{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) } [إبراهيم]
(014) طل الربوة أو تربية الأستاذ طلابه :: (09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (013) طل الربوة أو تربية الأستاذ طلابه :: (08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (06) سافر معي في الشارق والمغرب :: (012) طل الربوة أو تربية الأساذ طلابه :: (011) طل الربوة أو تربية الأستاذ طلابه :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب تابع للديانات المشهورة في الصين :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(04)طل الربوة - غرس مراقبة الله الدائمة في قلب الطالب:

(04)طل الربوة - غرس مراقبة الله الدائمة في قلب الطالب:



ومن أعظم إصلاح القلوب استحضار العبد إحاطة علم الله تعالى بكل ما يأتي ويذر، فإذا استحضر العبد رقابةَ الله تعالى له في كل لحظة من لحظات عمره، فازَ برضا الله تعالى عنه في الدنيا والآخرة؛ لأن استحضاره تلك الرقابة تجعله دائماً ملازماً لتقوى الله الذي يراقبه، فينفذ أمره ويجتنب نهيه، ويبتعد عن الشبهات خشية الوقوع فيها، ويؤدي حقوق ربه وحقوق خلقه، ويحسن عمله في كل ذلك.



وقد افتتح تعالى أول آية في سورة النساء التي اشتملت على حقوقه وحقوق عباده، بذكر اسمه الرقيب، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)}. [النساء] لحض قارئها على التزامه بما ذكر في السورة من الأحكام، مستحضراً هذه الرقابة التي يعلم بها أن الله تعالى سيحاسبه على ما يأتي منها وما يذر. ورقابة الله تعالى هي معنى ما سمَّاه العلماء بالواعظ الأكبر والزاجر الأعظم، بأن يستحضر المسلم في كل أحيانه علم الله المحيط بكل شيء، وأن كل ما يقوله أو يعمله أو يهم به لا يخفى على الله منه شيء.



إن المسلم معرض لوسوسة الشيطان وإغوائه، حسداً منه لبني آدم، كما حسد أباهم آدم الذي أغواه فتاب إلى ربه، ولهذا يحتاج المسلم ـ بل يضطر ـ إلى تذكيره بمخاطر عدوه إبليس، وإلى تذكره دائماً بأن الشيطان له بالمرصاد، ولا ينجيه منه إلا لجوؤه إلى الله تعالى يستعيذ به من عدوه، ويجاهد نفسه على طاعة ربه مخلصاً له عمله متبعاً فيه رسوله ‘، وإلا ضلَّ وهلك وصار من حزب عدوه الذي أمر الله عباده بعداوتهم له والبعد عن طاعته؛ لأنه لم يفتأ يسوس لهم ليضلهم ويوقعهم فيما وقع فيه من غضب الله فيكون مصيرهم كمصيره النار، كما قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.[فاطر 6]



وعداوة الشيطان ووسوسته لا تفارق الإنسان في أي لحظة من لحظات عمره، كما صرح هو بذلك: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)}. [الأعراف]



ولا يوجد أي سلاح يرافق المؤمن في كل تلك اللحظات إلا المراقبة الذاتية، وهي استحضار مراقبة ربه له "الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم".

فإذا استحضرَ المؤمن هذا السلاح عند وسوسة هذا العدو واستعاذ بالله منه هزمه، وقد يستجيب لإغوائه لحظة من اللحظات بالعزم على المعصية أو ارتكابها فعلاً، ولكنه يذكر هذا الرقيب، فيتوب إلى الله ويستغفره ويعود مسرعاً إلى رشده، فيكون كمن فقد بصره لحظة فعاد إليه سريعاً فإذا هو مبصر: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}. [الأعراف 201]



ولا توجد غير هذه المراقبة أي وسيلة، أو سبب من الأسباب، يلازم الإنسان ملازمة كاملة دائمة، تحمله على الدوام على الطاعة وترك المعصية، لأي سلطة قانونية أو قضائية أو تنفيذية ولا لجنة أمر بمعروف ونهي عن منكر؛ لأن الإنسان يستطيع أن يحتال على كل سلطة أو قانون ويفلت منها، بخلاف مراقبة الله تعالى إذا ما غرست في نفس المؤمن، فإنه يشعر بأنها لا تغيب عنه لحظة واحدة.



