{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(035)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)سافر معي في المشارق والمغارب :: (033)سافر معي في المشارق والمغارب :: (032)سافر معي في المشارق والمغارب :: (031)سافر معي في المشارق والمغارب :: (030)سافر معي في المشارق والمغارب :: (029)سافر معي في المشارق والمغارب :: (028)سافر معي في المشارق والمغارب :: (027)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(027)سافر معي في المشارق والمغارب

(027)سافر معي في المشارق والمغارب

مواصلة اللقاء مع الدكتور محمد ناصر رحمه الله

وماذا يقترح محمد ناصر لمكافحة التنصير؟

1 ـ توعية المسلمين وإيقاظهم في عامة الشعب، والمجلس الأعلى للدعوة يوزع نشرات بمعلومات كافية، فقد طبع ما لا يقل عن مائة ألف نشرة، ووزعت فتوى بعدم جواز حضور المسلمين أعياد الميلاد، مع أن الرئيس سوهارتو يحضر احتفالاتهم، وقد قبض البوليس على بعض الشباب عندما وقفوا ضد حضور الأعياد. وعندما زار البابا إندونيسيا كتبنا كلمة ظاهرها الترحيب، وحقيقتها بيان خطورة التنصير على الشعب الإندونيسي.

الخطاب الموجه إلى البابا حول التنصير:

هذا الخطاب الذي وجه إلى البابا ومعه وثيقة بالنشاط التنصيري في إندونيسيا نشر في كتيب باللغة العربية بعنوان: خطاب للبابا يوهانس بولس الثاني من أجل إيقاف الاستغلال على الحاجات الإنسانية وهو بتوقيع:
الأستاذ محمد ناصر الشيخ الحاج مشكور.
الشيخ الحاج رسل عبد الواحد البروفيسور محمد رشيدي.

ونشره المجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية 1410ه – 1989م. والخطاب وما ألحق به وثيقة تبين استياء المسلمين مما يرتكبه النصارى بطرق خبيثة ماكرة يخالف الاتفاقات التي تتم بينهم وبين المسلمين، وتخالف قوانين البلاد. وقد طبع في كتيب صغير مترجم إلى اللغة العربية. ثم قال الدكتور محمد ناصر: رأس مال كفاح التنصير هو التوعية لتحريك الأمة وتحذيرها.

وللمجلس مجلة تسمى الدعوة، وهي شهرية وتهتم بموضوع التنصير، وللأستاذ محمد ناصر مقال شهري بعنوان توصيات المنبر. وللمجلس نشاط في الجامعات يقوم أعضاؤه بالتوعية ويبنى المساجد في الحرم الجامعي، في جامعة إندونيسيا وفي جامعة لامبونغ، وفي جامعة بوغور، وباندونغ، وفي جوك جاكرتا، وسمارانج، وفادانج، وأجونغ باندونغ.

وتقام دورة ثلاثة أيام للتوعية والتثقيف، لأنها لا توجد في الجامعة إلا مادتان - عن الإسلام - في الأسبوع. كما أن المجلس يبذل جهوداً بحسب إمكاناته لإصلاح معيشة الشعب في طبقاته الدنيا، عن طريق إقامة جمعيات تعاونية في المساجد تجارية وزراعية وغيرها، وقد ساعد في ذلك بعض المسلمين في الكويت. ونقطة الضعف عند المسلمين تكمن في ضعف المادة والمسيحيون يعرفون ذلك، وهم أقوياء ويستغلون قوتهم المادية والاقتصادية، ونحن لا توجد عندنا مؤسسات مماثلة.

ويرى الدكتور محمد ناصر أننا لا ينبغي أن نخصص رأس مال كبير لمكافحة التنصير، لأنه يحتاج إلى أيد أمينة وخبرة وكفاءات لاستثماره وتعريفه [يبدو أن يمكن وجود مثل هذه الكفاءات وليست صعبة، لو اهتمت به الجمعيات الإسلامية، وتعاونت فيما بينها، وحصل دعم لذلك من حكومات الشعوب الإسلامية]. ونحن عندنا جمعيات صغيرة وصلت إلى 162 جمعية يبذلون مالاً قليلاً بدون ربا، وهي ناجحة ولدينا مشروع قرية (طيبة) وتسمى مؤسسة السعادتين ـ أي الدين والدنيا ـ .

