{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(014)سافر معي في المشارق والمغارب: :: (013)سافر معي في المشارق والمغارب :: (012)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011)سافر معي في المشارق والمغارب :: (010)سافر معي في المشارق والمغارب :: (09)سافر معي في المشارق والمغارب :: (08)سافر معي في المشارق والمغارب :: (07)سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(05)سافر معي في المشارق والمغارب

(05)سافر معي في المشارق والمغارب

طمس الغربيين الحقائق والغرض منه:

وهنا يرد سؤال مهم جداً، وهو أن يقال: لماذا يتلمس كتاب التاريخ المسلمون من الإندونيسيين وغيرهم، ومن غير المسلمين أيضاً، إثبات دخول الإسلام إلى إندونيسيا من المؤلفات الصينية؟ ولماذا لم توجد كتب عربية تدون دخول المسلمين إلى إندونيسيا، والمسلمون معروفون بالكتابة والتدوين؟ وكذلك لماذا لم توجد مؤلفات إندونيسية تغني عن التماس ذلك من الكتب الصينية؟

والجواب أن المستعمرين الأوروبيين وأساطين المستشرقين والمنصرين الحاقدين على الإسلام والمسلمين، الذين لا ترضى نفوسهم بإثبات أي فضيلة للعرب المسلمين وسبقهم في ميدان الحضارة والتقدم اللذين لم تذقهما أوروبا إلا عن طريقهم، قد حاولوا جاهدين طمس تاريخ الإسلام والمسلمين في إندونيسيا، وإخفاء الحقائق الناصعة التي أبى الله إلا أن تبقى في المآذن والمساجد والمدارس والمعاهد والعلماء من أهل البلد ومن العرب، يرثها اللاحق عن السابق.

وقد نقل السيد علوي بن طاهر الحداد في كتابه: "المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى" ما يدل على سرقة المستعمرين واغتصابهم كل أثر يدل على تاريخ العرب وجهودهم في إيصال الإسلام إلى هذه الجزائر، بل وتحضير أهلها وتثقيفهم وجعلهم يرتقون سلم المجد بسبب دخولهم في الإسلام وأخذهم بمبادئه.

فقال تحت عنوان: "تواريخ جزائر إندونيسيا وما نزل بها من مصائب": "قال الكاتب عبد الله منشي بن عبد القادر في حكايته عن ملك في القرن الثالث عشر الهجري، بما يتضمن ما يلي:

كان يوجد في بلاد الملايو لذلك العصر مجتمع مؤلف من الملايو، والكيلغ والعرب ولفيف مختلف من التجار من الصين وغيرهم، وفي ذلك العصر جمعت هولندا من رياو ولينغا وفاهانغ وترنغانو وكلانتن، كتباً ملايوية وحكايات، نحو سبعين مجلداً". ثم تساءل السيد علوي قائلاً: "إذن فأين هذه المجلدات؟ وإذا كان قد اجتمع من هذا البلدان نحو سبعين مجلداً، فكم اجتمع لها من جاوة وسومطرة وجزائر سيلا وجزائر الملوك؟ إنه لا محالة يبلغ المئات أو الألوف، فأين هي؟

ولما وردتُ إلى جاوة سنة 1341هـ أخذت أبحث عن التواريخ الجاوية، فقيل لي: ينبغي أن لا تفتح فمك بهذا؟ فإن هنا قانونا قد شرعته الحكومة [الهولندية] "أنه يلزم من كان بيده تاريخ خطي أن يسلمه إلى لجنة أقامتها لاستلام ـ لتسلم ـ التواريخ الإسلامية الجاوية". وبعد سنتين زادت في ذلك القانون مادة بأن من وجد عنده تاريخ لم يسلمه للجنة، يحكم عليه بالسجن أو حتى بالقتل. ـ إلى أن قال ـ:

"فإذا نظرنا إلى ما جمعته هولندا من التواريخ وذهب ضياعاً، عرفنا السر الذي نبحث عنه، وهو أن التواريخ الصينية كلها تتحدث عن العرب وبلادهم وتجارتهم ومراكبهم، والكبار ممن ورد الصين منهم ووفود خلفاء الإسلام، ولا نرى لجزائر الشرق الأقصى تاريخاً يذكر ما كان، كأنها ليست على طريق النهضة التجارية أو مسكونة خاملة.

