=اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، وارزقهم من يقودهم إلى رضاك في الدنيا والآخرة، ويرفع راية دينك في الأرض على سائر الأديان. =اللهم انصر عبادك المؤمنين على أعدائك وأعدائهم المعتدين - من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين -وأنزل بهم بأسك وأرنا فيهم عجائب قدرتك. =اللهم اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم فإنهم قد كفروا بك واعتدوا على عبادك المؤمنين بما أنعمت عليهم، اللهم اجعل ما ينفقونه من أموالهم في الصد عن سبيلك والاعتداء على خلقك، حسرة في قلوبهم إلى يوم يلقونك. =اللهم يا منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم، اللهم أرسل عليهم جندا من جندك الذين لا يعلمهم سواك، واهزمهم كما هزمت الأحزاب قبلهم. =اللهم، شتت شملهم وفرق جمعهم واجعل بأسهم بينهم وأشغلهم بأنفسهم واقتلهم، وأخرجهم من ديار المسلمين مقهورين ذليلين حقيرين، خزايا ندامى موتورين. =اللهم فك أسر المأسورين، وادفع عنهم، وارفع قدرهم، وأعزهم في دنياهم وآخرتهم، وأذل أعداءهم الذين ظلموهم، في الدنيا والآخرة يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. =يا من أهلكت قوم نوح وعاد وثمود وصالح وشعيب، وأهلكت فرعون الذي علا في الأرض وقومه، وكل جبار معتد، أهلك كل عنيد وجبار ومعتد وظالم واكف عبادك المسلمين منهم بما شئت. =يا من تقول للشيء كن فيكون، دمر هؤلاء المعتدين الذين علوا في الأرض وأفسدوا فيها وأهلكوا الحرث والنسل، فأنت أعلم بضعفنا وأرحم بنا من أنفسنا، فليس لنا من يدفع عنا سواك يا حي يا قيوم يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.({قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)}) النور
(03)سافر معي في المشارق والمغارب :: (02)سافر معي في المشارق والمغارب :: (01)سافر معي في المشارق والمغارب :: (012)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011)سافر معي في المشارق والمغارب :: (010)سافر معي في المشارق والمغارب :: (017)تابع للقاعدة الثامنة :: (09)سافر معي في المشارق والمغارب :: (016)التزكية الربانية :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(01)سافر معي في المشارق والمغارب

(01)سافر معي في المشارق والمغارب

حلقات المجلد الثالث من رحلات إندونيسيا 1419ه ـ 1998م

تمهيد:


أنبه أولاً: مرة أخرى على أن زيارات إندونيسيا تكررت تكرراً لم يحصل لأي دولة من الدول التي زرتها، ولهذا تكررت بعض معلوماتها من أشخاص عدة أو من نفس الأشخاص الذين أجتمع بهم أكثر من مرة، وقد توجد معلومات جديدة منهم، فأفضل أن أضم المعلومات التي موضوعها واحد أو بعضها يناسب بعضاً، ولو اختلف تاريخاً يوماً أو شهراً أو سنة.

وأنبه ثانياً: أن هذا الجزء مع صغره قد يكون أكثر أهمية من غيره، من حيث إنه كتب في فترة حساسة سقط فيها حكم الرئيس سوهارتو بعد أن حكم البلاد حكماً استبدادياً لأكثر من ثلاثين سنة، ثم تتابعت الأحداث بعد سقوطه حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.[يعني وقت كتابة معلومات هذا المجلد]

وأنبه ثالثاً: على أن رحلتي هذه كانت بإلحاح من طلابي الذين أصبحوا قادة لحزب العدالة والرفاهية، حيث استمر إلحاحهم أكثر من سنة، وهدفهم من ذلك توعية أعضاء دعوتهم وحزبهم توعية تتضمن التزكية الإيمانية واعتصامهم جميعاً بحبل الله والسمع والطاعة، ليقوموا بواجبهم في الدعوة والحزب. وكانوا يرغبون في زيارتي لأعضائهم في مناطق أخرى خارج جاكرتا، ولكني اعتذرت، لأسباب صحية، ولذا أحضروا كثيراً منهم إلى جاكرتا من مناطق نائية.

