{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(054)سافر معي في المشارق والمغارب :: (53)سافر معي في المشارق والمغارب :: (53)سافر معي في المشارق والمغارب :: (052)سافر معي في المشارق والمغارب :: (051)سافر معي في المشارق والمغارب :: (050)سافر معي في المشارق والمغارب :: (049)سافر معي في المشارق والمغارب: :: (048)سافر معي في المشارق والمغارب :: (047)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(044)سافر معي في المشارق والمغارب

(044)سافر معي في المشارق والمغارب

بيان السوركتي في مسألة تزويج العلوية بغير العلوب وهذا نص بيانه في المسألة:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وبه نستعين، وصلى الله وسلم على رسوله الصادق الأمين. حضرة الفاضل مدير جريدة (صولو هنديا) المحترم تولاه الله آمين. بعد تقديم صحف الاحترام نعرض أننا قد قرأنا بواسطة الترجمان في جريدتكم الغراء عدد 2 صحيفة 2 الصادرة في 28 أكتوبر سنة 1915م، مقالا صادرا عن بعض الإخوان المتحمسين من ذكر المساواة بين المسلمين، تحت إمضاء حرف Z، فهذا الأخ الفاضل قد رمز إلينا في مقاله هذا، وأتى فيه بما لا يليق وهوّل الأمر في موضوعه، وأطال التشنيع، وخرج عن جادة الإنصاف، وسلك طريق التشفي والاقتراف، فنزل بذلك عن مرتبة من يستحق الجواب، ولعله يريد زيادة حطب في نار العصبية التي أوقدها بعض الجهال.

ولما كان مقاله هذا يشف عن عدم إدراكه لحقيقة هذه المسألة، وعن عدم حفظه لشروط المباحثة وقانون الأدب، وكان مقصوده به هتك أعراض المسلمين المصونة فقط، وعدلت عن جوابه، وضربت عنه صفحا، وأكرمت نفسي بعدم مجاراته في هتك الأعراض، ومقابلته بمثل كلامه، كما صفحت عن غيره من قبل ممن سبّ وصاح واخترع الأكاذيب وأشاع وآذى بما استطاع، ولست عائدا إلى مخاطبته، لأن التصدي لرد الكلام الذي ليس مبنيا على أساس المعقول، ولا معضدا بحجج المنقول عبث وضياع وقت، فلا يشتغل به إلا من لا شغل له، كما أنه لا يعتمد على مثله إلا من لا عقل له.

ولكن سؤال حضرتكم عن الحق، واستفساركم عن الحقيقة، ضغط على ضميري وقهره على إجابتكم، وساقه إلى كتابة هذه الكلمات بزاجر قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}، وقوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّنّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} وقوله صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار).

غير أني أتأسف كثيرا من خفاء مثل هذا الأمر المعلوم من الدين بالضرورة على أمثالكم، ومن توهمكم في دين الإسلام المقدس عدم المساواة بين المسلمين، وإضاعة حقوق الأعمال بمراعاة الأنساب، حتى احتجتم إلى السؤال عنه، ومع ذلك فإني أشكركم على طلب الحقائق، وأبشروا فقد وافاكم الحق نزيها يسيرا وسألتم عنه خبيرا.

إن النكاح بين المسلمين، كالبيع والإيجار من جهة أنه متى عينت المنفعة المقابلة من المهر أو الثمن أو الأجر، وسمح من بيده الأمر، وقبل الآخر، صح العقد، وحل بذلك الانتفاع والتمتع، ولا خلاف في ذلك بين علماء الأمة المحمدية المعتبرين، وكلا الفريقين حر مختار فيما في يده أو تحت حكمه قبل المعاقدة، وقد ينوب عن صاحب السلعة وليه أو وكيله، إذا كان ناقص الرشد أو المعرفة لدفع المغابنة.

ولما كان جلّ ذلك معلوما عند حضرتكم بالضرورة، ولم يداخلكم الشك إلا في مسألة النكاح فقط من جهة حكم الدين، فإني أذكر لكم في هذه الأسطر بعض ما بلغني من قضايا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك، لتعلموا حكم الدين الحقيقي وعدله وبراءته عن الأدناس والسفاسف السياسية، لأن ما جاء به الرسول وما فعله وما أمر به وما أقر عليه هو الدين لا غيره، وإليه التحاكم وإليه الرجوع لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا} ولقوله تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ولقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ولقوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}.