لكن مما ذكرنا وما لم نذكره نعرف أن تواريخ علمائها ومثقفيها، ذهبت إلى حيث لا رجعة، وأخذت من أيديهم على سياسة مبيتة، وهو إحداث تاريخ لهم ملفق، يصغر لهم دين الإسلام وحكومته وتجاره، ومن جاء به، ويقطع بينهم وبين أول أمة نشرته وهم العرب.

قلت: [والمهمة هنا تقع على علماء أندونيسيا المسلمين وطلبة العلم وبخاصة الذين جمع الله لهم بين إتقان اللغة العربية مع الأندونيسية ليحاولوا التفتيش في مكتبات المستعمرين في الغرب لعلهم يجدون شيئاً حفظه الله من الإتلاف المتعمد فيضيء للمسلمين الدرب المظلم من تاريخهم المغتال]

وذكر عبد الله بن عبد القادر منشي في حكايته أن المستر "رافلس" جمع نحو ثلاثمائة مجلد، أما ما وجده البرتغال و الأسبان فأول ما يتبادر إلى الفهم أنه أحرق لوقته، لأن عند هؤلاء قاعدة معلومة أسسها لهم الكاردينال خمنيس.[وهو الذي أمر بإحراق كتب المسلمين في الأندلس عندما غاب نجم الإسلام هناك، وكانت مئات الآلاف في كل منطقة. انظر: المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى، ص: 372-374.]

وقال في موضوع سابق: "على أن بعض المستشرقين المتكلمين على تاريخ دخول الإسلام في الشرق الأقصى، يؤخرون تاريخ دخوله ما استطاعوا، وهذا صادر عن عاطفة تتعلق بفخر اكتشاف الشرق الذي أدركوه، أو راجع إلى عدم الاطلاع على الحقيقة، لأن كتب الإسلام النفيسة والتواريخ الثمينة كلها وقعت بأيديهم، وهم يجعلون أول دخول الإسلام كان إلى سومطرا سنة 694ه ـ1292م وهي السنة التي جاء "ماركوبولو" ويلغون ما سوى ذلك من الدلائل على دخول الإسلام إليها من قبل، ويهملونها إهمالاً كلياً، ومع اكتساحهم تواريخ الشرق الأقصى في محو هذا التاريخ الإسلامي وتحريفه، بقيت بأيدي المسلمين بقية من التواريخ الوطنية والكتب العربية، فيها أخبار صريحة بدخول الإسلام قبل الزمن الذي عينوه تبعاً لـ(ماركوبولو).

[ المرجع السابق، ص: 204-210، هذا مع العلم أن الباحثة الغربية "فرانسيس وود" رئيسة القسم الصيني بمكتبة المتحف البريطاني، قد أنكرت في كتابها "هل ذهب ماركبولو إلى الصين؟" صحة رحلة هذا الرجل إلى الصين، بل قالت: إنه رحلته لم تتجاوز مدينة القسطنطينية والبحر الأسود، وأنه اعتمد في كتابه على المصادر العربية التي كتبها رشيد الدين وابن بطوطة عن تاريخ بلاد الصين وشرق آسيا، وبهذا يسقط الاحتجاج بما ذكره هذا الكاتب الإيطالي عن الإسلام في الشرق الأقصى بأكمله، مجلة المجلة عدد839، ص:68.]
إذًا فالأوروبيين أرادوا من طمس الحقائق التاريخية للإسلام والمسلمين في الجزائر الإندونيسية [والشرق الأقصى عموماً]
ما سبب إخفاء المحتلين تاريخ دخول الإسلام في إندونيسيا؟

وللمحتلين لجزر إندونيسيا، في طمس الحقائق المتعلقة بإخفاء الكتب والوثائق عن وقت دخول الإسلام والدعاة إليه، هدفان:

الهدف الأول: ـ وهو الأهم ـ التقليل من شأن الإسلام والمسلمين، وإقناع الناس بأن المسلمين ليسوا أهلَ سبقٍ في الدنيا والآفاق، وأن الإسلام ليس هو الذي ارتقى بأهل تلك المنطقة في سلم الحضارة والعلم والأخلاق الفاضلة.

