{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(07)سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب :: (04)سافر معي في المشارق والمغارب :: (03)سافر معي في المشارق والمغارب :: (02)سافر معي في المشارق والمغارب :: (01)سافر معي في المشارق والمغارب :: (018)سافر معي في المشارق والمغارب :: (017)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0133)الجهاد ي سبيل الله-أمثلة لإمداد الله المجاهدين في سبيله

(0133)الجهاد ي سبيل الله-أمثلة لإمداد الله المجاهدين في سبيله



والأمثلة لإمداد الله عباده المجاهدين على أعدائهم الكافرين كثيرة، هذه بعضها:


في غزوة بدر:


كان عدد المسلمين ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، وكان الثلاثة منهم والأربعة يعتقبون بعيراً واحداً، فلم يكن معهم إلا سبعون بعيراً وثلاثة أفراس وكان عدد المشركين ما بين التسعمائة والألف، وكان معهم مائة فرس وقيل مائتان، أما الإبل فكانت كثيرة جداً... [راجع السيرة النبوية لابن هشام (1/613-666-706)].



قال ابن كثير: وقال يونس عن ابن إسحاق: خرجت قريش على الصعب والذلول في تسعمائة وخمسين مقاتلاً. ويكفي أن يعلم أن ما نحر لهم من الإبل لأكلهم من وقت خروجهم من مكة حتى نزلوا ببدر يقارب ثمانين ناقة أو جملاً. [البداية والنهاية (3/260)]. وقد كان قادة قريش مغرورين بهذه القوة المادية التي لا قبل لقوة المسلمين المادية بها، وقد وصف الله غرورهم ذاك في سياق نهيه للمؤمنين أن يكونوا مثلهم. في قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال:47].


قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله وكثرة ذكره، ناهياً لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم (بطراً) أي دفعاً للحق.. {ورئاء الناس} وهو المفاخرة والتكبر عليهم. كما قال أبو جهل لما قيل له: إن العير قد نجت فارجعوا.. فقال: لا والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزور ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبداً. [تفسير القرآن العظيم (2/317)].



وكان المشركون يظنون أنهم أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، وهذه هي مؤهلات النصر عندهم، وأن محمد صَلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا أقطع للرحم وأتوا بما لا يعرفه العرب، وأن هذا من أسباب الهزيمة فدعوا الله أن ينصرهم بذلك وأن يهلك المسلمين بهذا. قال ابن كثير: وقال الإمام أحمد - وساق سنده إلى – عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال حين التقى القوم: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة فكان المستفتح". [تفسير القرآن العظيم (2/296)]. أي الذي قال الله فيه: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:19].


ثم قال ابن كثير: "وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين". [تفسير القرآن العظيم (2/296) وراجع السيرة النبوية لابن هشام (1/628)].



وكان المشركون قد بلغوا أقصى غرورهم عندما أظهروا الاستهانة بجيش الرسول صَلى الله عليه وسلم، والاستغناء عن أي عون مادي لما عندهم من القوة التي لا تقهر - كما يقول اليهود الآن - فقد بعث خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري - أو أبوه – إلى قريش يعرض عليهم أن يمدهم بالسلاح والرجال. فأرسلوا إليه قائلين: "فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس، فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله، كما يزعم محمد، فما لأحد بالله من طاقة". [السيرة النبوية لابن هشام (1/621)].



ولقد صدقوا وكذبوا! صدقوا بأنهم إن كانوا إنما يقاتلون الله فما لأحد بالله من طاقة، وكذبوا في ظنهم بأنهم إنما يقاتلون محمداً وقومه وأن زعمه بأن الله معه غير صحيح.



فكيف كانت نتيجة غرور الجيش المشرك القوي العاتي الذي واجه جيشاً قليلاً عدده، قليلة عدته، وما الأسباب التي منحها الله لجنده المجاهدين. ؟ لقد أمد الله جنده المؤمنين بإخوانهم من أهل السماء. وغشاهم بالنعاس الذي أحدث به الأمن في نفوسهم. وأنزل عليهم المطر الذي يشربون منه ويتطهرون ويسقون أنعامهم ويثبت لهم الأرض التي يمشون عليها. وأوقع الرعب في قلوب أعدائهم. كل ذلك منحهم الله إياه ليستبشروا وتطمئن قلوبهم وتكون هزيمة عدوهم على أيديهم، وإن كان الله قادراً على أن يهزمهم بغير قتال. قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:9-13].



وامتن سبحانه على عباده المجاهدين الذين باشروا القتال، بأن النصر كان من عنده، وأنهم لو وكلوا إلى قوتهم لما كان ذلك النصر المبين. فقال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال:17-18]. وقد كان الرسول صَلى الله عليه وسلم رمى الكفار بقبضة من تراب فلم يبق أحد من المشركين إلا ناله منها شيء فكانت من أسباب هزيمتهم. [راجع تفسير الآية في تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/295)].



ونصر الله القلة المؤمنة على الفئة الكافرة.



