على كثرة مفاسد الربا والخمر وقلة منافعهما تحريمهما، كما هو معروف.
وبناء على ما سبق أقول: لقد كان في بعض تدابير الحكم العنصري التي فرقت بين بني الإنسان على أسس جاهلية، بعض المصالح للمسلمين جاءت بدون قصد لا من الحكام ولا من المسلمين.
لمست ذلك من زيارتي القصيرة هذه، ذات الحوارات الميدانية مع زعماء المؤسسات الإسلامية وأئمة المساجد وبعض الأساتذة في الجامعات والمدرسين في المدارس الخاصة والشخصيات ذات النفوذ بين المسلمين، ويتلخص ذلك في الأمور الآتية:
الأمر الأول: تسخير الله تعالى أعداء الإسلام ـ من حيث لا يشعرون ـ لإيصال الإسلام إلى مناطق في الأرض قد لا يدور ببال المسلمين أن الإسلام سيصل إليها عن طريقهم، وهذا ما فعله الأوربيون عندما احتلوا شرق وجنوب شرق آسيا، وقاومهم المسلمون هناك بقيادة بعض زعمائهم من العلماء والأعيان، فأراد المغتصبون أن يعاقبوا أولئك القادة فأسروهم عبيداً ونفوهم من شرق الأرض إلى غربها، من جزر الملايو إلى رأس الرجاء الصالح في أقصى الجنوب الأفريقي، فإذا العبيد المنفيون يبذرون غرس الوحي الإلهي في تلك البلاد وينشرون دين الله هناك، ويستوطنون في بلد ناء عن بلادهم، ليبنوا المساجد ويرفعوا من مآذنها صوت الحق لنداء المؤمنين بالله من أجل عبادته وحده لا شريك له، ويؤسسوا المدارس ليحفظ أطفالهم القرآن الكريم، ويتعلموا مبادئ الإسلام فيها، وإذِ الإسلام يغرس جذوره في أعماق بلاد المنفَى برغم أنوف من ظنوا أنهم قد أصابوه في المقتل.
ويأتي العدو بعد ذلك بالمسلمين عبيداً له من بلاد أخرى ليخدموه في الزراعة ـ وبخاصة زراعة قصب السكر ـ جاء بالهنود من الهند لهذا الغرض ظناً منه أنهم سيذوبون في المجتمع الأوربي والأفريقي وينسون دينهم الحق، فإذا هم يحافظون ـ بسبب عزله لهم في السكن عن الاختلاط بغيرهم ـ على دمهم الهندي الذي تراه رأي اللعين في كبارهم وصغارهم ورجالهم ونسائهم أينما اتجهت، حتى لتشعر وأنت تراهم كأنك في شوارع دلهي ولاهور، وبومباي ولكنو ومدراس وكراتشي… ويحافظون كذلك على دينهم فيبنون المساجد ذات المآذن الممتدة في عنان السماء، ويؤسسون الكتاتيب والمدارس الخاصة، ويقومون بإنشاء دور العلوم تأسياً بأمهاتها في الهند وباكستان وبنغلاديش، وتجد كثيراً منهم يلقب بـ(قاري) أو (حافظ) لحفظهم القرآن الكريم، وتسمع لقب: (مولانا) و(الشيخ) لعلماء ومفتين يلتف حولهم المسلمون من الأغنياء والفقراء وذوي الكفاءات العملية المتنوعة، من أطباء ومهندسين ومحامين ونواب ووزراء واقتصاديين وسياسيين.
ولقد بلغت هيبتهم في نفوس المسلمين أنهم إذا أصدروا فتوى في موضوعٍ مَّا من الموضوعات، لم يجرؤ أحد على الإعلان عن مخالفتها، وإن خالفها بعضهم عملياً.