ثم إن شئتم بعد ذلك مزيدا من أقوال أهل العلم المتبعين لآثار الرسول صلى الله عليه وسلم، أذكر لكم من نصوص علماء الأمة المعتبرين من أهل المذاهب الأربعة ما يكون به الإقناع وينكشف به القناع في مقالة أخرى إن شاء الله تعالى، لأن الأئمة الأربعة المجتهدين متفقون على أنه إذا رضيت المرأة ووليها الأقرب أو أولياؤها الأقربون لتزويج مسلم، وعين المهر وحصل الإيجاب والقبول بغير شرط بحضور شاهدين، صح النكاح بدون نظر إلى شيء وراء ذلك.

وتبعهم على ذلك علماء الأمة المعتبرون، وأما من شذ وخرج عن هذا المنهج الذي أجمع عليه النبي وأصحابه والأئمة المجتهدون وعلماء الأمة وحكماؤها المعتبرون، وغض النظر عن حكم الشرع لمجاراة عادة أو لإرضاء ذي سلطان أو عصبية، فليس منا ولسنا منه.{قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين، وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلك وصاكم به لعلكم تتقون}.

كل ذلك مبني على عدل الإسلام ومساواته بين المسلمين، ومحافظته على حقوق الشعوب المتشرفة بتفيؤ ظلاله، وهاك من كتاب ربك برهانا على ما أدعيه، وسراجا يضئ لك ما تبتغيه، قال تبارك اسمه: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير}.

إن تقسيم القبائل والشعوب أو تسميتها بالأسماء المختلفة، إنما هو لأجل التعارف كتسمية الأشخاص من أبناء الرجل الواحد لتميزهم عن بعضهم فقط، وهي كتقسيم البحار والرياح والأقطار، ولا تفاضل بينها إلا بالنتائج والآثار. إن جميع أهالي الأديان متفقون على أن أصل جميع الناس واحد بلا خلاف، ولا فضل لأحد على أحد بذات دمه ولحمه، ولكنهم يتفاضلون بالصفات والآثار وحسن التربية، كالأثمار المأخوذة من شجرة واحدة، فإنها تتفاضل في حلاوة الطعم وعظم المقدار والسلامة من الفساد، وكذلك الناس يتفاضلون في العلم والعمل وحسن الأخلاق.

وكما أن البذرة المأخوذة من الشجرة الصغيرة تنتج بحسن التربية والعناية شجرة كبيرة ذات أثمار عظيمة فائقة على أصلها في الحلاوة والنضارة، كذلك البذرة المأخوذة من الشجرة العظيمة الجيدة من ذلك النوع يصغر ثمرها، وتنقص حلاوته ويفسد إذا ساءت التربية ونقصت العناية بها. فكذلك الحال في بني آدم وفي بني كل رجل فاضل عظيم من البشر، فإن ابن الكريم العالم الفاضل الحسن الأخلاق يكون بليدا جبانا خسيسا سيئ الأخلاق إذا ساءت التربية، ويكون ابن البليد الأحمق الخسيس الجاهل كريما شجاعا فاضلا عالما حسن الأخلاق إذا حسنت تربيته، فلا محل للاغترار بالانتساب إلى كريم أو عالم أو نبي من الأنبياء.

ولتقرير هذا المبدأ وإقناع المتوهمين خلاف ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) وقال صلى الله عليه وسلم: (ليس لأحد فضل على أحد إلا بدين أو عمل صالح) وقد أخرج الله كنعان بن نوح من آل نوح حينما ساء عمله، مع رجاء أبيه وشفاعته فيه بقوله الأسمى: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم، إني أعظك أن تكون من الجاهلين} فزجره الله بذلك عن إلحاق من لا يعمل مثل عمله، وقال تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} فقيد الله الإلحاق في الدرجة بالإيمان والاتباع.

لست أعني الإلحاق اللحمي الموضوع لأجل التمييز والتشعيب، أي أن يقال فلان ابن فلان، ولكني أعني الإلحاق في الفضيلة، فإذا فهمت ذلك، فاعلم أن شرط الإيمان بالله ورسوله أن يكون هوى المؤمن تبعا لأحكام الله ورسوله بدون تردد ولا اختيار، ولا نظر إلى ما يحبه، أو يتخيله مصلحة له، أو تكليفا عليه، لقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ولقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}.

وعليه فلا يظهر إيمان المرء وقوته إلا عندما يأتي حكم الله مخالفا لما يهواه أو لما يتخيله مصلحة له، فإن رأيته خاضعا لحكم الله مسلما له بالقلب والقالب، فذلك برهان إيمانه، وإن رأيته حرج الصدر متضجرا من الحكم متعاظما عليه يتطلب التخلص منه بالاحتيال أو بالتأويل إلى ما يناسب هواه أو بتغطيته على الناس، فهو عبد هواه ولم يبرهن على إيمانه بالله ورسوله. ولا ينفعه حينئذٍ ما يعمله من الأعمال الدينية الموافقة لهواه، لأن دينه حينئذٍ يكون تابعا لشهواته لا متبوعا لها فيكون داخلا في مضمون قوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين}.