وقد أخبر الرسول صَلى الله عليه وسلم عن ضعف المسلمين المادي في دعائه الذي رواه عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن الرسول صَلى الله عليه وسلم خرج يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلاً، فلما انتهى إليها، قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم اللهم إنهم جياع فأشبعهم) ففتح الله يوم بدر فانقلبوا - حين انقلبوا - وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا.." [أخرجه أبو داود (2747). وهو جامع الأصول (8/188) قال المحشي وإسناده حسن..].



وبظهر من هذا الحديث كثرة جمال المشركين التي حضروا بها المعركة، لأنه إذا كان كل رجل من الصحابة رجع بجمل واحد، فإنهم رجعوا بما لا يقل عن ثلاثمائة، فإذا كان منهم من رجع بجمل ومنهم من رجع بجملين، فإن عددها قد يصل إلى ما يقارب خمسمائة جمل.



وقد رأى بعض المجاهدين أثر قتال الملائكة معهم في المعركة، وأخبر به النبي صَلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن من الأسباب العادية المألوفة، فأخبرهم النبي صَلى الله عليه وسلم أن ذلك من مدد السماء.كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقياً، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع.. فجاء الأنصاري، فحدث بذلك رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فقال صَلى الله عليه وسلم: (صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة).. فقتلوا يومئذٍ سبعين وأسروا سبعين". [جامع الأصول (8/183)].



وقد كان لهذا النصر المبين أثره في نفوس الناس الذين تنوقلت إليهم أخبار المعركة التي سماها الله يوم الفرقان، فرق الله بها بين الحق والباطل، لأن الناس تيقنوا أن أهل الكفر الذين يقاتلون محمداً رسول الله وصحبه إنما يقاتلون الله وأن الذي يقاتل الله لا طاقة له به. قال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله: "كان أثر المعركة في العرب عامة بعيد المدى، فقد سارت الركبان في الصحراء العربية بهزيمة قريش، على يد طريدها الذي أخرجته وأصحابه من ديارهم وأموالهم، لأنه ينكر الوثنية ويدعو إلى الوحدانية ويقول: إنه يوحى إليه من عند الله تعالى.فكان ذلك النصر منبهاً للعرب بحقيقة الدعوة المحمدية وسلامتها وقوتها، فوهنت العقيدة الوثنية بين العرب، وأخذت العقول تدرك الحقائق وتطرح الأوهام التي نسجها الخيال الضال حول الأحجار.وبذلك صارت كلمة الله تعالى هي العليا، وكلمة الشرك السفلى، وكان يوم الغزوة بحق يوم الفرقان، إذ فرق فيه الناس وانتقل المسلمون من مستضعفين في الأرض إلى أقوياء يكاثرون الناس بقوتهم.كما قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال:26]. هذه إشارة إلى أثر ذلك النصر المبين في البلاد العربية، لقد نظر إليه العرب على أن الإسلام هو القوة الحقيقية في البلاد العربية، وكان من ذلك أن أخذ الناس يفكرون. [خاتم النبيين صَلى الله عليه وسلم (2/1423)].



ولقد أثار هذا النصر دهشة الناس الذين لم يكن الميزان الرباني موجوداً في أذهانهم للنصر والهزيمة، وإنما الميزان المادي الذي اختل أمام أعينهم.قال ابن كثير رحمه الله: "وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة قباث ابن أشيم الليثي من طريق الواقدي وغيره بإسنادهم إليه، أنه شهد يوم بدر مع المشركين فذكر هزيمتهم مع قلة أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم. قال: وجعلت أقول في نفسي: ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء، والله لو خرجت نساء قريش بالها.. [قال في الحاشية: في الأصلين هكذا (بالها) ولعلها بآلتها.. أي بسلاحها..]. ردت محمداً وأصحابه، فلما كان بعد الخندق قلت لو قدمت المدينة، فنظرت إلى ما يقول محمد وقد وقع في نفسي الإسلام. قال: فقدمتها فسألت عنه فقالوا: هو ذاك في ظل المسجد في ملأ من أصحابه فأتيته وأنا لا أعرفه من بين أصحابه فسلمت. فقال: (يا قباث بن أشيم أنت القائل يوم بدر: ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء)، فقلت أشهد أنك رسول الله، فإن هذا الأمر ما خرج مني إلى أحد قط، ولا تزمزمت به إلا شيئاً حدثت به نفسي، فلولا أنك نبي ما أطلعك عليه هلم أبايعك على الإسلام فأسلمت.. [البداية والنهاية (3/301)].



والشاهد من هذه القضية أن قباثاً دهش من انتصار فئة قليلة ضعيفة على فئة كثيرة قوية، ولكن هذا الأمر بقي يحوك في نفسه وأخذ يفكر حتى هداه ذلك إلى الاتصال بالرسول صَلى الله عليه وسلم ثم إلى الإسلام.



؟؟؟في غزوة الخندق "الأحزاب":
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب:9-11].


فقد حرض اليهودُ المشركين من أهل مكة ونجد، على غزو رسول الله صَلى الله عليه وسلم وأصحابه للقضاء عليهم، فاجتمعوا وغزوا المدينة وعددهم يقارب عشرة آلاف وكانوا أسفل المدينة..

