{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(014)سافر معي في المشارق والمغارب: :: (013)سافر معي في المشارق والمغارب :: (012)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011)سافر معي في المشارق والمغارب :: (010)سافر معي في المشارق والمغارب :: (09)سافر معي في المشارق والمغارب :: (08)سافر معي في المشارق والمغارب :: (07)سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(029)سافر معي في المشارق والمغارب

(029)سافر معي في المشارق والمغارب

السفر من جاكرتا إلى هونغ كونغ:

وفي الساعة السابعة إلا ربعاً من يوم السبت22 /9/1400ه ـ 4/8/1980م ذهبنا إلى مطار جاكرتا، وبعد الفراغ من الجمرك والجوازات ودعنا الأخ عبد الله باهرمز، فدخلنا إلى قاعة الانتظار ثم صعدنا إلى الطائرة التي أقلعت في الساعة الثامنة والدقيقة الخمسين، وجالت بنا فوق مدينة جاكرتا، ذات المنازل القصيرة المسنمة، وتُرى العمارات الكبيرة المتناثرة هنا وهناك.


ملحوظات الرحلة الأولى لإندونيسيا ينبغي تسجيلها:

وحيث إن هذه النظرة من نافذة الطائرة إلى مدينة جاكرتا عاصمة الشعب الإندونيسي هي النظرة الأخيرة في هذه الرحلة، فإنه لا بد من إبداء بعض الملحوظات التي خطرت لي لأهديها لهذا الشعب المسلم، ولكل قادر على مساعدة المسلمين فيه على حفظ دينهم والسعي في تمسكهم به.

الملحوظة الأولى: الولاء: لـ(البانتشاسيلا).

1 ـ إن هذا الشعب هو أكثر الشعوب الإسلامية عدداً، ومنظمات هذا الشعب الإسلامية - على قلة إمكاناتها- تكافح وتناضل من أجل نشر مبادئ الإسلام وتثبيت قواعده لالتفاف هذا الشعب حوله، والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، الولاء الذي يجب أن يتميز به المسلم عن غيره، وإلا لما كان هنالك فرق بينه وبين غيره ممن تتعدد ولاءاتهم، قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ(56)} [المائدة]. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51)} [المائدة].

وهذا الولاء يجمع المسلمين في كل أقطار الأرض، فالمؤمن في الفلبين ولي المؤمن في أمريكا، و المؤمن في مكة ولي المؤمن في باريس ولندن، والشعوب الإسلامية بعضها أولياء بعض، لا فرق بين شرقي وغربي ولا بين عربي وعجمي.

وعندما كان هذا الولاء متحققاً في المسلمين، كانوا كلهم أعداء لأعداء الله يدعونهم إلى الله، ويجاهدون من كفر بالله حتى كان الابن يقتتل هو وأبوه في معركة واحدة، وكذلك الأخ وأخوه، والقريب مع قريبه مهما كانت القرابة، حتى جعل الله كل علاقات الإنسان من مال وقرابة وغيرهما في كفة، وجعل تعالى طاعته والجهاد في سبيله ومحبته في كفة أخرى، من رجح الكفة الأولى على الثانية كان فاسقاً بعيداً عن هدى الله مستحقاً لوعيده في الدنيا والآخرة.

ومن رجح كفة الله في علاقته به،على علائقه كلها كان ولياً لله مهتدياً مستحقاً نصره ورضوانه، كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)} [التوبة].

وعندما كان هذا الولاء متحققاً في الأمة الإسلامية، حقق الله للمسلمين العزة والنصر والغلبة على أعدائهم، على الرغم من كثرتهم وكثرة عددهم، وعندما ضاع هذا الولاء وحلت محله ولاءات أخرى لشعارات جاهلية باسم الأرض، أو باسم الجنس أو باسم أي مبدأ آخر تفرقت كملة المسلمين فصارت كل طائفة توالي هذه الأرض أو هذا الجنس أو هذا المبدأ، أذلهم الله وأذهب شوكتهم وأنزل الرعب في قلوبهم بدلاً من إنزاله في قلوب أعدائهم.