الأمر الثاني: إقدام الأوربيين على تدبير ظنوه صمامَ أمان دائم لحكمهم وسيطرتهم على البلاد وإذلال العباد، وهو عزلهم كل فئة من فئات المجتمع عن الأخرى في السكن بتشريع قانوني وتطبيق تنفيذي: فللبيض مساكنهم المقدسة التي لا يجوز أن تطأ شوارعها قدم غيرهم إلا بإذن وللخدمة، وللملونين أحياؤهم التي لا يحق لغيرهم أن يساكنهم فيها، وللهنود قراهم الخاصة، وللسود أكواخهم المعزولة، لقد كان هذا التدبير بغيضاً سيئاً مخالفاً للفطرة والعدل والدين والأعراف والقوانين الدولية.
ولكنه كان من المنح الإلهية للمسلمين، وهو أن عزلهم في أماكن معينة لم يختلطوا بغيرهم مدة الحكم الأوربي الطويل، مكنهم من المحافظة على أنفسهم ودينهم وذريتهم ومساجدهم ومدارسهم، وأحياناً أنسابهم ـ وبخاصة الهنود ـ .
وإني لأظن أن المسلمين لو اختلطوا اختلاطاً تاماً بالأوربيين وغيرهم تلك الفترة الطويلة لذاب كثير من أبنائهم في مجتمعات الكفر، كما ذاب كثير منهم في بلدان أخرى، مثل الأفواج الأولى من الأفغان في أستراليا.
الأمر الثالث: قيام المسلمين بإنشاء مؤسسات دينية، مثل المساجد والمدارس ومجالس العلماء وحلقات التعليم، وكان لهذه المؤسسات أثرها في ترابطهم الديني والاجتماعي، كما أقاموا مؤسسات تجارية واقتصادية مكنتهم من تحسين وضعهم الاجتماعي ومن الإنفاق على نشاطاتهم الإسلامية ومساعدة المحتاجين من المسلمين.
حرمان غير المسلمين من معرفة الإسلام:
إن عزل الحكومات العنصرية المسلمين عن الاختلاط بغيرهم، قد حرم الناس من معرفة هذا الدين، لأنهم لو اختلطوا بالمسلمين ورأوا ما في الإسلام من الأخلاق الحسنة والمعاملات الطيبة، ووجدوا من يشرح لهم مبادئ الإسلام ويدعوهم إلى الدخول فيه، لأثر ذلك في نفوسهم ودخل في الإسلام من كتب الله له الهداية والسعادة.
تقصير المسلمين في دعوة غيرهم إلى الإسلام.
ولكن هذا العزل ليس هو السبب الوحيد لحرمان غير المسلمين من معرفة الإسلام، وإنما هناك سبب آخر لذلك، وهو تقصير المسلمين في البلاغ المبين، وهو إيصال حقيقة الإسلام إلى الناس ودعوتهم إلى الدخول فيه، فقد كان للمسلمين صلات كثيرة بغير المسلمين حتى في عهد الحكم العنصري، عندهم الخدم من السود رجالاً ونساء في المنازل وفي الدكاكين وفي البساتين، وعندهم قادة السيارات والحراس، ومع ذلك لم يهتم المسلمون بدعوة هؤلاء، ولم يعاملوهم معاملة حسنة تجعلهم يحبونهم ويميلون إلى دينهم، ولو فعلوا ذلك لدخل كثير من السود العاملين مع المسلمين في الإسلام، للأسباب الآتية:
السبب الأول: شعور السود بالدونية بالنسبة لغيرهم، وفقرهم المدقع وجهلهم المظلم، ونظرتهم إلى المسلمين نظرة إكبار لغناهم وثقافتهم.
السبب الثاني: ما كانوا يعانونه من الظلم والاستعباد من قبل البيض.
السبب الثالث: أن فطرهم أقرب إلى الإسلام منها إلى غيره، لبساطتهم وضيق معيشتهم، وقد اجتهد البيض في تنصيرهم ونجحوا، مع تلك التفرقة العنصرية المنفرة، حتى في الكنائس لا يسمح للسود بالعبادة في كنائس البيض.