فإذا تأملت فيما ذكر يظهر لك أن الإلحاق في الفضيلة مشروط بالإيمان والاتباع في الأعمال الصالحة، وأن الإيمان شرطه التفويض لأحكام الله ورسوله، وأن الفضل بالأعمال والآثار، لا بالأنساب والأحساب. ولو كان الفضل بالتوارث والانتساب لما رأيت في بني آدم ساقطا ولا جاهلا ولا شريرا، لأن انتساب جميع الناس إلى آدم والى نوح عليهما الصلاة والسلام، وهما أبوا الرسل والأصفياء والعلماء والحكماء والملوك والأمراء، وهما أيضا أبوا الفاسقين والملعونين والجهال والحمقاء والساقطين.

وانظر إلى آل إبراهيم وال عمران الذين اصطفى الله منهم الرسل المقربين كموسى وعيسى ويحيى وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فانظر كيف لعن الله المعتدين منهم والعاصين الذين لا يتناهون عن المنكر بقوله تعالى: {لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون}. فالمدح والذم والفضل والنقص تابعة للأعمال لا لذم مخصوص ولا لنسب مخصوص، فقد أفلح من زكى نفسه بصالح الأعمال وقد خاب من دساها.

وأما دين الإسلام فكما علمه كل من اطلع على قواعده العالية وأصوله الشريفة هو دين العدل والمساواة، هو الدين الذي يمكن للعقل أن يرضخ لأحكامه بدون ضغط ولا إجبار ولا تخويف، وهو الذي جعل الحكم والتمييز في الأمور للعقل والعلم خاصة، وجعل الفضل بين الناس بالعلوم والأعمال فقط. هو الدين الذي لا يؤاخذ فيه الوالد بذنب الولد ولا الولد بذنب الوالد، هو الدين الذي يقول شارعه على رؤوس الأشهاد: {لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى}.

ولو كان الإسلام دين سياسة أو تفضيل أشخاص وأنساب بغير عمل، أو كان يميز قريبا عن بعيد في حكمه، لما انتشر هذا الانتشار الذي لم يعهد له مثال في الأديان بغير دعاة ولا سعاة، مع فقر أهله وسقوطهم وفشلهم في هذا الزمان، ليس ذلك إلا لترامي العقول والقلوب عليه لسهولة مباديه وعدله وإنصافه وسماحة قواعده. فإذا فهم ذلك فالقول بأن بعض الشعوب أفضل من غيرهم لذات دمائهم ولحومهم بدون اعتبار عمل أو علم، ونسبة هذا القول إلى الشرع الشريف، تلويث له بما لا يناسب شيئا من أصوله، وإيقاظ لفتنة عظيمة بينه وبين العقل الذي جعله الله ميزانا لكل شيء، وإثبات لدعاوى أعدائه المتعنتين عليه، فمن دس على الدين شيئا من ذلك فهو مردود عليه، والله ورسوله براء منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

وأما مسألة الكفاءة بين المسلمين التي خاض فيها بعض العلماء، فليست مبنية على تفضيل أحد ولا على تنقيص أحد، وإنما النظر فيها إلى وسائل حسن المعاشرة والاتفاق بين الزوجين والنظر في حالة معاشهما. فإن بنت الغني التي تلبس كل يوم فستانا جديدا، وتأكل كل يوم ألوانا كثيرة وتبيت على الفراش اللين الناعم، إذا دخلت في بيت فقير ليس عنده شيء من ذلك، فإنها تتكدر وتسوء حالتها، فيجر ذلك إلى بغض الزوج واحتقارها له، فيكون ذلك سببا لعدم الاتفاق ولسوء المعاشرة، فرأوا أن المناسب أن يتزوجها من يناسب حالتها، وكذلك الحال بين المتعلمة والجاهل، وبين المتربية وقليل التربية وغيرهما مما لا مناسبة بين أحوالهم وأخلاقهم.