وأنبه رابعا: أني حاولت الاتصال بزعماء بعض الجماعات والأحزاب في جاكرتا، ولكن ذلك لم يتيسر لغياب بعضهم واشتغال بعض.

وأنبه خامساً: أن هذه الزيارة كثر فيها نقل المعلومات المتعلقة بالأحداث الحاضرة المتتالية،

ليطلع عليها القارئ العربي الذي قد لا يجدها مجموعة في مكان واحد باللغة العربية.

في مدينة جاكرتا

هذا هو الجزء الثالث من رحلات إندونيسيا التي تكررت أكثر من غيرها من البلدان.
ولهذا تجد في معلوماتها تقديماً وتأخيراً مراعاة لوحدة الموضوعات، حيث يضم المتأخر إلى المتقدم أو العكس إذا كان الموضوع يتعلق بموضوع واحد.

أقلعت بنا الطائرة من جدة إلى جاكرتا في الساعة الثامنة مساء بتوقيت مكة المكرمة، واستغرقت الرحلة تسع ساعات تقريباً. وهبطت في مطار جاكرتا الساعة السادسة من صباح الاثنين: 28/2/1419ه بنفس التوقيت، وهو يوافق الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت جاكرتا. استقبلني في المطار الشيخ عبد الله بن سعيد باهرمز، والأخ زفر باوزير. وكان النزول في فندق: (غرَانْ مِيْلْيا GRAN MILIA). وهو فندق جديد من فئة خمسة نجوم.

الثلاثاء: 29/2/1419ه ـ23/6/1998م.

زارني بعض الطلاب الإندونيسيين المتخرجين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومنهم الشيخ حلمي أمين الدين. وطلبوا مني إلقاء محاضرة تتعلق بتجربتي في الدعوة، فلبيت الطلب، وتحدد لإلقائها غداً: الأربعاء في مقر إحدى مؤسساتهم التعليمية…

الأربعاء:30/2/1419ه ـ 24/6/1998م

الدعوة إلى الله من خلال التجارب:

بدأت المحاضرة في الساعة الواحدة ظهراً، وانتهت في الساعة الخامسة مساء، تخللتها أسئلة ومناقشات. وكانت تتلخص في النقاط الآتية:

النقطة الأولى: وجوب تزود الداعية بالعلم والفقه في الدين، وإطلاعه على أحوال المدعوين وعاداتهم ومشكلاتهم.
النقطة الثانية: أن يكون قدوة حسنة، حكيماً في دعوته، ليناً، صبوراً.
النقطة الثالثة: أن يثبت على الحق غير مبال بمن خالفه في ذلك، مع الإصغاء لآراء المخالفين والاستفادة منها، والتسليم لما يظهر له من الحق، وإن خالف رأيه.
النقطة الرابعة: البعد عن التحزب الذي يفرق بين المسلمين، ومحاولة جمع كلمتهم على الحق، والتعاون معهم في ما يتفقون عليه، وعدم التشدد معهم في الأمور الاجتهادية.
النقطة الخامسة: عدم إنشاء أحزاب ضد أي حكومة تطبق أحكام الإسلام حقا، وإن حصل منها تقصير في بعض فروعه، لما في ذلك من الخروج على الدولة المسلمة من جهة، ولما فيه من التنازع المؤدي إلى الفشل من جهةولما يقوم به أعداء الله من غير المسلمين والمنافقين الذين يوالونهم من حرب ضد المسلمين واتخاذ الأسباب التي تفرق بينهم.

وأما إقامة حزب إسلامي يجتمع في ظله المسلمون الذين يريدون إقامة حكم الله في أي بلد حكومته علمانية تحارب تطبيق الإسلام، وتتعدد فيه الأحزاب، فهي فرض عين، يأثم المسلمون كلهم إذا لم تقم بها طائفة قياماً كافياً حسب الطاقة. وإذا كانت الحكومة العلمانية تأذن بإنشاء أحزاب للفئات العلمانية، وتحظر إقامة حزب إسلامي، فيجب على المسلمين إقامته سراً، لأن ذلك هو المستطاع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

وكان السبب في الكلام على هذه النقطة والتي قبلها كثرة الأسئلة عن حكم إقامة أحزاب إسلامية، بمناسبة ما حصل هذه الأيام من إعلان أحزاب كثيرة في إندونيسيا، بعد سقوط سوهارتو، إثر المظاهرات التي حصلت أخيراً.