ويوجد معهد دار الفلاح في بوغور، وهو تابع للمجلس الأعلى للدعوة الإسلامية. ويشرف المجلس على 162 داعية متفرغين يتبعون مركز جاكرتا، كما يوجد دعاة محليون في المناطق وهم كثير، ولو تمكنا من الإكثار من الدعاة المتفرغين في المناطق البعيدة لنجحنا في الدعوة. ويقوم المجلس بطبع الكتب والنشرات والمجلات، ولديهم مطبعة قديمة تحتاج إلى إصلاح، والمجلس في حاجة إلى مطبعة حديثة. وتوزع نشرات قبل صلاة الجمعة في مساجد إندونيسيا كلها. ويقوم المجلس بإعداد الدعاة وتأهيلهم حتى يكونوا أكفاء. وحصل المجلس على منح دراسية من الجامعات في المملكة العربية السعودية، وهو يطلب المزيد من هذه المنح لهذا الغرض.

دمعت عيناه خشية على فراغ موقعه بعد وفاته!

وعندما سألت الدكتور: كم بلغتَ من العمر؟ وقف واغرورقت عيناه وقال: إنه يخشى من حصول فراغ بعده وقد بلغ إحدى وثمانين سنة من العمر. وهنا قلت له: إنك قد أديت واجبك، وقد بارك الله في جهودك وشبابك ينتشر في كل مكان في إندونيسيا،كما شاهدت ذلك في جولاتي في مناطقها المختلفة، وسوف لا يضيع الله عملك وهو قادر أن يوجد من يخلفك فاطمئن والله مؤيد دينه وناصره. [ولقد انتشرت الدعوة في إندونيسيا وأصبح الشباب المسلم يشارك في البرلمان والحكومة، كما سيأتي الكلام عن حزب العدالة].

وسألت الدكتور عن صلته بالمسلمين في الخارج؟
فقال: نأمل أن تساعد رابطة العالم الإسلامي الدعوة في إندونيسيا، ولكنها اتجهت إلى إفريقيا وإلى الأقليات ونسيت الأكثريات، وقد صرح الدكتور عبد الله نصيف إنه الآن يوجه اهتمامه إلى إفريقيا، وللمجلس اتصال بالهيئة العالمية الإسلامية وبيت الزكاة في الكويت.

تحديات إمام العمل الإسلامي:

واجه المجلس في مستهل إنشائه حطاماً وركاماً من مخلفات عهد سوكارنو البائد، وتحديات خطيرة من خصوم الإسلام وأعدائه، وخاصة أولئك الذي عاونوا سوكارنو وأيدوه وتعانوا معه، حيث أصبحوا بعد الإطاحة بطاغوتهم وانهيار حكمه ونظامه، وافتضاح خطل تعاليمه وانكشاف مباذله ومخازيه، يتخوفون من الإسلام الذي أصبح البديل المنطقي الوحيد، الذي سيحل محل البائدين ويرث الأرض ومن عليها.. [ولكن العهد الجديد [عهد سوهارتو] كان حرباً على الإسلام، مثل القديم، وإن اختلفت الأساليب الماكرة.].

فالشعب الذي غرر به سوكارنو وحواريوه وضللوه وسخروه لمآربه ومآربهم سنوات عديدة، أفاق ذات صباح يوم ضاحٍ ليشهد بعينيه مأساة الثلاثين من سبتمبر سنة: 1965م وما اقترفت من وحشية وبهيمية وضراوة متناهية، أبرزت حقائق الشيوعية والتقدمية التي كان يروج لها سوكارنو وأعوانه.