ولما كان هذا الاعتبار تابعا لأمر المعاش والمعاشرة، كان ساقطا عند حصول رضاء المرأة مع العلم بحال الرجل الخاطب إذا كان مسلما، وإذا كانت رشيدة تميز بين محاسن الرجال ومساويهم، لأنه ربما كان رضاءها به مع ما ذكر لمزية أخرى تعادل ما فقدته من خصوبة العيش ونعومة اللباس والفراش والعلم والحضارة وشرف المحتد، كالقوة والشباب وحسن الأخلاق وحسن المنظر وغير ذلك من الصفات التي ترضي النساء. ولذلك جعل الشارع المدار على رضائها مع الرشد، فإن لم تكن رشيدة كان أقرب الناس إليها نائبا عنها في ذلك، ومن ادعى على الشارع شيئا وراء ذلك، فقد افترى عليه ما هو برئ منه.

هذا حكم الله وحكم رسوله، فمن اتبعه وأسلم وجهه فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن تكبر على أحكام الله وأعرض عنها فليبتغ نفقا في الأرض، أو سلما في السماء، فالله يحكم لا معقب لحكمه، وهاك أمثلة من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك، لتكون على بينة من أمرك:

أولا: زوّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب من زيد بن حارثة مولاه، وكانت قد استنكفت من ذلك على عادة الجاهلية في أول الأمر، فأنزل الله فيها وفي أخيها قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} فلما نزلت الآية رضيت به، والقصة مشهورة في القرآن وفي التفاسير.

ثانيا: زوّج النبي صلى الله عليه وسلم أيضا زيد بن حارثة المذكور بعد طلاقه لزينب من أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزله نفسه في زواجها وهي قرشية.

ثالثا: زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس القرشية بأسامة ابن زيد كما في صحيح مسلم، وقدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاوية بن أبي سفيان وعلى أبي جهم، لأن الأول كان صعلوكا لا مال عنده في ذلك الوقت، وكان أبو جهم كثير الضرب، ولم يعب أسامة كونه مولى في نظر الشارع صلى الله عليه وسلم.

رابعا: زوّج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه رقية وأم كلثوم من سيدنا عثمان بن عفان على التعاقب، وهو غير هاشمي رضي الله عنه.

خامسا: زوّج سيدنا علي ابنته (هي أم كلثوم من السيدة فاطمة عليهم الرضوان) من سيدنا عمر رضي الله عنه وهو غير هاشمي أيضا.

سادسا: زوّج عبد الرحمن بن عوف أخته من بلال الْحَبَشي رضي الله عنهم، كما في كتاب زاد المعاد.

سابعا: زوّج أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة القرشي، وهو أحد الصحابة البدريين سالما من بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة القرشي، وكان سالم هذا مولى لامرأة من الأنصار كما في صحيح البخاري.

ثامنا: في سنن الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) قالوا يا رسول الله، وإن كان فيه ما فيه فقال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه [ثلاث مرات] أيضا، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني بياضة: [بنو بياضة بطن من الخزرج أحد قبيلتي الأنصار]، (أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه)، وكان حجاما.

فهذه قضايا سيد المرسلين وإمام المصلحين محمد صلى الله عليه وسلم وقضايا أصحابه، نقدمها لمن يريد أن يتبعها، {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}.

ومن ادعى أن الله حرم إنكاح مسلم مسلمة مع حصول التراضي بين الفريقين، لأجل اختلاف نسب أو غيره، فليأتنا ببينة من كتاب الله أو من أحكام رسوله، فإنا عبيد الحق وأنصاره. ومن يرد أن يجعل رأيه أو رأي أحد من الناس، فوق حكم الله وحكم رسوله، فإنا برآء منه، ومن حكمه: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}.

فصل: يلمزني الجهال ويعيبونني بالاشتغال بصناعة التعليم، ويقولون لي: كن معلما وما أنت إلا معلم، على سبيل التنقيص، فيا ترى إذا كان ما أنا فيه من تعليم الدين عيبا أكون بسببه محتقرا، فأي صنعة أشرف منها أكون عظيما محترما إذا تمسكت بها؟

ويا ليت شعري إذا كانت إجابتي عن مسألة دينية سئلت عنها على مقتضى ما علمت قد عدّ غلطا وفضولا وخوضا فيما لا يعني، ففيما ذا أكون معلما؟ إن من احتقر صنعة التعليم وأهلها، فقد احتقر ما عظمه الله وصغر ما كبره الله، إن أفضل الفضائل هو الاشتغال بتعليم الناس وهو صنعة الأنبياء والمرسلين، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما بعثت معلما). وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خيركم وخير من طلعت عليه الشمس المعلمون). وعنه صلى الله عليه وسلم: (خيركم وخير من يمشي على ظهر الأرض المعلمون).
وعنه صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