مع الأستاذ حلمي أمين الدين: الخميس:1/3/1419ه ـ 25/6/1998م

كان الأخ حلمي أمين الدين من أوائل الطلبة الإندونيسيين الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكنت التقيته مع الدكتور محمد ناصر رحمه الله في سنة:1400ه -1980م مع الدكتور محمد رشيدي، في جاكرتا، عندما قمت بأول حلة دعوية لإندونيسيا والإشراف على نشاط بعض طلبة الجامعة الإسلامية الدعوي أيضاً.


وكان موقف الحكومة الإندونيسية موقفاً معادياً للدعوة والدعاة، حتى إن بعض العلماء كان مقيماً في بيته إقامة جبرية، ومنهم الدكتور محمد ناصر. وقد اعتقل بعد ذلك الأخ حلمي، ومكث سنتين تقريباً في السجن. ولهذا أحببت أن أعرف ما جرى له في تلك الفترة، فكان هذا الاجتماع الذي لم تكتمل فيه جميع المعلومات التي كنت أود الاطلاع عليها. قلت للأخ حلمي: أرجو أن تعطيني نبذة مختصرة، عن حياتك، وعن مسيرتك في الدعوة إلى الله في بلدك؟ فأجاب: الاسم: حلمي أمين الدين بن داتو محمد حسن.

المولد: في اليوم السادس من شهر يونيو في جاوة الغربية. الدراسة: تخرج من المرحلة الابتدائية في مدينة: "تشلنجون" في المنطقة الساحلية من جاوة الغربية. وتخرج من المرحلة المتوسطة الاقتصادية في مدينة "باندونغ" سنة: 1965م. وتخرج من المرحلة الثانوية الاقتصادية سنة: 1968م والتحق بكلية الاقتصاد في مدينة: "باندونغ" في نفس السنة، وتدرب في البنك الوطني في باندونغ.

نشاطاته:

كان عضواً في اتحاد الطلبة المسلمين في إندونيسيا، واشتغل بالدعوة. ولذا نصحه والده أن يترك دراسته في الكلية الاقتصادية، ويلتحق بالدراسات الشرعية. وسعى له في الحصول على منحة دراسية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فتحصل عليها، والتحق بالجامعة سنة: 1373م.

الأسرة:

والده من مواليد: 1917م. وأمه من مواليد سنة: 1926م. كان والده في عهد الاحتلال الهولندي يعمل في دائرة الأشغال العامة، في منطقة: "بَتْن" في أواخر الثلاثينات. عدد إخوان حلمي: سبعة، توفي اثنان، وهم صغار، وبقي خمسة: ذكران، وثلاث إناث.

نشاط والده:

كان والده من المجاهدين الذين أطلقوا على أنفسهم: "حزب الله". وكان يقود هذا الحزب عدد من المجاهدين، وكان والده مسئولاً عن حشد المسلمين لمقاومة الاستعمار وتوفير السلاح للمجاهدين وتمويلهم. وكان قائد حزب الله في منطقة: "شربون". واسم الكتيبة التي كان يرأسها: "سنن جوننغ جاتي" وهو لقب لشريف هداية الله. وقد أيد هذا الحزب جمهور الشعب الإندونيسي بعد استقلال إندونيسيا. وقام والد حلمي- بعد الاستقلال - بمطالبة الحكومة الإندونيسية بتطبيق الشريعة الإسلامية. وعندما رفض الرئيس سوكارنو تلبية ذلك الطلب، اشترك والده مع المجاهد: "سَكَرَا ماجي مرجان قارطوسو وِرْيو"-الذي كان من قادة الجيش ونائب وزير الدفاع في عهد سوكارنو- في الجهاد ضد الحكومة. وكان خروجهم ضد سوكارنو في اليوم السابع من شهر أغسطس سنة: 1962م. وفي هذه السنة طلب الجنرال "إبراهيم آجي" قائد الجيش في جاوة الغربية من سوكارنو أن يأذن له بالتفاوض مع المجاهدين - الذين أطلقوا على أنفسهم: "الحكومة الإسلامية" - وعلى المجاهدين: "الجيش الإسلامي الإندونيسي"- بشرط أن لا يمس سوكارنوا هؤلاء المجاهدين بسوء. فوافق سوكارنو على ذلك، إلا أنه استثنى من هذا الشرط رئيس الحكومة الإسلامية: "مرجان" السابق الذكر.