تضليل المسلمين بفتاوى علماء السوء:

لقد كان سوكارنو يقول: بأن الشيوعية والإسلام صنوان لا يتعارضان، فلم تتورع طائفة من الذين يحلو لهم أن يقال عنهم بأنهم شيوخ الإسلام وأئمة الدين، أن يقولوا بقوله ويؤيدوا هرطقته. وعندما بشر ببدعه "الناسا كوم" (والكلمة منحوتة من ثلاث كلمات بالإندونيسية تعني القومية والدين والشيوعية) التي تقول بوجوب تعاون واندماج هذه الثلاث أيديولوجيات ليتحقق الرفاه والسعادة للشعب الإندونيسي، سبح المغفلون بحمد هذا "الناساكوم" تسبيحاً.

وأرادوا أن يشخصوا إمكان تحقيق هذا المبدأ، فاعتلى المنصة، في اجتماع شعبي عام، ثلاثة من شخصيات زعماء الأحزاب التي أريد لها أن تمثل كلاً من القومية والإسلام والشيوعية، وتعانقوا عناق اللوعة والاشتياق، وكانت مهزلة سخيفة أن يبدو "حَمَلُ" الإسلام يعانقه "ضبع" القومية و"ذئب" الشيوعية، ولكن الحمل كان معتزاً فخوراً. ولما أعلن سوكارنو المجابهة ضد ماليزيا البلد الجار والشعب الشقيق، بتلفيق مختلف التهم ضدها، جاراها أولئك المغفلون، بل أصدروا فتوى بتحريم الاستماع إلى إذاعة ماليزيا!.

وانساقت طوائف الشعب الساذجة، وراء الخدعة بفضل أمثال هؤلاء الزعماء الذين كانوا إما مأجورين أو مغفلين، فقد كانت جماهير الشعب تضع ثقتها فيهم بحكم عمائمهم وتزييهم بزي العلماء! وانهالت ألقاب الشرف العلمية على سوكارنو من كل حدب وصوب، حتى أصبح يفتخر بتعديد شهادات الدكتوراه الفخرية التي أهديت إليه، وكاد أن يكون أحق بلقب: (الدكاتره سوكارنو!) وتسابق زعماء هؤلاء المسلمين إلى إهدائه ألقاب الدكتوراه الفخرية، في الدعوة الإسلامية وفي التوحيد، بل لقبوه بأنه (ولي الأمر ضروري بالشوكة).

ثم أطيح أخيراً بطاغوت "الناساكوم" وتمت عملية رفع الستار عنه وعن مخازيه وأعمال تهريجه، في خضم المظاهرات الطلابية التي أطاحت به وبحكومته (في سنة: 1966م) بعد إحباط الانقلاب السبتمبري في (أكتوبر سنة:1965م) [كما أطاحت الجماهير بالطاغوت الجديد الذي خلفه في سنة (1998م] وانجلت الحقيقة لكل ذي عينين، واتضح أن الشيوعية هي الشيوعية، وأن الشيوعيين شيوعيون، سواء أكانوا أعضاء رسميين في الحزب الشيوعي أم لم يكونوا أعضاء، وأن دعوة الشيوعيين للوحدة والاتحاد و(الجبهة القومية) ليست إلا وسيلة من وسائل تحقيق غايتهم القصوى، وهي السيطرة والتمكن، وبعد ذلك القضاء التام على من سواهم، بالاختطاف والاغتيال، كما حدث لقادة الجيش في صبيحة يوم أول أكتوبر سنة: 1965م، كما اتضح أن الشيوعية إن هي إلا زندقة والحاد وكفر صراح.

وشدهت الجماهير الساذجة لهذه الحقائق المرة التي انكشفت بعد إحباط الانقلاب السبتمبري الفاشل، وأصيبت بالذهول، وتخبطت تخبط القطيع الذي تحاول أن يتلمس سبل الإفلات والنجاة من سطوة الذئاب الضارية، وهالها أن تشعر في النهاية بأنها كانت مخدرة من قبل زعمائها ـ أو من حسبتهم زعماءها ـ الروحيين، وراحت تتلمس وتبحث عن العقيدة الصحيحة التي تكفل لها الخلاص وتستطيع أن تكفر بها عن ماضيها وتطهرها من أدرانه.