الهدف الثاني: إيهام الناس أن الأوروبيين هم أهل السبق في الاكتشاف وارتياد أقاصي الأرض.[ وإذا انطلى هذا التضليل على الجهلة من البشر فإنه لا ينطلي على من له أدنى اطلاع على فتوحات المسلمين ورحلاتهم وحضارتهم، ويكفي أن تراجع في هذا كتاب "حضارة العرب" لغوستاف لوبون الذي بين زيف بني جنسه المفترين على المسلمين.]

الآثار التاريخية تكذب دعوى الأوروبيين:

يزعم الأوربيون بأن الإسلام دخل إلى الشرق الأقصى في القرن السابع الهجري والقرن الثالث عشر الميلادي. ومما يدحض باطل هؤلاء الحاقدين ما اكتشف من مقابر إسلامية يعود تاريخها إلى القرن الخامس الهجري، والقرن الحادي عشر الميلادي [ راجع كتاب: دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي. ص: 50 وما بعدها.].

وإذا كان هذا هو موقف الأوروبيين من تحديد وقت دخول الإسلام وزحزحته إلى ما يقارب ستة قرون بدون دليل إلا مجرد الدعوى التي تخالف الحقيقة، فما موقفهم من الدعاة العرب الذين نشروا الإسلام في تلك الجزائر؟

من نشر الإسلام في الشرق الأقصى؟

بادئ ذي بدء لا يهمنا على يد من انتشر الإسلام في هذه الجزائر أو غيرها، فلصاحب الفضل فضله وأجره على الله تعالى، وهذا الدين هو دين الله وهو دين عالمي شرعه الله لجميع البشر، من وقت ما قام رسوله صَلى الله عليه وسلم، يبلغ به العالمين، ولا يقبل الله من أحد ديناً سواه.

ولكن الذي يهمنا هو الاعتراف لصاحب الفضل بفضله وإثبات الحقائق بدون تزوير ولا غمط أحد، وقد رأينا كيف زيف الغربيون الحقائق وطمسوها، متخذين في ذلك أحط الوسائل، وهي سرقة كتب تاريخ المسلمين وأخذها بالقوة وتغييبها عن الناس، ثم وضع تاريخ مزيف من عند أنفسهم، بل لا يبالي الكاتب منهم أن يتناقض كلامه من أجل وصوله إلى هذا التزييف.

ولنأخذ مثالاً على ذلك من كتاب: الدعوة إلى الإسلام لـ"آرنولد" الذي يقول في ص ـ 401: "ومن المحال أن نعرف على وجه التحقيق التاريخ الدقيق لأول دخول الإسلام في أرخبيل الملايو، وربما حمله هناك تجار العرب في القرون الأولى للهجرة، وذلك قبل أن تصل إلينا أية معلومات تاريخية عن حدوث أمثال هذه المؤثرات في تلك البلاد بزمن طويل، ومما جعل هذا الغرض أكثر احتمالاً، ما نعرفه من أن العرب زاولوا مع بلاد الشرق تجارة واسعة النطاق منذ عصور مبكرة جداً... ـ إلى أن قال ـ : وفي الفترة التي بين القرنين العاشر والخامس عشر حتى قدوم البرتغاليين كان العرب سادة التجارة مع الشرق دون منازع...".

يؤخذ من هذا المقطع أن العرب هم الذين أوصلوا الإسلام إلى الشرق الأقصى وأن هذا احتمال قوي جداً ـ إن لم يكن مقطوعاً به . ولكن هذا الاحتمال القوي يتبخر بعد صفحتين فقط، فينسى أرنولد أن (مما جعل هذا الفرض أكثر احتمالاً ما نعرفه من أن العرب زاولوا مع بلاد الشرق تجارة واسعة النطاق منذ عصور مبكرة جداً...)
ويقول في ص ـ 404: (تصور لنا الروايات أن الإسلام دخل إلى سومطرة من بلاد العرب، على أنه ليس هناك أساس تاريخي صحيح لمثل هذا الاعتقاد) أي أن الفرض الذي هو أكثر احتمالاً لا يصح أساساً صحيحاً، ثم يتابع كلامه قائلاً: (ويظهر أن الشواهد كلها تشير إلى أن الهند هي المنبع الذي استقى منه أهالي سومطرة معرفتهم بالعقيدة الجديدة..) لماذا؟ يعلل ذلك بقوله: (كانت العلاقات التجارية الفعالة قد قامت منذ قرون بين الهند وأرخبيل الملايو). وهل وجود هذه العلاقات بين الهند وأرخبيل الملايو تسقط العلاقات التجارية بين العرب والشرق ـ الذي منه أرخبيل الملايو؟!