خديعة للإخلال بالشرط:

وفي أثناء المفاوضات مع قادة المجاهدين، أمر سوكارنو الجيش بمحاصرة الشعب في جاوة الغربية، وأجبر الشعب الذي كان يتعاون مع المجاهدين على محاصرتهم وعدم مساعدتهم بالطعام والشراب، فكان ذلك سبباً في موت كثير منهم من شدة الجوع والعطش. وكانت الحكومة الإسلامية توجد في جاوة الغربية، وفي آتشيه بسومطرة، بقيادة: "داود بيريه"، وفي سيلاويسي بقيادة الشيخ: "ابن حجر" الذي قتل فيما بعد في السجن، وفي جاوة الوسطى بقيادة: الحاج "إسماعيل بْراتوتو". وكان والد حلمي يشرف على جاوة ومادورا. وقد رفض والد حلمي بعض شروط التفاوض، واستطاع بعض الجنود القبض عليه، وذهبوا به إلى باندونغ وأطلقوا سراحه. وعمل في التجارة.

وعندما قام الانقلاب الشيوعي الفاشل سنة: 1965م قام بمحاربة الشيوعيين مع جنوده السابقين الذين جمعهم ونظمهم من جديد للعمل في الدعوة إلى إقامة حكومة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية.

مفاوضة سوهارتو مع المجاهدين: ‍

وعندما شعر سوهارتو بالخطر من ذلك دعاه مع داود إلى القصر الرئاسي سنة: 1977م للتفاوض معهما، طالباً منهما التنازل عن محاربة: أساس الحكم: "البانتشاسيلا" وفشل التفاوض لعدم استجابتهما لذلك الطلب. وفي الإجازة الدراسية من تلك السنة، رجع حلمي إلى إندونيسيا من المدينة المنورة، قال له والده: هذه أوراق الحكومة. وفيها ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: وقف محاولة تطبيق الشريعة. النقطة الثانية: تأييد حكومة العهد الجديد.النقطة الثالثة: تأييد الرئيس سوهارتو.

وقال: إن الموافقة على النقطتين: الثانية والثالثة، من حيث المبدأ، سهلة، وأما النقطة الأولى فلا يمكن الموافقة عليها. وسأل حلمي والده: لو أنك قبلت هذه الشروط، ماذا يحصل؟
قال: وعدني سوهارتو أن يعينني عضواً في مجلس النواب، وأن يمنحني خمسمائة مليون ربية، وكان الدولار في تلك الفترة: 250 ربية، أي إن المبلغ يساوي عشرين ألف دولار، وهو مبلغ كبير في تلك الأيام. فقال له حلمي: وإذا رفضت الموافقة، فماذا يحصل؟ قال: يدخلونني السجن. ووجه والد حلمي لابنه سؤالاً: هل اتصلت برجال الدعوة في الخارج؟ فأجابه حلمي: نعم. لأني أدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهي جامعة تعليم وتربية ودعوة، ويقوم عليها رجال العلم والتربية والدعوة، وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز.

رفَض التنازل فسجن:

وفي شهر نوفمبر، دعا قائد الجيش في باندونغ والد حلمي إلى مقر قيادته للتفاوض، الأخير وظل يرفض التنازل عن المطالبة بتطبيق الشريعة. وفي شهر سبتمبر، وبعد عودة حلمي إلى المدينة، اعتقلت الحكومة والده. ولم يخبروا أهله باعتقاله، ولا بمكانه. وقد بقي في السجن عشر سنين.