ولو أن المسلمين اجتهدوا في دعوة من كانت لهم به علاقة من هؤلاء إلى الإسلام، مع إظهار القدوة الحسنة في العمل بالإسلام لانتشر بينهم الإسلام، لأن المرأة التي تخدم في منزل المسلم إذا أسلمت ستجر إلى الإسلام بعض أفراد أسرتها، وهكذا الرجل … وقد اعترف المسلمون ـ وبخاصة العلماء ـ بهذا التقصير.
والسود ـ ومنهم مسلمون ـ يصرحون بأن المسلمين قصروا في حقهم.
ولا زال المسلمون إلى الآن ـ برغم الانفتاح الذي أتاح لهم فرصة الاختلاط بالسود ومنحهم الحرية الكاملة في الدعوة إلى دينهم ـ لا زالوا مقصرين في دعوة السود إلى الإسلام، باعتراف مؤسساتهم وعلمائهم بذلك، وإن كانت هناك جهود طيبة يبذلها بعض الدعاة وبعض المؤسسات الإسلامية التي سيمر القارئ بذكرها في هذا الكتاب.
أجوبة العاملين في الميدان أولى بالقبول:
كنت أسأل بعض العلماء الذين يتولون التدريس في المساجد أو في المؤسسات كالمدارس الإسلامية، ولا يباشرون دعوة غير المسلمين: هل يستجيب الأفارقة السود للدعوة الإسلامية إذا بلغتهم؟ فكانوا يقولون في الغالب: إن في ذلك صعوبة، لأنهم يتمسكون بالمسيحية، وبعقائدهم التقليدية التي توارثوها عن أجدادهم وسحرتهم.
فإذا سألت الدعاة الذين يقومون بالدعوة ميدانياً بين السود نفس السؤال، يكون جوابهم: إسلام السود إذا بلغهم الإسلام وفهموه فهماً جيداً سهل جداً، وهم ينتظرون الدعاة إلى الله ليبلغوهم دين الله ويخرجوهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويرحبون بمن يزورهم في منازلهم ويسمعون منهم ما يريدون قوله عن الإسلام، وكثير منهم يبعثون أولادهم للدراسة في مدارس المسلمين ويدخل بعضهم في الإسلام وقد يؤثرون في أسرهم بالأخلاق التي تلقوها من المسلمين.
فأي الإجابتين أولى بالقبول؟
لا شك أن إجابة القائمين بالدعوة في الميدان أولى بالاعتماد من إجابة غيرهم، وقد تكررت الإجابتان من الفريقين في مناطق متعددة.
ويترتب على هذا أنه ينبغي للمؤسسات الإسلامية المهتمة بدعم الدعاة إلى الله في أفريقيا ـ ومنها جنوب أفريقيا ـ أن يقدموا مساعداتهم لدعاة الميدان، وليس لمن يحسنون كتابة التقارير عن نشاطهم الذي قد يبالغون فيه لينالوا من وراء ذلك الأموال التي قد لا يستحقون أخذها.
أثر الحرص على الرئاسة على مسيرة الدعوة:
إن حرص كثير من المسئولين عن الجمعيات الإسلامية على الرئاسة والزعامة، وما يترتب على ذلك من التنافس بين أفراد جماعة واحدة على زعامتها، أو زعماء جماعات متعددة، حرصاً على مصالح شخصية، من اكتساب مال أو جاه أو منصب أو كثرة أتباع، إن ذلك كله قد أضعف الدعوة الإسلامية وجعل أولئك الزعماء وجمعياتهم يشغلون أنفسهم بالاختلافات فيما بينهم بدلاً من اشتغالهم بالدعوة إلى الله، وينسون الأهداف السامية التي وضعوها لأنفسهم، فيصبح حرصهم على مصالحهم الذاتية أشد من حرصهم عل الدعوة إلى الله، ولهذا نجد بعض القادة في جماعة واحدة أو مؤسسة واحدة ينفصل بعضهم عن الجماعة أو المؤسسة وينشئ مؤسسة أخرى بدون أي سبب يسوغ ذلك، لأن أهدافهم المعلنة متفقة، ووسائلهم متساوية أو متقاربة، وإذا بحثت عن السبب وجدته الجري وراء الزعامات وما يحصل من ورائها من مصالح شخصية، وهذا يتكرر في كثير من الجماعات والبلدان.