المبشرون يتصدون للعمل!

وكان من مستلزمات عمليات القمع وقطع دابر مدبري الانقلاب السبتمبري الفاشل، أن ألقي القبض على عشرات الألوف ممن ثبتت علاقتهم بالانقلاب، وأودعوا المعتقلات رهن التحقيق. ولقد سمحت الحكومة للهيئات الدينية أن تقدم خدماتها الإرشادية إلى المعتقلين، رجاء إمكان إصلاحهم وإعادتهم إلى حظيرة الإيمان والعقيدة.

فهرع المنصرون من مختلف الطوائف والنحل يباشرون نشاطهم مع هؤلاء البؤساء لا عن طريق الدعوة والإرشاد، ولكن عن طريق استغلال بؤسهم ومحنتهم، فقد كان المبشرون يبدون لهم استعدادهم لإعالة ذويهم وإعاشة أسرهم، بشرط أن يوقعوا على صك الاعتراف بانضمامهم إلى الكنيسة التي يبشر المبشرون بها، وهؤلاء البؤساء يعرفون جيداً تردي الأوضاع الاقتصادية آنذاك، وماذا يعني ذلك بالنسبة لذويهم، فقد كانوا من أصحاب الفضل في ذلك أيام تهريجهم مع سوكارنو، لذلك سارعوا في الاستعداد للتوقيع على الاعتراف، واثقين من أن في عملهم ذاك سلامة أسرهم من غوائل الجوع والمسغبة، وهكذا تدرج أسماؤهم في تقارير التبشير وعدد الذين تنصر بالرضا والاقتناع ليس بالكثير. وهو أسلوب متناه في الإسفاف والدناءة في ابتزاز العقائد، باستغلال البؤس والعوز والفاقة.

الوسائل التي اتخذها سوكارنو لإضعاف الإسلام:

والحق أن المنصرين قد مارسوا نشاطهم التبشيري ـ كما أسلفنا ـ منذ أيام سوكارنو، فقد كان سوكارنو يعلم أن الإسلام يعتبر قوة هائلة في البلاد، وأن المسلمين كانوا أصحاب السهم الوافر في حروب الاستقلال ومقاومة المستعمرين، منذ أن وطئت أقدام الاستعمار إندونيسيا، فكان يحاول إضعاف نفوذ الإسلام بشتى الطرق، من ذلك تشظية وحدة العمل الإسلامي بتفريقه إلى عدة أحزاب، ومن ذلك أيضاً تنشيط العناصر المقاومة للإسلام الموتورة منه، فقرب إليه الشيوعيين رغم طعنتهم الغادرة للنضال التحرري الإندونيسي سنة: 1948م بثورتهم الرهيبة التي أشعلوها في جاوة الشرقية، ومكنهم من التسلل إلى مختلف المراكز الحساسة في جهاز الدولة.

وساند النشاط التنصيري بمختلف الوسائل حتى نال المبشرون من التسهيلات، ما لم يكونوا يحلمون به في أوج الاستعمار النصراني في إندونيسيا، فقد أصبح المبشرون يفدون إلى إندونيسيا من مختلف مراكز التبشير العالمية، ومن مختلف الملل والنحل، لا يسألهم سائل من أين جاءوا وإلى أي منطقة في إندونيسيا سيذهبون، وأقيمت الكنائس في المدن والقرى.

أما في جاكرتا فكانت كنائسها المستجدة من حيث الكثرة والفخامة تفوق الحد والحصر، خاصة بالنسبة لوزارة الشؤون الدينية أيام سوكارنو، وكانوا يشيدون كنائسهم في الأحياء الإسلامية الصرفة بل تجرؤوا على إقامة كنيسة لهم في آتشيه، المنطقة المعروفة بنقائها الإسلامي الصرف.