وقد أدرك أعداء الله الكافرون أن ولاء المسلمين بعضهم لبعض، إذا تحقق أخضع الله به لهم راية الكفر ورفع لهم راية الإسلام، وإذا تشتت هذا الولاء دب فيهم الضعف والوهن وكانوا أذناباً لغيرهم من أمم الكفر، فوضعوا خطتهم لإيجاد شعارات كثيرة تتعدد لها ولاءات الشعوب، كما وضعوا شعارات كثيرة في داخل الشعوب، تتعدد لها ولاءات الأحزاب والجماعات.

وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح عندما جعلوا العرب وهم حملة رسالة وأهل الولاء الأصيل لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين، يتركون الدعوة إلى الولاء لكلمة التوحيد وينادون بالولاء للجنس أو القوم ورفعت راية القومية العربية بدلاً من الجامعة الإسلامية.

وهكذا أصبح لكل شعب من شعوب المسلمين راية قومية يدعون لها ويلتفون في الظاهر حولها، هذا تركي وهذا هندي، وهذا إفريقي وهذا إندونيسي حتى أصبح بعض المنتسبين للإسلام لو رأى كتاب الله يداس بالأقدام أو كلمة لا إله إلا الله يستهان بها لم يتحرك قلبه ولم يتغير وجهه غضباً لذلك، ولكنه لو رأى علم بلاده وقد رسم فيه حيوان أو غيره ينزل من مكانه ضاق بذلك ذرعاً وغضب وعمل كل ما يقدر عليه للانتقام ممن فاعل ذلك بعلم بلاده.

والحكام الذين لا يريدون الإسلام أو يخافون من انتشاره وسيطرة أحكامه على نفوس شعوبهم، يحاولون إيجاد كل الوسائل لإحداث شعارات ومبادئ وطقوس يحلونها محل لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويدعون طوائف شعوبهم على اختلاف أديانهم لموالاة بعضهم بعضاً على أساس تلك الشعارات أو المبادئ، ويوهمونهم أن في ذلك عزتهم وقوتهم وأن ولاءات الدين تغرق الشعوب وتضعفها.

وهذا المعنى هو الذي يظهر من المراد بأول مبدأ من المبادئ الخمسة الإندونيسية التي تضمنها شعار: "البانتشاسيلا" على الرغم من التحفظ الذي يبدو في أسلوب الشارح باللغة العربية.

المبدأ الأول: الربانية المتفردة.

قال المعلق: "ولقد وضع الشعب (مبدأ الإيمان بالربانية المتفردة) في المقام الأول من فلسفة حياته ويعتنق الشعب طائفة من الأديان، فهناك من يدينون بالإسلام، وهناك من يدينون بالنصرانية، ومن يدينون بالهندوكية، أو البوذية أو غير ذلك من المعتقدات.

المبدأ الثاني: الإنسانية العادلة المهذبة..

والمقصود بها ولاء الإنسان لأخيه الإنسان، بصرف النظر عن الدين والعقيدة والخلق. وهي دعوى نظرية يصعب تطبيقها على الرغم من اصطدامها بأصل من أصول الإسلام وهو موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وأول ما تصطدم به هو:

المبدأ الثالث: الوحدة القومية الإندونيسية..

فالوحدة ليست إنسانية وإنما هي إندونيسية وكم من الأقوام يدعون وحدة منسوبة إلى أرضهم أو جنسهم كالوحدة القومية العربية؟ ثم الوحدة المدعاة بين شعبين، ثم الوحدة المدعاة لشعب بعينه، ومع تلك الدعاوى تجدهم متنازعين متحاربين، كل طائفة تبيت الشر للأخرى.