فهذا رسول الله ‘ الذي أمره الله تعالى، أن يبلغ أمره إلى أمته ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فنفذ أمر ربه في التبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول والفعل في حياته فيما وقف عليه بنفسه، ولكنه لا يقدر على مراقبة أحد غاب عنه من أمته في حياته وبعد مماته، ولا يطيع أمره ويترك نهيه إلا من أحبه أكثر من حب كل شيء حتى نفسه، امتثالاً لأمر عالم الغيب والشهادة.



فقد أمر الله تعالى رسوله ‘ بتبليغ رجال هذه الأمة ونسائها بِغَضِّ أبصارهم وحفظ فروجهم، فبلغهم كتاب الله، الذي أنزله، كما قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ..(31)}. [النور]



وأكد ذلك بسنته القولية، تنفيذا لقوله تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا... وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ} كما روى بريدة عن أبيه قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: (يا علي لا تتبع النظرة النَّظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة). [رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.]



كما أكد ذلك بسنته الفعلية أيضاً، ففي حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه. قال: (نعم). وذلك في حجة الوداع" [البخاري ومسلم]



ولكنه صلى الله عليه وسلم، لم يكن ملازماً لكل فرد من أفراد أمته، يأمره وينهاه بالقول - مشافهة - والفعل، وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وبقي مع كل مسلم ومسلمة الرقيب الحي عالم الغيب والشهادة، الذي قال لنبيه ‘: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)}. [الرعد]



فكلما همَّ المسلم أو المسلمة بمخالفة ما أمر الله رسوله بتبليغ أمره ونهيه، انتفض قلبه مستشعراً قول الباري تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)}. [غافر] وقوله: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7. [طه]



ما يعين على غرس رقابة الله الدائمة في نفس المؤمن:



والذي يعين على غرس المراقبة الدائمة لله تعالى، التذكير بما ورد في ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتذكر ذلك باستمرار.

وقد تنوعت أساليبهما في كتاب الله:



النوع الأول: ما ذكره الله تعالى عن نفسه أنه لا يوجد عنده غيب كما يوجد عند المخلوقين الذين لا يعلمون إلا ما علمهم الله، مهما بلغوا من العلم الذي نالوه، فإن ما يعلمونه من عالم الشهادة في غاية الضآلة بجانب ما غاب عنهم، كما قال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7. [الروم]



أما الخالق سبحانه، فلا فرق عنده بين ما هو من عالم الغيب وما هو من عالم الشهادة عند خلقه، كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}.[في سور كثيرة من كتابه، كسورة الأنعام (73) وسورة التوبة (94)، و(105) وسورة الرعد (9) وسورة الزمر]



النوع الثاني: ما ذكره تعالى من إحاطة علمه بكل شيء، مثل قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}.[الطلاق 12] وقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. [البقرة 29]وغيرها.



النوع الثالث: أنه تعالى فصل لعباده ذلك العموم بذكر أمثلة جزئية في الكون، تبين لهم أنه عالم بكل جزئية فيه، صغرت أم كبرت؛ لئلا يتوهموا أنه يعلم فقط الكليات، كما قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}. [الأنعام 59]



النوع الرابع: علمه بالكليات والجزئيات في الإنسان:



وقد ذكر تعالى كمال علمه وشموله فيما يعمله الإنسان، مع أن تفصيله السابق في آية الأنعام وما شابهه ـ وهو كثير ـ لو تأمله العاقل كفاه شمولاً لأعماله وتصرفاته، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ?لْوَرِيدِ}. [ق 16]



وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(7)}. [المجادلة]



ومع كمال علمه تعالى الشامل بتصرفات الإنسان، خصَّ علمه بما قد يظن الإنسان أنه مخفي في داخل قلبه لا يطلع عليه أحد، كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)}. [آل عمران]