أهم أسباب تمكين النصارى في إندونيسيا:

أما كيف أمكنهم هذا، فالسبب يكمن في وجود هيئات تبشيرية عالمية ذات إمكانات مادية ضخمة، حيث تتلقى هبات مالية سخية من المؤسسات التجارية ومن شركات البترول التي تستغل بترول العالم الإسلامي، هذه الهيئات التبشيرية العالمية هي التي تمد التبشير في إندونيسيا. واعترف سوكارنو بالهندوكية والبوذية والوثنيات، كأديان تقف على قدم المساواة مع الإسلام في إندونيسيا، إمعاناً منه في إضعاف شأن الإسلام، وحرصاً منه على تنحيته من مكان الصدارة والأولوية.

وبفضل جهود سوكارنو عاد للبوذية كيانها في إندونيسيا، وتجرأ البوذيون من مختلف أصقاع العالم على إقامة شعائر دينهم في معبد "بوروبودرو" بجاوة الوسطى، بعد أحقاب طويلة، كان هذا المعبد لا يعدو كونه تحفة من التحف تحت رعاية مصلحة الآثار والعاديات، وأصبح للبوذية والهندوكية ركن خاص في الإذاعة والتلفزيون.

وبعد سقوط سوكارنو تضاعف نشاط التبشير تضاعفاً عظيماً، فأصبح المبشرون لا يتورعون عن اقتحام حلقات الدروس الدينية في المساجد والمصليات، يوزعون مطبوعاتهم، ويرتادون بيوت المسلمين في غيبة الآباء، يبشرون النساء والأولاد، مما أثار ردود فعل عنيفة جداً، وأثار أزمات مستحكمة في سنوات 66 و 1967م.

وقد دعا الرئيس سوهارتو إلى عقد مؤتمر للأديان ضم زعماء المسلمين والنصارى والبوذيين، وناشد الأطراف المعنية بأن لا يمارسوا التبشير بين جماعات الطرف الآخر، ولكن المسيحيين اعتذروا وتذرعوا بحجة أن الإنجيل يأمرهم بإنقاذ الْحُملان الضالة، ودار حديث طويل في جلسات المؤتمر لم يسفر عن تخفيف النشاط المحموم للمبشرين.

أهداف ومخططات:

وجد المجلس نفسه أمام هذه الحقائق، وجابه تلك التحديات، وشرع يعمل، وهو لا يملك أكثر من الإيمان بأنه مدعو للاضطلاع بالمسؤولية الضخمة، وأنه مجند للقيام بواجب الإنقاذ، وكان معظم قادته وزعمائه حديثي عهد بالخروج من معتقلات سوكارنو، وقد صودرت أملاكهم أيام سوكارنو، حتى بيوتهم كانت مسكونة بأصفياء سوكارنو، ولكنهم بدأوا العمل.. بدأوا عملهم بعملية حصر للدعاة والوعاظ والمبلغين. الذين نذروا أنفسهم للعمل الإسلامي، وبعملية حصر للميادين التي سيعملون فيها وطبيعة العمل الذي سيقومون به، والأساليب التي سيستعينون بها والوسائل التي سيستخدمونها.
[هذه هي الطريق الشرعية الصحيحة للدعوة إلى الله: إيجاد الرجال الذين يفقهون دين الله، ويطبقون في أنفسهم، ويحملونه إلى الناس دعوة بالقدوة الحسنة والجهاد بكل أنواعه، وليس المهم البدء بمدرسة أو مسجد أو ملجأ، فإن هذه كلها لا تنفع إلا إذا وجد الرجال الذين يقيمونها ويقومون بأمرها، ولهذا لم يبن الرسول صلى الله عليه وسلم، مسجده في المدينة إلا بعد أن نشر رسوله: مصعب بن عمير الإسلام فيها، وأصبح القرآن يتلى في كل بيت من بيوت الأوس والخزرج.]
ولكنهم وجدوا أن المبلغين والدعاة أكثرهم من "الهواة" ينقصهم الإعداد الفني، وتنقصهم المادة، وينقصهم التنسيق، ولكنهم رغم ذلك عملوا أو ظلوا يعملون ويمارسون واجبات الدعوة حتى في أحلك أيام طغيان سوكارنو. ووجدوا أن ميدان العمل فسيح الأرجاء، متشعب المسالك، مترامي الفجاج:

فهناك: ضحايا الإلحاد والشيوعية ممن خوت ضمائرهم من القيم والعقائد الروحية. وهناك: طلائع الجيل الصاعد من الشباب والطلبة، الذي فتح أعينه على لافتات سوكارنو الطويلة العريضة، وملأت آذانه الصيحات الغوغائية المنطلقة في هستيرية رعناء من حناجر سوكارنو وأتباعه، وعاش ردحاً من الزمن في ظل قيم ومفاهيم وتقاليد ليس بينها وبين مجتمعه أي سبب أو رابطة. وهناك: جماهير الشعب التي أبعد عنها زعماؤها الحقيقيون، وظلت سنوات عدة تجبر على تجرع التعاليم والمبادئ الإلحادية.

أما الأساليب التي سيستخدمونها في الدعوة والإرشاد، فسوف لن تقتصر على الطرق التقليدية، من خطب ومواعظ تلقى في حلقات الدروس الدينية المقصورة على رواد الجوامع والمساجد. حقاً إن الدعوة وعظٌ وإرشاد، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، ولكن كيف يكون هذا الوعظ وكيف يقدم هذا الإرشاد؟

يقول الدكتور محمد ناصر، الرئيس العام للمجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية: (لحكمة إلهية سامية جاء ذكر الدعوة إلى الخير في سياق الآية الكريمة مقدماً على ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ} فأسلوب الدعوة الذي سينتهجه مجلس الدعوة يتجه أول ما يتجه إلى تكوين هذه "الأمة" التي تضطلع بالدعوة إلى الخير، بكل ما تنطوي عليه كلمة الخير من معنى، تقدم الدعوة بالكلمة الحسنة وبالأسوة الحسنة). وهكذا أقيمت حلقات التدريب لجماعات الدعاة والمبلغين، وأعدت طائفة خاصة لمواجهة القسس والمطارنة إعداداً خاصاً. ويشترك في هذه الحلقات عادة مبلغون من مختلف أنحاء إندونيسيا يقيمون في جاكرتا مدة أيام التدريب.

إحياء رسالة المسجد:

وبما أن الجوامع والمصليات في إندونيسيا "أهلية" لا تتلقى إعانات من الحكومة، فقد عمل المجلس لكي يكون كل مسجد مركز ارتباط ورباط لجماعته، يتولون رعايته وينظمون شؤونه ويدفعون اشتراكات كهربائه، كما أقام رابطة تجمع المساجد والمصليات، مبتدئاً بجاكرتا أولاً، ثم نظم الدروس الدينية التي تلقى فيها وخاصة دروس الفجر، حيث رتب شؤون القائمين بها، كما قدم أسوة حسنة للجماعات بإسداء الرعاية الصحية مجاناً للمبلغين وعائلاتهم، فوزع بطاقات خاصة بالمبلغين يقدمونها إلى العيادات الصحية أو الأطباء الذين تطوعوا لمساعدة المجلس في مهمته الإنسانية النبيلة، وعلى هذا الأساس يتلقى الداعية العلاج مجاناً هو وأفراد عائلته المسجلة أسماؤهم على البطاقة.

والحديث عن الرعاية الصحية للدعاة والمبلغين يجرنا إلى الحديث عن تنظيم الرعاية الصحية العامة لإثبات حضور الإسلام في هذا الميدان الذي كاد المسيحيون ينفردون فيه. فقد عمل المجلس على إنشاء عيادات طبية في المساجد والمصليات، تطوع للعمل فيها الأطباء المسلمون المنتمون سابقاً إلى المنظمة الطلابية الإسلامية، يعملون فيها يومياً مناوبةً، ذلك لأن كل حي لا يخلو من وجود مسجد أو مسجدين، وبذلك يوفر موضوع تأمين المكان اللائق بالعيادة، ويضفي على المسجد دوراً إنسانياً مستحدثاً وهو تأمين العلاج البدني بجانب العلاج الروحي المعتاد الذي يتوفر في مبناه.