وكثيراً ما تجد قادة جماعة واحدة يظهرون للناس أنهم متفقون في اجتماعاتهم وأعمالهم، ولكن كلاً منهم يطعن في الآخر إذا غاب عنه.
أثر الإخلال برجوع المختلفين إلى الكتاب والسنة:
لقد أمر الله عباده المؤمنين أن يردوا ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله، لأن الإسلام إنما جاء من عند الله في كتابه، وبلغه إلى الناس رسوله  مفصلاً في سنته، فإذا رد المختلفون ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله، حسم الأمر واجتمعت الكلمة على الحق.
وقد يكون الاختلاف ناشئاً عن اجتهاد له مسوغاته، ولكل من المجتهدين دليله، وعندئذ يجب أن يعذر كل منهما صاحبه، وهذا الاختلاف مشروع وواقع من عهد الصحابة  ولا يزال موجوداً إلى يومنا هذا، وهو راجع إلى القاعدة السابقة: الرد إلى الكتاب والسنة، ومع ذلك يجب التعاون بين المختلفين على البر والتقوى ويحرم عليهم التنازع المؤدي إلى الفشل.
أما إذا اتخذ كل من المختلفين مرجعاً غير كتاب الله وسنة رسوله تصاعد الاختلاف وتشعبت السبل واتبعت كل فئة هواها.
وهذا هو السبيل الذي يسلكه كثير من زعماء الجماعات أو الجمعيات الإسلامية اليوم، ولهذا تجد أهل منهج واحد يختلفون اختلافاً تنازع وشقاق، وليس اختلاف عمل ووسائل، بسبب اختلال المرجع الشرعي، وإن زعمت كل جماعة أنها تتبع الكتاب والسنة.
فأهل المذهب الحنفي ـ مثلاً () ـ تجد فيهم الديوبنديين الذين يغلب عليهم الاعتدال، وتجد فيهم من يعظم القبور ويدعون الموتى من دون الله، ويبالغون في الإطراء في رسول الله  إلى درجة نفي ما أثبته الله تعالى له في كتابه، وهو كونه بشراً، فيكفر بعضهم من قال: إنه بشر، كالبرلويين، ومن غرائب الأمور أنهم يطلقون على أنفسهم: أهل السنة، وفيهم الصوفي المبتدع في الأذكار وغيرها.
وهناك اختلاف بين أتباع المذاهب، كالشافعية والحنفية في كيب تاون.
وليست المشكلة في أن يختلفوا في بعض المسائل الفرعية التي لا تفرق كلمتهم في شعائرهم العامة، ولا تصدع صفهم وتمزقه في مصالحهم المشتركة، وإنما المصيبة أن يظهروا أمام أهل الأديان الأخرى كأنهم أهل أديان وليسوا أهل دين واحد، كما يحصل ذلك في هلال شهر رمضان وهلال شهر شوال، وهلال شهر ذي الحجة، فتجدهم في مدينة واحدة، بل ربما في حي واحد، يصوم فريق منهم اليوم متبعاً رؤية الهلال في بلد إسلامي بعيد، ويصوم آخر غداً متبعاً رؤية الهلال في بلد إسلامي أبعد، ويصوم فريق ثالث بعد غدٍ اعتماداً على رؤية الهلال عنده، وهكذا يفعلون في عيد الفطر وصلاته!!!