المبدأ الرابع: سلطة الشعب الموجَّهة بالحكمة والحصافة في الشورى النيابية.

وهذا المبدأ يصطدم اصطداماً مباشراً مع مبدأ الطاعة المطلقة لله وحده، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالسلطة في الدين الإسلامي، هي سلطة من يستمد حكمه من اختيار أهل الحل والعقد لتلك السلطة، على أساس إقامة شرع الله الصادر عن كتابه وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، وإن كان أولو الأمر يجتهدون في تطبيق النصوص الإسلامية إذا لم يرد بصفة معينة، كما أنهم يجتهدون في قياس ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59)}[النساء].

وفي نص هذا المبدأ خداع للشعب، حيث أسندت السلطة إليه، ولكن سلطته موجهة بالحكمة والحصافة، فمن صاحب الحكمة والحصافة الذي يوجه بهما سلطة الشعب؟! إنه في الحقيقة الحاكم الفرد المستبد الذي يخادع الشعب بالحكم النيابي الصوري الذي لا يخرج عن طاعته.

ولو فرضنا أنهم خالفوه في بعض أمره، فإنما يخالفونه بحسب رغباتهم وأهوائهم، فيكون هوىً مخالفاً لهوى. وإن القانون الذي يحكم به الشعب هو قانون يصادم عقيدة الشعب ودينه الذي كلفه الله العمل به وتطبيقه وتحكيم شرعه.

المبدأ الخامس: العدالة الاجتماعية لكافة الشعب الإندونيسي...

وهذا المبدأ مبني على المبادئ الأولى التي منها المبدأ الرابع الذي يجعل السلطة للشعب والمقصود أفراد من الشعب يغلبهم الهوى والجهل فيظلمون الشعب ويسمون ظلمهم عدالة.

وبعد أن ذكر الشارح إلى هذه المبادئ صرح بأنها هي الأساس والمنطلق في السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية والتعليم ومختلف النشاطات الاجتماعية الأخرى.

فالشعار بهذا المفهوم هو مصدر النشاط الإندونيسي، وكأنه يقول إذا كان المسلم مأمورا أن يقول: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)}[الأنعام] فإن الإندونيسي مسلماً وغير مسلم يجب أن يقول: إن نشاطي كله لـ(البانتشاسيلا). وقد رحب بهذا الشعار غير المسلمين، كما نص أن المؤتمرين النصارى أيدوا البانتشاسيلا في مؤتمرهم.

أما المسلمون فمنهم الجاهل الذي لا يفرق بين الجمرة والتمرة، إلا بعد الندم ولات ساعة مندم. ومنهم الذي ضعف إيمانه فيحاول التوفيق بين هذه المبادئ وبين الإسلام بطرق معوجة وتحريف الكلم عن مواضعه، على حد من وصفهم الله في كتابه، وهو علام الغيوب: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً(63)}[النساء].

ومنهم من ينكر ويبصِّر ولو أحاطت به الأخطار ويقول: {حسبنا الله ونعم الوكيل} كما قال إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

ومن الأدلة الواضحة أن هذا الشعار قصد به صرف المسلمين عن ولاء الله ورسوله والمؤمنين أن رئيس الجمهورية (سوهارتو) يصرح في كل مناسبة أن إندونيسيا لا دينية ومن ذلك تصريحه في مؤتمر الإعلام الإسلامي الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في جاكرتا. فقد قال: إننا نرحب بكم في إندونيسيا وإن كانت دولتنا لا دينية والشعار يمثل ذلك ويدل عليه.

وهذا يوجب على علماء الإسلام أن تكون تربيتهم لأبناء المسلمين مبنية على أصل العبودية لله تعالى الذي له وحده الألوهية المطلقة، وأن يؤصلوا هذا في نفوسهم معنى الموالاة والمعاداة في الله التي اهتم بها علماء السلف وألفوا فيها المؤلفات لعلمهم بما يترتب على ذلك من ترابط المسلمين وقوتهم.