ثم يقول: (ولا يبعد أن يكون أول دعاة سومطرة تجاراً من الهنود) فهل عند أرنولد ما يدعم هذا الاحتمال غير البعيد ويرجحه على ما هو أكثر احتمالاً عنده؟ يجيب على ذلك بالنفي فيقول: (على أنه ليس لدينا أخبار تاريخية عن أعمالهم "يعني الهنود" وهل عندك أخبار تاريخية عن كون المسلمين هم أول من أوصل الإسلام إلى هذه المنطقة؟

يجيب بالإيجاب ويؤكد أن هذه الأخبار صادرة عن أهل البلد أنفسهم - وأهل مكة أدرى بشعابها ـ فيقول: (وتنسب أخبار الملايو شرف أول دعوة في مدينة "أتجيه" ATJEH شمال غرب سومطرة إلى عربي يدعى عبد الله عارف).

أليس الأولى القول بأن العرب المسلمين هم أول من جاء بالإسلام إلى هذا البلد، وهو أكثر احتمالاً عند أرنولد نفسه؟ وكذلك أليس الأولى الأخذ بروايات أخبار صادرة من أهل البلد بذلك من الأخذ بمجرد حدس ليس أكثر احتمالاً ولا توجد روايات إخبارية تقويه؟

إظهار الإسلام وجه النهار والكفر آخره تضليلا!

وهكذا جزم المستشرق الذي اتخذ كل وسيلة استطاع اتخاذها لخدمة حكومته الهولندية المستعمرة وتثبيت أركانها في الجزر الإندونيسية، حتى وسيلة النفاق والتظاهر بالإسلام ومصاهرة المسلمين هناك بعد دخوله مكة واتصاله بالعلماء. وبخاصة الجاويين المهاجرين، هذا المستشرق هو "هرغرونيه سنوك" جزم كذلك بأن الإسلام لم يدخل الجزر الإندونيسية عن طريق التجار العرب، وإنما عن طريق التجار المسلمين الهنود.

وقد ناقش الدكتور عبد القادر الْحِبْشِي هذا الزعم وما استند عليه المستشرقون في ذلك وذكر المناطق الهندية التي زعموا أن الإسلام وفد منها إلى هذه الجزائر.[راجع: دخول الإسلام وانتشاره في أندونيسيا حتى القرن السابع عشر الميلادي، ص: 58، 76، وسيأتي الحديث عن مكر سنوك وتخطيطه لمحاصرة الإسلام وجعله مجرد طقوس لا يحيي في أهله روح التضحية والاتحاد مع إخوانهم المسلمين في العالم الإسلامي.]

كما أن بعض الباحثين يسندون فضل وصول الإسلام إلى إندونيسيا إلى المسلمين الفرس، ولهم على هذا الرأي ما يرون أنه يرجحه [ المرجع السابق 77-81].

وقد سبق الكلام على أنه لا يجوز إنكار فضل أي مسلم أوصل الإسلام إلى أي بلد في العالم بما في ذلك الجزر الإندونيسية، وبمن في ذلك دعاة الإسلام من الهنود والفرس وغيرهم، لكن الذي ينكر هو الظلم السافر للعرب المسلمين الذين أوصلوا الإسلام إلى الهند والفرس وغيرهم، ودل الواقع التاريخي على اتصالهم المبكر بهذه الجزائر باعتراف الأوروبيين أنفسهم كما مضى، فما الذي يمنع أن يكون الإسلام وصل عن طريق العرب غير الحسد والجهل؟!.

وقد ذكر الدكتور عبد القادر الْحِبْشِي، أن بعض المستشرقين اعترفوا بدور العرب المسلمين الريادي، ومنهم: "فان لبر" في كتابه: التجارة والمجتمع الإندونيسي، قال: "إن هناك إشارات ضمنية إلى وجود مستعمرات أو جاليات عربية في وقت مبكر عام (55هـ) و(674م).
ولكن حقد بعض الأوروبيين جعلهم يتمحلون تمحلاً لا يستسيغه العقلاء، وهو أن هذه الإشارات التي ذكر "فان لبر" وردت في بعض التقارير الصينية، وأن الصينيين يحتمل أنهم أخطأوا، إذ ظنوا أن هذه الجالية في ساحل سومطرة الغربي، وهي في الواقع في الجزيرة العربية.