وتجد طائفة تصوم اليوم التاسع من ذي الحجة يوم وقوف الحجاج في عرفات، اعتماداً على أن جميع حجاج المسلمين من جميع البلدان وقفوا في هذا اليوم، وتحتفل بعيد الأضحى في يوم العاشر في مكة كذلك، وتجد طائفة أخرى تؤخر أو تقدم اعتماداً على الرؤية، وهي كما ترى مواقف مزرية لا تليق بمن يدعي العلم ويقود جماعة إسلامية أن يسلك هذا المسلك المشين في بلد واحد بل في مسجد واحد.!
بل تجد بعضهم ينقد وقوف الحجاج في عرفات في اليوم التاسع الذي أعلنته المملكة العربية السعودية، مع العلم أن الديوان الملكي لا يعلن ثبوت الهلال إلا بعد إشعار مجلس القضاء الأعلى بثبوته شرعاً، ومجلس القضاء لا يشعر الديوان بذلك إلا بعد ثبوت الرؤية شرعاً في بعض المحاكم الشرعية.
أثر الاستشراق على مسيرة الدعوة الإسلامية:
إن من نعم الله على عبده أن يوفقه لاتباع الحق والدوام عليه، وإن من أعظم عقاب الله لعبده أن يعلم الحق ويعمل به، ويجتهد في الدعوة إليه، ويوالي أهله وينخرط في سلكهم ويقوي صفهم، ثم بعد هذا كله يرتد على عقبيه، فيرمي الحق وراء ظهره، فيدع زملاء الدعوة إلى الحق ويتبع دعاة الباطل من المستشرقين والعلمانيين ممن يدعون الإسلام وهم له هادمون، من أمثال أركون وحنفي وعبد الرحمن واحد الذين يجاهرون بعدم صلاحية تطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا الأخير زعيم ما يقارب أربعين مليوناً من المسلمين، وهو عضو معهد بيريز في تل أبيب وغيرهم، ويصبح مخالفاً لنصوص القرآن والسنة وإجماع علماء الأمة، بحجة اختلاف الزمن وتحكيم العقل، ويؤيد آراء أعداء الإسلام في مؤتمرات وندوات واجتماعات، إن أثر أمثال هؤلاء على الدعوة الإسلامية خطير جد خطير، لأنهم يضلون الشباب المسلم بأفكارهم ويشككونهم في دعاة الإسلام وعلمائه بحجة أنهم جامدون متزمتون لا يفقهون العصر والواقع!().
أثر العنف والشدة على الدعوة الإسلامية:
وهناك من يدعي أنه من دعاة الإسلام، وأنه يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يكون هدف هؤلاء سامياً، وقصدهم حسناً ـ وإن شكك في ذلك من شكك ـ ولكن الذي ينقص هؤلاء هو فقه الدعوة وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالأصل في الدعوة إلى الله تعليم الناس الإسلام وتربيتهم عليه.
والأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتصف من يقوم به بالصفات الآتية:
الصفة الأولى: العلم بما هو معروف وما هو منكر، حتى يأمر وينهى على بصيرة.
الصفة الثانية: اللين.
الصفة الثالثة: الصبر.
الصفة الرابعة: الموازنة بين المصالح والمفاسد، بحيث لا يأمر بمعروف يترتب عليه ترك معروف أعظم منه، ولا ينهى عن منكر يترتب عليه وجود منكر أعظم منه، ومن ذلك الأمر والنهي باليد إذا ترتب على الأمر فوات معروف أعظم، وترتب على النهي وجود منكر أعظم من المنكر المراد تغييره، وهذا هو ما حصل من بعض الجماعات الإسلامية في جنوب أفريقيا() وغيرها.
وفي مثل هذا تشويه لصورة الإسلام ونفور الناس من الدعوة إليه.







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13677712

عداد الصفحات العام

287

عداد الصفحات اليومي