ولقد أثبت تطبيق هذه المبادئ فشل صحة جعلها أساساً لحكم الشعب الإندونيسي المسلم، بدليل الأزمة الأخيرة التي فضحت الحاكم وحاشيته وملأه وأساس حكمه، فسقط مكرها بضغط الشعب الذي حكمه بغير دينه وعقيدته [كان سقوط الرئيس سوهارتو من منصبه يوم الخميس: 21 مايو 1998م.]. هذه هي الملحزظة الأولى للشعب الإندونيسي.

الملحوظة الثانية: إن الجمعيات والمنظمات الإسلامية تبذل جهوداً قوية لتحصين أبناء المسلمين من الكفر بأنواعه: النصراني والشيوعي والباطني الخرافي على الرغم من قلة الإمكانات المادية، والذي يؤخذ على كثير من علماء هذه الجمعيات السكوت عن كثير من المنكرات التي حرمها الإسلام، إذ يكتفي الكثير منهم بالمواعظ العامة ولا يمسون الجوانب السلوكية كالسفور بالنسبة للمرأة، والاختلاط (اختلاط الرجال بالنساء) في المدارس والجامعات والمجامع العامة مع وجود الإغراء ووسائل الفتنة وغير ذلك فيما لا يجوز السكوت عليه.

[كان هذا السكوت في ذلك التاريخ 1380 ه حيث كانت السلطة تخيف من يأمر وينهى من المسلمين، أما الآن ونحن في سنة 1426ه فقد اختلف الأمر وانتشر الإسلام وتمسك كثير من الناس رجالا ونساء، وأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائماً، وإن كان المزيد منه مطلوباً] كما أن بعض المؤسسات - على الرغم من قيامها على أساس الإسلام - يوجد هذا الاختلاط فيها وكذلك اللباس غير الساتر، وهذا ما رأيته في كثير من المقاطعات التي زرتها ووجدنا بعض الشباب المتحمس يشكو من سكوت كبار علمائهم عن هذه الأمور وينتقدونهم.

الملحوظة الثالثة: ثقة المسلمين في إندونيسيا بالمسلمين العرب.

وهذه الثقة جعلتهم ينظرون إلى العرب الذين يزورونهم نظرة احترام ومحبة، وقد يدعوهم ذلك إلى الاقتداء بهم، وكثير من العرب الذين يزورون تلك البلدان، لا يلتزمون بأمور الإسلام ولا يجتبون نواهيه، وقد يظن الجهال في الشعوب الإسلامية أن تصرفات هؤلاء العصاة من الإسلام.

ومما ذكره لي بعض الشباب - منكراً له - أن بعض كبار الموظفين من بعض البلدان العربية المهمة كان يصطحب معه قرينته التي ما كان لباسها لا يختلف عن لباس المرأة النصرانية أو غير الملتزمة بالدين والخلق، وكان هؤلاء الشباب مستائين جداً من هذا التصرف الذي كانوا يودون أن يحصل عكسه وهو الالتزام بالإسلام، وآدابه ليكون ذلك حافزاً للفتيات الإندونيسيات على الاقتداء به.

ومما يدل على ثقة المسلمين بالشعوب العربية أن الطلبة الذين يجيدون اللغة العربية يجتمعون أمام الجدران التي تعلق عليها الصحف العربية لقراءتها بشغف، مع أن تلك الصحف يصدر أكثرها من دول عربية معادية للإسلام وصحفها تحمل أفكار زعمائها. لهذا كله فإنه ينبغي أن تهتم الدول التي تدين بالإسلام ببعث الكتب الإسلامية والجرائد والمجلات الإسلامية، لتملأ الفراغ الذي جعل لصحف أعداء الإسلام رواجاً هناك.