وهل يعقل أن يبلغ الخطأ بالصينيين هذا المبلغ، فلا يفرقون بين ساحل سومطرة الغربي وجزيرة العرب، وهم يتنقلون في البحار تجاراً وملاحين، والمسافة الفاصلة بين البلدين تبلغ عشرات الآلاف من الأميال؟! وهل يحتاج الباحث أن يقول عن العرب في جزيرتهم: "إن هناك إشارات ضمنية إلى وجود مستعمرات أو جاليات عربية في وقت مبكر عام (55هـ) و(674م".؟

كما ذكر الدكتور الْحِبْشِي أن الباحث المستشرق "هيل" جزم بأن مستعمرات عربية قد شوهدت في المنطقة في القرون الأول للهجرة، وأن أول تلك المستعمرات تأسست في القرن الأول الهجري، وأنه بفضل العرب ظهر الإسلام في القرن السابع الهجري كقوة سياسية قادرة على تغيير وجه جنوب شرق آسيا".[ المرجع السابق: ص: 85، 88، 238.]

وهذا أمر معقول جداً أن توجد مستعمرة أو مستعمرات صغيرة متفرقة في القرن الأول الهجري، ثم تكون في القرن السابع الهجري قوة سياسية قادرة على تغيير وجه جنوب شرق آسيا، تقضي بهذا سنة التدرج في انتشار المبادئ والعقائد والأخلاق، وبخاصة إذا كان انتشارها بالدعوة السلمية والقدوة الحسنة من أفراد وجماعات تجارية، وليس بالفتوحات العسكرية والجيوش الجرارة ذات المناهج المفصلة، والكفاءات المعدة للتعليم والإعلام والاقتصاد والسياسة، فإن انتشار المبادئ بدون هذه القوة يكون بطيئاً، ولكنه في نفس الوقت يكون قوياً صلباً، فإذا انتشر ببطء، ثبت وانغرس في نفوس الناس، وهذا ما حصل في جنوب شرق آسيا، وكذلك في بلدان أخرى مثل إفريقيا ـ عدا الشمال العربي منها.

وإذا كانت علاقات العرب التجارية بالشرق الأقصى ـ بما فيه الجزائر الإندونيسية ـ قديمة جداً، وكان الملايويون يتعاملون معهم من قديم الزمان ـ والقرائن تدل على استمرار هذه العلاقة بعد الإسلام، بل هي بعد الإسلام أقوى مما كانت عليه قبل الإسلام، بدليل قيام ممالك إسلامية وسيطرة العرب على البحار في المنطقة - كما مضى - فإن نفي أن يكون العرب أوصلوا الإسلام إلى هذه الجزائر، ظلم تاريخي مبني على حقد دفين ليس له ما يسنده، ونحن لا ننفي أن يكون لتجار الهند المسلمين أو تجار فارس المسلمين دور في نشر الإسلام هناك مقارناً للدور العربي أو متأخراً عنه [ راجع تعليقات السيد محمد ضياء شهاب على كتاب: المدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى: ص: 230، 288.].

وإن المرء ليأخذه العجب من محاولة هؤلاء الأوروبيين نفي أن يكون الإسلام وصل إلى هذه الجزائر عن طريق العرب، وهم يعلمون أن العرب هم سادة البحار، وهم الذين فتحوا لهم باب الملاحة البحرية، وهم الذين قادوا ملاحيهم وبحارتهم إلى الطرق البحرية التي لم تكن تدور بخلدهم، كالطريق البحري الذي يصل أوروبا بالهند عن طريق جنوب إفريقيا "رأس الرجاء الصالح" الذي كان دليل قائد الأسطول البرتغالي "فاسكو دي جاما" فيه هو الربان العربي "أحمد بن ماجد المهري". وما كان يمر هذا القائد بمنطقة في شواطئ البحار التي مر بها إلا وجد العرب قد استوطنوها.[ المرجع السابق، ص: 338، 434.]





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8731457

عداد الصفحات العام

207

عداد الصفحات اليومي