والمجلس يحاول أن يحصل على عدد من سيارات الكلينو موبيل التي يمكنه استخدامها لتقديم العلاج إلى سكان القرى والأصقاع النائية، تزود بطائفة من الأطباء والممرضين والممرضات والأدوية، كما تزود بالدعاة والمبلغين والكتب الدينية والنشرات والمطبوعات، فترتاد الأرياف في مواعيد منتظمة وتتمركز في أحد المساجد نهاراً تقدم العلاج البدني، وليلاً تقدم العلاج الروحي للسكان، بهذه الوسيلة يمكننا أن ننافس المؤسسات العلاجية التبشيرية بمستشفياتها الضخمة المقامة في المدن والعواصم، ولكن بطريقة أخف مؤونة وأجدى نفعاً، تكفي القروي مؤونة الذهاب إلى المدن والارتماء في أحضان المؤسسات التبشيرية.

وبهذا الأسلوب استطاع المجلس أن ينظم عمل الدعوة على وتيرة خاصة، فخطباء المساجد تنشر أسماؤهم في صحيفة "أبادي" كل يوم خميس مع ذكر أسماء الجوامع التي سيخطبون فيها، وبذلك يتذكر كل خطيب موعده ومسجده، وحلقات الدروس الدينية تقدم غذاء دسماً في مختلف موضوعات الساعة التي تهم المسلمين، على أيدي مدرسين مؤهلين لذلك.

الدعوة في أوساط المثقفين:

من نتائج ازدواجية التعليم التي كانت ولا تزال، منذ أيام الاستعمار حتى الآن، وجود طائفة من المسلمين معلوماتهم عن الإسلام ضئيلة ضحلة، ولكنهم حريصون على تنمية مداركهم ومعلوماتهم الدينية وعلى الحصول على الأجوبة الصائبة لكثير من مشاكل الحياة والعمل التي يواجهونها. لأمثال هؤلاء تعقد حلقات خاصة بهم، يحاضر فيها طائفة من مثقفي الدعاة أصحاب المؤهلات الجامعية، وهذه الحلقات تقام أسبوعياً.

الدعوة في أوساط الطلبة والحرم الجامعي:

لطلبة الجامعات في إندونيسيا منظمة طلابية إسلامية تنظم حركاتهم ونشاطهم العلمي، وتقدم لهم الرعاية الروحية عن طريق قسم الدعوة والإرشاد فيها، والمجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية على علاقة وثيقة مع هذا القسم من المنظمة ومع المنظمة نفسها، فهو يمدها دائماً بالكتب والمطبوعات الدينية باللغة الإندونيسية والإنجليزية، كما يقوم بتدريب الطلبة أنفسهم على أعمال الدعوة والتثقيف الديني.

ويختار المجلس يوم الخريجين، عندما يتسلم الطلبة شهاداتهم الجامعية في يومهم المشهود، ليهدي إليهم مجموعة من تفسير القرآن الكريم باللغة الإندونيسية والإنجليزية، ومن الكتب الإسلامية الموضوعية من نتاج مفكري الإسلام، أمثال المودودي وأبي الحسن الندوي وسيد قطب وغيرهم، ويمكننا أن ندرك عمق المغزى والأثر في مثل هذه المناسبات السعيدة بالنسبة للطلبة الخريجين وعائلاتهم، حين يتسلمون فيها تلك الكتب المهداة، من تذكيرهم بدورهم المنتظر كمسلمين في أوساط المجتمع الذي سيخدمون فيه.

والتربية الدينية في المدارس والجامعات والمعاهد العليا واجبة، وإن كانت غير ذات أثر في النجاح أو الرسوب، والحاجة إلى المدرسين القديرين المؤهلين في هذا المجال ملحة جداً، ويسهم المجلس في سدِّ ثغرة هذه الحاجة بالاستعانة بمدرسي المواد العلمية الهامة في تلك المعاهد والجامعات، من ذوي الاستعداد لتدريس الدين، فيقيم لهم المجلس حلقة تد





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8759034

عداد الصفحات العام

1310

عداد الصفحات اليومي