ويجب كذلك أن يتقي الله زوار تلك البلدان من الشعوب العربية، ولا سيما الشعوب التي ينظر إليها المسلمون في العالم أنها القدوة، فيلتزموا بالإسلام ولا يكونوا دعاة شر وفساد بأعمالهم السيئة.

الملحوظة الرابعة: مسؤولية الجامعات الإسلامية عن هذا الشعب.

ينبغي للجامعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية في الشعوب العربية أن تقوي صلاتها بالجامعات والمؤسسات الإسلامية في إندونيسيا، بتبادل الزيارات والإكثار من المنح الدراسية الشاملة بمعنى أن يكون الطلاب من جميع مناطق الجزر الإندونيسية لا من منطقة دون أخرى، وإن كان لا يمنع ذلك أن تكون الكثرة من بعض المناطق لاعتبارات راجحة. وكذلك ينبغي أن تخصص إعانات مالية لمساعدة تلك الجامعات والمؤسسات وكتب علمية مفيدة، وغير ذلك مما يرفع معنويات المسلمين هناك الذين يواجهون تيارات مدعومة من دول ومؤسسات ضد مبادئ الإسلام.

الملحوظة الخامسة: ترجمة كتب إسلامية مفيدة.

ينبغي أن تختار كتب ورسائل إسلامية مفيدة وتترجم إلى اللغة الإندونيسية، وتطبع في داخل إندونيسيا لتوزع إلى الجمعيات والمؤسسات الإسلامية هناك، بدون مقابل أو تباع في الأسواق بأثمان رخيصة.

واقترح مبدئياً الكتب الآتية:
1 ـ كتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
2 ـ السياسة الشرعية له.
3 ـ الحسبة في الإسلام له.
4 ـ اقتضاء الصراط المستقيم له.
5 ـ كتاب الصلاة لابن القيم.
6 ـ مفتاح السعادة له.
7 ـ زاد المعاد له.
8 ـ تحفة الودود في أحكام المولود له.
9 ـ جامع العلوم والحكم لابن رجب.
10 ـ الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (وقد ترجم كتاب التوحيد الشيخُ باي عارفين أحد علماء سورابايا ويمكن النظر في هذه الترجمة فإذا كانت صحيحة طبعت وهو كتاب مطبوع أخذنا منه نسخة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة).
11 ـ مبادئ الإسلام للأستاذ المودودي.
12 ـ تذكرة دعاة الإسلام له.
13 ـ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للأستاذ أبي الحسن الندوي.
14 ـ رسالة التعاليم للأستاذ حسن البنا.
15 ـ رسالة إلى أي شئ ندعو الناس له.
16 ـ خصائص التصور الإسلامي لسيد قطب.
17 ـ منهاج التربية الإسلامية (بقسميه) لمحمد قطب.
18 ـ كتاب التوحيد (بجزئيه) له.
19ـ كتاب توحيد الخالق بأجزائه الستة للشيخ عبد المجيد الزنداني.
وبتوحيد الخالق -سبحانه - استودعك الله يا إندونيسيا، راجياً أن تهيمن كلمة الله على كل جزء من أجزائك، وأن يحملها كل قلب من قلوب أبنائك مجاهداً في سبيلها موالياً من والاها معادياً من عاداها ـ {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون(33)}[التوبة].

كتبت هذه الملحوظات بعد أن أقلعت بنا الطائرة من مطار جاكرتا إلى هونغ كونغ يوم السبت 22/9/1400ه ـ 4/8/1980م، وهذه آخر حلقات الزيارة الأولى لإندونيسيا، وإلى الحلقات الأخرى من الرحلات الأخرى لها، والحمد لله رب العالمين. وقد ذكرت ما تم في زيارة هونج كونج في حلقات الرحلة العالمية التي تمت في أول زيارة لأمريكا وما تبعها من البلدان الأخرى، كما سبق.






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8731470

عداد الصفحات العام

220

عداد الصفحات اليومي