{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(054)سافر معي في المشارق والمغارب :: (53)سافر معي في المشارق والمغارب :: (53)سافر معي في المشارق والمغارب :: (052)سافر معي في المشارق والمغارب :: (051)سافر معي في المشارق والمغارب :: (050)سافر معي في المشارق والمغارب :: (049)سافر معي في المشارق والمغارب: :: (048)سافر معي في المشارق والمغارب :: (047)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(030)سافر معي في المشارق والمغارب

(030)سافر معي في المشارق والمغارب

عروس تهَدِيها عرائس!

وأخذت الطائرة التي أقلعت من جاكرتا إلى هونغ كونغ تنهب الجو نهبا، فوق المحيط الهادي، الذي كانت قوافل السحاب تتناثر بيننا وبينه، فظهر البحر بها كبساط أزرق مائل إلى الخضرة، وشْيُه أبيض، وكنا نشاهد قوافل الأمواج الهائجة صفوفاً يتبع بعضها بعضاً، كما كانت السحب الخفيفةُ الحملِ طائرة فوق الطائرة سائرة إلى حيث أمرها الله، وبدا القمر على يسارنا على شكل نصف دائرة، والسحب العالية تحجبه عنا تارة وتنكشف عن وجهه تارة أخرى.

حقاً لقد كانت مناظر عجيبة، ولقد شبهت طائرتنا، وهي تسير في هذا الجو بالعروس التي تهديها عرائس، وهي جميلة، وكل واحدة منهن أجمل، وزاد جمالها على جمالهن بسبب وقوعها في وسطهن مثل البدر الذي أحاطت به هالته.

وكنت لا أدري إلى أين التفت لأتمتع بتلك المناظر التي قد لا تحصل لمسافر - هكذا مجتمعه - شمس ساطعة، وسحب جميلة متفرقة، على بحر أمواجه هائجة ترى من بعد كصفوف المصلين ذوي اللباس الأبيض، وقمر يداعبه السحاب فيحجبه تارة ويكشف عنه أخرى! الله أكبر ما أعظم خالق هذا الكون الجميل المنسق الذي يتعاون تناسقه على جماله!

ولو أن بني البشر تعاونوا فيما بينهم على حياة سعيدة في هذه الدنيا، فآثر بعضهم بعضاً، وكف بعضهم ظلمه عن بعض، وبذل كل واحد وسعه في إيجاد الأمن والاستقرار، واجتهد أولياء الله في نشر دينه وإعلاء كلمته، فأمن الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم لاكتمل الجمال جمال الحياة البشرية بجمال الكون العظيم: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60)}[النمل].

وبدأت تظهر بعض الجزر المستديرة التي تشبه قصعات الطعام الموضوعة على طاولة مكسوة بالجوخ الأخضر، وصغارها تبدو كعيون البقر، والمحيط الهادي يحتضنها من جميع جوانبها ولم يغمرها.. يا الله.. ما الذي يمنعه عنها غير خالقها وخالقه.

وظهرت جزر مكسوة بالغابات: جبالها وسهولها، وهي تفاخر البحر المحيط بها بملابسها الموشاة بالزهور المختلفة، وكأنها تقول للبحر: إذا كنت تجود للناس بأسماكك ولآلئك بعد أن يقتحموا الصعاب ويتجشموا الأخطار، ومنهم من لا ينجو من قسوتك وعنفوانك على الرغم من إتعاب أنفسهم في اتخاذ وسائل الوصول إليك، فإني أمد يدي بالخير لكل الناس قويهم و ضعيفهم بثمر النارجيل، والموز والبرتقال والباباي والتفاح والأناناس وغيرها، بدون مشقة ولا خطر، ثم جاء قوس قزح ليشارك بألوانه الجميلة فأضاف إلى الجمال جمالاً...

الحمد لله!

وفي هذا الجو الممتع المريح الذي يربط المخلوق بالخالق ذكرنا المضيفون بقول الرسول صلى الله عليه وسلَّم (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فقد كنا فعلاً -ـ ولكن القليل منا - نتمتع بالفطرة ونشعر بالغبطة والسرور، ولكن المضيفين بدأوا يغلقون النوافذ من أجل عرض فيلم الرحلة الثقيل (وأفلام الرحلات كلها ثقيلة علينا) ولعل القارئ يدرك من عاطفتي مع الكون ورغبتي في صحبته باستمرار أن غلق النافذة بالنسبة لي يعتبر يعد شبيها بالسجن.

وأخذت أقرأ بعض الجرائد السعودية التي حصلت عليها من مكتب الأخ الشيخ عبد العزيز العمار في جاكرتا، وكان الفيلم قذراً في ميزان ذوي العقول ولا سيما عند المسلم، ولذلك قال الشيخ عبد القوي: يعملون هذا وهم في الجو ما يخافون من ربهم! قلت: إن الله يمهلهم ولا يهملهم وهو من ورائهم محيط [وقد يعذر هؤلاء الناس الذين لا يدينون بدين الإسلام، ولكن الأخطر من ذلك ما يعرضه المسلمون في الطائرات من الأفلام السيئة، وهم -كما قال الشيخ -: يعملون هذا وهم في الجو! ].