وبعد تخرج حلمي وعودته من المدينة، وبعد أن مضى على سجن والده سبع سنين، كتب خطاباً إلى الرئيس سوهارتو، وبعث بصور منه إلى كل من وزير الدفاع، ووزير العدل، والنيابة العامة، واللجنة القانونية في مجلس النواب، يطلب منهم في الخطاب محاكمة والده. وعقدت المحكمة العسكرية لمحاكمته، واتهم بأنه كان ينظم للانقلاب على الدولة، وحكم عليه بسجن عشر سنين، بما فيها السنين السبع الماضية. وبعد انقضاء المدة المذكورة، اتصل مدير السجن في باندونغ بحلمي في الساعة السابعة والنصف من صباح اليوم الثاني من شهر مايو سنة: 1987م وقال له: تعال خذ والدك.

قتلوه بالسم!

قال حلمي: وعندما ذهبنا - أنا وجميع العائلة - إلى السجن قبل موعد إطلاقه بربع ساعة، أخبرنا مدير السجن أن والده قد غادر السجن إلى بيته في الساعة السادسة والنصف صباحاً. فرجعوا إلى المنزل بعد صلاة الجمعة، ووجدوه فيه. وفي الساعة التاسعة ليلاً من ذلك اليوم شعر الوالد بألم شديد، صاحبه تقيئ، وكان من طبيعته المداومة على ذكر الله، فسمعه حلمي يرفع صوته بالذكر على غير العادة، فاقترب منه ومس جسمه، فوجده بارداً، فأخذ يدلك جسمه بالدهن، ونقله إلى السرير، وبدأ صوته يضعف، وأسلم نفسه لبارئها في نفس الوقت. قال الأخ حلمي: لقد قتلوه بالسم، وقد دلت على ذلك قرينتان:

القرينة الأولى: أني أخذت عينة من قيئه وسلمتها لمهندس كيماوي، فحللها ووجد فيها مادة سامة، توفي بعد تناولها بعشر ساعات.

القرينة الثانية: أنهم عندما كانوا يقومون بدفنه، رأوا أحد جنرالات الجيش يراقب الدفن على بعد مائة متر تقريباً، وكان ذلك واضحاً أنه أراد الاطمئنان على وفاة الضحية، واسم الضابط: بوبي رحمان. أراد حلمي من ذكر قصة والده، قبل أن يذكر نشاطه، تسجيل ما يفعله الطغاة
بالدعاة إلى الله في كل الأزمان، وأن يسجل حياة والده قبل حياته.

تتمة المعلومات عن الأخ حلمي:

درس حلمي في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتخرج فيها سنة: 1979م.
وكان قد التحق قبل ذلك بشعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في نفس الجامعة. وبعد تخرجه، رجع إلى بلده مدينة: باندونغ في شهر يناير سنة: 1980م. [وهي السنة التي التقيته فيها في أول زيارة قمت بها لإندونيسيا] تعاقد مع دار الإفتاء السعودية للقيام بالدعوة إلى الله في إندونيسيا. طلب منه سكرتير محافظة باندونغ الموافقة على تعيينه في إدارة شئون الحج، فاعتذر. وطلب منه ضابط في الجيش - واسمه: مأمون - يشرف على معهد إسلامي في باندونغ، أن يعينه مدرساً في المعهد، فاعتذر، ولا زال المعهد موجوداً، ويشرف عليه ابن الضابط المذكور، وهو متخرج من الأزهر، واسمه: منصور. وسبب اعتذاره أنه كان يريد التفرغ للدعوة في إندونيسيا.

العناية بالشباب:

بدأ عمله الدعوي بالاتصال بالجمعيات الإسلامية، وبخاصة جمعيات الشباب، وكان اتصاله والتجاوب معه سهلاً، لأن والده كان مشهوراً عند الناس. اتصل بحركة الشباب المسلم في جاكرتا، وهم من شباب حزب ماشومي، الذي يرأسه الدكتور محمد ناصر، و يسمى الآن: (المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية) يطلب منهم أن يمكنوه من تربية بعض شبابهم، فعينوا له عشرين شاباً منهم.