النوع الخامس: أنه تعالى بيَّن أنه يترتب على معرفة شمول علمه لكل شيء، خوف المؤمنين من ربهم العالم بأسرارهم، في حال خلواتهم من المخلوقين، ليقينهم أنهم مهما غابوا عن الخلق، فإنهم لا يغيبون عن الخالق، فيلازمون طاعته ويبتعدون عن معصيته. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14) }. [الملك]



على عكس حال المنافقين الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله قال تعالى عنهم: {يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً}.[النساء 108]



النوع السادس: أنه تعالى جعل كل عضو من أعضاء جسم الإنسان يسجل عليه ما يأتي وما يذر، لتأتي يوم القيامة ـ وقد كانت صامتة في الدنيا ـ شاهدة عليه بذلك ناطقة به، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ(23)}. [فصلت] وقال تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)}. [يس]



وإذا كان الكفار أعداء الله، قد حاربوا الله تعالى، وحاربوا رسله وكتبه ودينه، ولم يصدقوا في الدنيا ما أخبرهم به، وتوعدهم عليه، واقترفوا ما اقترفوا من الفواحش وأنواع المنكرات، وأعضاؤهم تسجل عليهم من حيث لا يشعرون، حتى إذا جاءهم اليوم الموعود وشهدت عليهم بكل ما عملوه، تعجبوا وأنكروا على جلودهم شهادتها عليهم، إذا كان الكفار كذلك، فالمؤمنون بخلافهم آمنوا بربهم وبرسله وكتبه وبما أخبرهم به، ومنه علمه بسرهم وعلانيتهم، ولهذا يكونون دائماً مراقبين ربهم، يعلمون أن جلودهم تسجل عليهم أعمالهم، فيكون ذلك أكبر واعظ لهم وأعظم زاجر.



النوع السابع: أنه تعالى أخبر عباده بأنه مع إحاطة علمه بتصرفاتهم أرسل عليهم حفظة من ملائكته، يكتبون أعمالهم وأقوالهم ومكنهم من معرفة ما يريدون فعله أو تركه في قلوبهم، فلا يزالون يسجلون عليهم ذلك، ليقرؤوه يوم القيامة في صحائفهم، فأما الكفار فلا يتعظون بذلك ولا ينزجرون، حتى يأتي اليوم الذي تبلى فيه السرائر، قال تعالى: { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)}. [الزخرف] وقال:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ(12)} [الانفطار]. {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23)}.[ق] أي هذا ما عندي من كتابة عمله معد محفوظ.



وقال صلى الله عليه وسلم، في حديث جبريل: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). [البخاري (6/20) ومسلم (1/37)] .والإحسان هو إتقان العمل.



قال الحافظ في شرح الحديث في الفتح: "وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها، ومراقبة المعبود وأشار في الجواب إلى حالتين: أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى أنه يراه بعينه، وهو قوله كأنك تراه أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل وهو قوله فإنه يراك وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته".



وقال صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت). [الترمذي (4/355) وقال: حسن صحيح، والدارمي (2/231).] قال الشيخ المبارك فوري في شرحه للحديث: "قَوْلُهُ: (اتَّقِ اللَّهَ) أحسنْ بِالإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالانْتِهَاءِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ, فَإِنَّ التَّقْوَى أَسَاسُ الدِّينِ وَبِهِ يَرْتَقِي إِلَى مَرَاتِبِ الْيَقِينِ (حَيْثُ مَا كُنْتَ) أَيْ فِي الْخَلَاءِ وَفِي النَّعْمَاءِ وَالْبَلاءِ, فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِسِرِّ أَمْرِكَ كَمَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى ظَوَاهِرِكَ, فَعَلَيْكَ بِرِعَايَةِ دَقَائِقِ الأَدَبِ فِي حِفْظِ أَوَامِرِهِ وَمَرَاضِيهِ, وَالاحْتِرَازِ عَنْ مَسَاخِطِهِ وَمَسَاوِيهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13677722

عداد الصفحات العام

297

عداد الصفحات اليومي