وبعد أن قرأت بعض أخبار الجرائد ومقالاتها أخذتني غفوة سمعت على أثرها الشيخ عبد القوي وهو يقول: الحمد لله، فنظرت إلى الفيلم فوجدت أنه انتهى فقلت مثل الشيخ: الحمد لله، وفتحت النافذة ورجعت إلى كتاب الله المنظور. وعلى الرغم من بعد المسافة بيننا وبين البحر فإن أثر هياجه كان واضحاً في بياض الماء الذي كان كل صف منه يتبع الآخر على أثر ارتطام أمواجه بعضها ببعض.

ويخلق ما لا تعلمون!

رأيت باخرة كبيرة، وهي تمخر عباب المحيط، وقد امتد وراءها انخفاض واضح كأنه واد بين جبلين - وهو الأثر الذي حدث من شقها طريقها في البحر - فأحسست بطارق ينبهني إلى آيات الله القرآنية الواردة في تسخير الله تعالى لهذا الإنسان السماء والأرض والبحر وغيرها. كقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)34)}[إبراهيم].

وقوله تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8)} إلى قوله تعالى:{وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(14)} [النحل].

إن من حكمة الله في هذا التسخير لهذه النعم لهذا الإنسان، هي أن تعم رحمته خلقه وأن يشكر هذا الإنسان الخالق المنعم،{وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. ولكن هذا الإنسان - إلا من شاء الله - كلما زاده الله من نعمه زاد طغيانه وتمرده، {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(34)}[إيراهيم].

ويرى العاقل هذا الظلم وهذا الكفران في هذا الإنسان في سفره في الجو وفي البحر وفي البر، وفي الحضر وفي كل مكان، قد غفل - أو مات قلبه - عن التفكير في نعم الله التي يجب أن تطرق قلبه في كل وقت ليعود إلى المنعم فيعبده ويشكره. وعدد البواخر التي شاهدتها في المحيط في هذه الرحلة أكثر من عشر كانت الأولى أكبرها.

مظاهرة ربانية مؤثرة!

وكان منظر السحاب في هذا الوقت - يأخذ بالألباب - وقد شبهته بعدة تشبيهات حسب الحالة التي رأيته عليها: فشبهته مرة بصفوف المصلين الذين اجتمعت حشودهم في مصلى العيد في الصحراء - كما هي السنة - كل إنسان بجنب صاحب، وكل صف وراء أخيه وهكذا كان السحاب: كل سحابة بجانب أختها، وكل صف من السحاب وراء الصف الذي قبله. ورأيته تارة على هيئة مخيم الحجيج في منى، وقد ربطت كل خيمة في وتد أختها وبين كل جملة من الخيام وأخرى ممر. ثم بدا لي - تارة أخرى - كأنه مدينة واسعة، ذات قصور عالية متناسقة خططت شوارعها بحكمة وإتقان، إلا أنه لا يوجد في تلك الشوارع الزرقاء إلا تتابع الأمواج الهادرة، ومساحة هذه المدينة لا تقاربها مساحة أي مدينة من مدن العالم البشرية.

وآخر قافلة رأيتها كانت تشبه أسراباً من الطائرات الحربية تحلق فوق هذه الأجواء الواسعة، إلا أنها لا تلقي قنابل النابالم المحرقة، ولا تقذف الصواريخ المدمرة وإنما كانت ـ تقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وكأنها في مظاهرات عارمة ضد الملحدين: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(105)}[البقرة].
وشاهدت جزيرة صغيرة من اليابس تحيط ببحيرة صغيرة من الماء وأمواج المحيط الهادي تتلاطم حولها، وهما على هيئة قذيفة صاروخية، ورأيت خضرة على اليابسة تشبه العشب لم أتبين ما هي لبعدها. والظاهر أن البحر يغمر هذه الجزيرة عندما يشتد هياجه، فتغدو كلها تحت أمواجه، ويولي عنها عند جزره وهدوئه - النسبي - فتنكشف مرتفعاتها ويبقى البحر الصغير - البحيرة - في وسطها.

ثم أخذت الطائرة في الهبوط رويداً رُويدا فرأينا الجبال القريبة من هونغ كونغ في وسط البحر، ورأينا القوارب الصغيرة وهي تتحرك في البحر في كل اتجاه مثل الأسماك، وهبطت الطائرة في مطار هونغ كونغ في الساعة الواحدة إلا عشر دقائق بتوقيت جاكرتا الثانية إلا ربعاً بتوقيت هونغ كونغ، فكانت مدة الطيران أربع ساعات كاملة. وبهذا انتهت الرحلة الأولى لإندونيسيا، وما كتبته عن هونغ كونغ مدون في الكتاب الخاص برحلاتها. ويجب التنبيه أن القارئ سيجد في بعض كتب الرحلات التي تكررت زياراتي لبلدانها، تشابكاً في التواريخ والمعلومات، لأني أحاول أن أجمع المعلومات المتناسبة في مكان واحد تقديماً أو تأخيراً، وإن اختلفت تواريخها. فليعلم ذلك.






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8790248

عداد الصفحات العام

462

عداد الصفحات اليومي