واتصل باتحاد الطلبة المسلمين في جاكرتا، فعينوا له مجموعة منهم. واتصل باتحاد الأمة الإسلامية الذي أنشأه الحاج عبد الحليم في مدينة: "محالينكا" والشيخ السنوسي في مدينة: "سكابومي" وكان إنشاء هذا الاتحاد في الأربعينات. فعينوا له مجموعة من الشباب.
واتصل بالاتحادات الطلابية في الجامعات الإندونيسية الكبيرة، فاجتمع حوله عدد كبير منهم.

أساس التوحيد يزعج المنافقين:‍

ألقى الأستاذ حلمي أمين الدين محاضرة في مقر اتحاد الطلبة، في الجامعة الإسلامية الحكومية في جاكرتا، في شهر أغسطس من عام: 1981م عن معنى الشهادتين: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تعرض في المحاضرة لمعنى الولاء والبراء، وكانت الدولة بوليسية في تلك الفترة، والولاء والبراء عند الدولة يجب أن يكون للمبادئ الخمسة: (البانتشاسيلا) وليس لله ولرسوله وللمؤمنين، فأزعجها تفسير: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) التي هي أساس الإسلام، والتي تتعارض مع أساس الحكم. وفي اليوم الرابع والعشرين من نفس الشهر اعتقلت الحكومة الأستاذ حلمي، بحجة أنه يحرض على إقامة دولة إسلامية…‍

دعاة التوحيد قطاع طرق!

جاء فريق من الجيش واقتحموا منزله، وكبلوه بالقيود، وأخذوه من بيته معصوب العينين، وكان بيته في الحي أمام المسجد. وعندما رآه أهل الحي بتلك الحالة، صاحوا مستنكرين: لماذا تفعلون هذا بهذا الرجل، وهو من العلماء؟ فقال لهم الضابط: إنه متورط في قطع الطريق ونهب أموال الناس بالقوة‍، فرد الناس عليه كلامه مكذبين له، لعلمهم بنزاهة عالمهم، فما كان منه إلا أن يستعمل سلاح الطغاة: الأمر والنهي من علُ، فقال لهم: اسكتوا.

طمأنة وتكذيب:

قال الأخ حلمي: عندما أخذني الزبانية من البيت، قالوا لي: نحن نريدك ساعات فقط، ثم تعود إلى منزلك. ولكني لم أصدقهم، فأخذت معي بعض الأغراض اللازمة استعداداً لوقت طويل. وكانوا - مع تغطية عينيَّ - يدورون بالسيارة في اتجاهات مختلفة للتمويه حتى لا أخمن
الجهة التي يذهبون بي إليها.

ترغيب وترهيب!

قال له الضابط في السيارة: إذا تعاونت معنا في التحقيق فستعود الليلة إلى منزلك، وإلا فانتظر النار. ولم يرد الأخ حلمي عليه. وعندما اقتربت السيارة من السجن، قال الضابط: حصلنا على بضاعة جديدة! وصاح جنود السجن: بضاعة جديدة.!

وجبة سريعة من التعذيب!

وعندما أدخلوه غرفة التحقيق، لم يكلموه بشيء، وإنما جردوه من ملابسه تجريداً كاملاً! وأخذوا يضربون في جميع أجزاء جسمه، حتى سقط على الأرض، ولبسوه أوراق جريدة وأشعلوا فيها النار. ونثروا على الأرض مواد حادة - لعلها من الحسك - وأمروه أن يحبو على ركبتيه عليها، وأخذوا يضربونه، ويشتد ضربهم له كلما توقف من الألم والتعب، وكان الدم يسيل من ركبتيه ومن جسمه. وقبيل الفجر كبلوا يديه ورجليه وربطوه في عمود الغرفة.
واستمروا في تعذيبه المتواصل لمدة أسبوعين، ثم عذبوه بعد ذلك ستة أشهر تعذيباً متقطعاً.

المذكرات الحمراء!