والتعليم هو أساس كل تقدم ومبدأ كل مجد، والسبب الأول لكل نجاح في العالم، فلا يحتقر أهله إلا جاهل غبي، فكل أمة عزّ فيها المعلمون عزت وسادت، وكل أمة ذلّ فيها المعلمون ذلت وشقيت، وكل أمة تتهاون بأمر تعليم ناشئتها فمصيرها إلى سجون الذل والصغار، ووادي الخسف والدمار، تلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

إن من أصول الدسائس التي بها سقط المسلمون من منصة المجد، وبها استولى عليهم الجهل استيلاء النار على الحطب، احتقار المعلمين ورخص قيمتهم، فبسبب ذلك هربت النفوس الكبيرة من مباشرة التعليم، واستنكف أهل الهمم العالية عن النظر في تربية الناشئة وإصلاحها. فشب الشبان في حضانة الجهل وكفالة الغباوة، وشابوا في دائرة محيط الغرور، فأصبحوا بذلك أعداء العلم وأنصار الجهالة، فرانت القلوب واستعدت لقبول الأباطيل والخرافات، فاغتنمت الفرصة جمعيات الفرس واليهود والرومان السرية، لبثِّ أنواع الدسائس المفسدة للوحدة الإسلامية القاتلة لروح الإسلام في قلوب المسلمين. وقد أصابوا المقتل-لا رحمهم الله-حيث تمكنوا من زرع هذا السم في قلوب من بيدهم قيادة الأمة من الفقهاء، وأهالي البيوت الكبيرة من أهل الأحساب والأنساب المحترمين، وأهل المناصب المعتقدين، لتعميم هذا الداء، حتى جعلوا المسلمين كالمجانين يلعبون بقطع الأخشاب، ويلتمسون الأرزاق والوظائف من سكان القبور، ويستنجدون في مهمات أمورهم أقطاب الأوهام، وينسبون كل داهية تنزل بهم إلى أغواث الخرافات، حتى وصلوا إلى دركة يتفاخرون فيها بالخمول ويتسابقون في التكاسل والتماوت، حتى صاروا يرون العلم نقصا والعمل عبثا، واستلذوا بالذل والمسكنة، واستأنسوا بالهمجية.

فانحطوا بذلك إلى أسفل السافلين، فسبقتهم الأمم بصنائعها وعلومها وسادتهم بفضائلها وعقولها، وتركتهم في ظلمات الجهل مبلسين، وفي سلاسل الخرافات يسحبون، ونسوا ما ذكروا به من الكتاب وما هذبوا به من السنة، وما رفعوا به من قبل من الأصول الشريفة، وما أمروا باتباعه من الحكم والأحكام الجامعة لأنواع السعادة، أفنمتد في هذا الضلال مع علمنا به ونترك كتاب الله وراء ظهورنا؟! أفبالباطل نؤمن، وبنعمة الله نكفر؟ أو ترضون أن نبيع ديننا بثناء الناس وإرضاء المغفلين من الأمة؟! أو ترضون أن تموت الأمة بين أيدينا ونحن نضحك ونلعب ونتعطر ونتبختر؟! ما هذا إلا خسف وخذلان، نعوذ بالله من شرور الأنفس ونزغات الأهواء، ونسأله اللطف فيما قدر والصبر على ما ابتلانا به بعدله، والثبات والتأييد على ما وفق إليه بفضله، إنه قريب مجيب.
كاتبه: أحمد محمد سوركتي

تعليق الكاتب

قلت: هذه هي الفتاوى المتعلقة بحكم زواج العلوية بغير العلوي. والذي يتأملها يتضح له أن فتوى كل من السيد رشيد رضا وفتوى الشيخ السوركتي هي الحق الذي لا يجوز العدول عنه، لأنهما جمعا من الأدلة ما دلالته عامة على المساواة بين الناس، وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى-والنصوص في هذا من القرآن والسنة واضحة صريحة وكثيرة، وما دلالته خاصة في نفس الموضوع، وذلك في وقائع متعددة حصلت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبطل دعوى اشتراط كون المتزوج من علوية لا بد أن يكون علويا.

والأدلة التي استدل بها الشيخ عمر العطاس أدلة عامة في فضل الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، واستنباط هذا الشرط منها فيه تمحل وتكلف، تقابل أدلته الأدلة العامة التي استدل بها السيد رشيد رضا والشيخ أحمد السوركتي التي تتضمن المساواة بين البشر، وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وتبقى أدلتهما الخاصة في نفس الموضوع تبطل أوجه استدلال الشيخ العطاس وتدحضها. ولسنا في حاجة إلى تكرارها وقد أثبتناها كاملة، ليطلع عليها من يريد الحق والصواب في هذا الأمر.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8790275

عداد الصفحات العام

489

عداد الصفحات اليومي