نقلوه بعد الأسبوعين الأولين إلى زنزانة أخرى، وكانوا قبل ذلك يكررون في أسئلتهم له سؤاله عن (المذكرات الحمراء). قال الأخ حلمي: وهذه المذكرات هي الأوراق التي وضع فيها الجيش إستراتيجيته العسكرية للانتخابات عام: 1972م. وكان قد حصل عليها صحفي يسمى: حسن، وهو من أعضاء حزب ماشومي المحظور، وأعطاني نسخة منها، وهي مذكرات سرية للغاية… وكنت أنكر علمي بها. وفي إحدى الليالي قمت أتهجد في آخر الليل في الزنزانة

وأتلو القرآن بصوت مرتفع نسبياً، وسمع أحد المعتقلين في زنزانة مجاورة صوتي، وناداني باسمي: أستاذ حلمي! فإذا هو الصحفي "حسن سورات مجا" الذي يعمل في جريدة: "أبدى" وهو الذي سلمني المذكرات الحمراء! فقلت له: اطمئن أنا لم أعترف، فقال لي: اعترف، أنا قد اعترفت.!

حيلة المعتقل للاعتراف بالمذكرات الحمراء!

قال الأخ حلمي: وفي اليوم الثاني قلت للضابط: سألتموني كثيراً عن المذكرات الحمراء، ولم تذكروا لي عنوانها، فما هو عنوانها؟ فسكت الضابط قليلاً، ثم خرج ورجع، وقال لي: عنوانها (استراتيجية الجيش في الانتخابات) فقلت له: نعم رأيتها، وهي عندي، وقد أخذتها من حسن! فقال لي الضابط: هل عرفت شيئاً من مضمونها؟ قلت: نعم وذكرت له بعض موضوعاتها. ثم أخذ الضابط يسأله عن أمور أخرى، منها: حركة دار الإسلام التي كان والده يقودها.

ولكن عندي هذا وهذا!

بقيت في السجن سنتين، ثم جاء إلي الضابط " مهتدي غزالي" [هكذا يسميهم آباؤهم تيمناً وتفاؤلاً، ليكونوا مهتدين مقتدين بعلماء الإسلام، كالإمام الغزالي... ولكنهم تجتالهم الشياطين فيصبحون معاول هدم للإسلام، وجنودا للطغاة يسلطونهم على رجال الدعوة، كما تسلط الكلاب المدربة على الاصطياد...!] وقال لي: إذا تعاونت معي في التحقيق فسيطلق سراحك. فقلت له: كيف ذلك؟ قال: لا أريد رئيسي يتهمني بأنني فشلت في التحقيق معك، أنا مسلم وأنت مسلم من منطقة "بَتَن" [وهي منطقة مشهورة بقوة تمسك أهلها بالإسلام.] ووالدي حاج، ولكن عندي هذا - وأشار إلى بطنه، يعني لا بد من المحافظة على رزقه ووظيفته ومكافآته - وعندي هذا - وأشار إلى كتفه، يعني رتبته العسكرية التي لا يريد أن يخسرها أو يهتز أمام مسئوليه -… قلت له: وكيف أتعاون معك؟ قال: نتشاور أنا وأنت
قبل أن تكتب الإجابة عن كل سؤال، فلا تكتب إلا ما نتفق عليه. قلت له: سأتعاون معك فيما لا يمس المبادئ التي لا مساومة عليها.

قال الأخ حلمي: وخرجت من السجن في: 18 من شهر يونيو سنة: 1983م. ونص العبارة التي سجلت في وثيقة الإفراج عني: (إيقاف التحقيق لعدم وجود المسوغات) [نعم لا توجد مسوغات لاستمرار التحقيق، ولكن المسوغات وجدت لاعتقال سنتين، وتعذيب وحشي واعتداء على الكرامة وإهدار الحقوق الشخصية والأسرية...!] وقد وقع على هذه الوثيقة: الجنرال إسماعيل صالح رئيس النيابة. وألزموني بمراجعتهم أسبوعياً لمدة ثلاثة أشهر بعد خروجي من السجن…

[كان من المقرر أن أجتمع مرة أخرى بالأخ حلمي، لاستكمال مسيرة الدعوة في إندونيسيا، ولكني شغلت وشغل هو، فلم نتمكن من الاجتماع لهذا الأمر مرة أخرى، ولعل الله ييسر ذلك في سفرة أخرى...]




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

9206045

عداد الصفحات العام

984

عداد الصفحات اليومي