ونقضت بنو قريظة عهدها مع الرسول صَلى الله عليه وسلم، وعددهم ثمانمائة مقاتل، وتواطأت مع الأحزاب وكانوا في أعلى المدينة، وكان المسلمون لا يزيد عدد الذين خرجوا لقتال المشركين عن ثلاثة آلاف، يحيط بهم المشركون من الأسفل وبنو قريظة من الأعلى..

قليل طعامهم، شديد عليهم البرد وهم في العراء، واضطروا أن يحفروا خندقاً بينهم وبين المشركين، ليكون حاجزاً بينهم واشتد عليهم البلاء كما ذكر الله وبلغت القلوب الحناجر من شدة الخوف والجوع والبرد وغدر بني قريظة..



وماذا عسى أن يفعل عددهم القليل، أمام ذلك العدد الضخم الحاقد الذي عزم على استئصال شأفة المسلمين، ودام حصار المشركين قريباً من شهر والمسلمون على تلك الحال..



وقد أكرم الله تعالى رسوله صَلى الله عليه وسلم بأمور كثيرة خارقة للأسباب المألوفة، عوناً منه سبحانه لهم ونصراً على عدوهم.



من ذلك تكثير تمر ابنة بشير بن سعد



كما قال ابن إسحاق: "وحدثني سعيد بن مينا أنه حدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما، قالت: فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله صَلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي، فقال: (تعالي يا بنية، ما هذا معك)؟ قالت: فقلت يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه. قال: (هاتيه). قالت: فصببته في كفي رسول الله صَلى الله عليه وسلم فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحى بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب.. ثم قال لإنسان عنده: (اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه).



ومن ذلك تيسير الله لنبيه صَلى الله عليه وسلم إزالة الصخرة التي عرضت للصحابة، وهم يحفرون الخندق فلم يقدروا على إزالتها. ومن ذلك تكثير الله تعالى له عليه الصلاة والسلام صاعاً من شعير وعناق صنعها جابر له فدعا أهل الخندق فأكلوا حتى شبعوا. وقد ذكر القصتين جابر رضِي الله عنه قال: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صَلى الله عليه وسلم، فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق.. فقال: (أنا نازل). ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي صَلى الله عليه وسلم المعول فضرب في الكدية فعاد كثيباً أهيل أو أهيم. فقلت يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي رأيت بالنبي صَلى الله عليه وسلم شيئاً ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ فقالت عندي شعير وعناق فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم بالبرمة، ثم جئت النبي صَلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: (كم هو؟) فذكرت له، فقال: (كثير طيب).. قال: (قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي)، فقال: (قوموا..) فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي صَلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم فقال: (ادخلوا ولا تضاغطوا) فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية..قال: (كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة). [البخاري رقم 4101 و4102 فتح الباري (7/395)].



قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: "لما كان حين أمرنا رسول الله صَلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي صَلى الله عليه وسلم. فجاء فأخذ المعول فقال: (بسم الله) فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام.. والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة) ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر، فقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس.. والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض)، ثم ضرب الثالثة، وقال: (بسم الله) فقطع بقية الحجر، فقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة). [فتح الباري (7/397)].



ومن الأمور التي أكرم الله بها جنده ما منحه حذيفة من الدفء في ليلة شديدة الريح والبرد عندما انتدبه الرسول صَلى الله عليه وسلم لينظر ما فعل الأحزاب ويعود بخبرهم، قال حذيفة: "لقد رأيتنا مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة) فسكتتا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: (ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة) فسكتنا فلم يجبه منا أحد..فقال: (قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم) فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي إلا أن أقوم، قال: (اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي) [أي لا تفزعهم ولا تحركهم عليّ] فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (لا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته خبر القوم وفرغت قررت، فألبسني رسول الله صَلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى أصبحت فلما أصبحت قال: (قم يا نومان). [صحيح مسلم، برقم (1788)].



تأمل قوله: " وأخذتنا ريح شديدة " …



وتأمل.. سكوت جميع الصحابة الحاضرين عن إجابة طلبه صَلى الله عليه وسلم الذي لم يعين فيه أحداً، مع قوله صَلى الله عليه وسلم: (جعله الله معي يوم القيامة). يردد ذلك ثلاث مرات، مع ما عرف من حرص الصحابة رضِي الله عنهم من المسابقة في أعمال الخير التي فيها ثواب مطلق، فكيف وهو يدعو بذلك لأي فرد منهم لبى طلبه! إن ذلك يدل على أن الريح والبرد الشديدين قد بلغا مدى يصعب على النفس البشرية أن تتحمل الخروج فيهما. وتأمل قول حذيفة رضي الله عنْه في ذهابه وعودته: (كأنما أمشي في حمام) (وأنا أمشي في مثل الحمام).. إن هذا الأمر عندما يتناقله الناس وقد وقع، ليجعل الناس يفكرون في أمر هذا الدين.



ومن أهم ما أكرم الله به جنده المجاهدين في هذه الغزوة هو ما أمدهم به من الريح الشديدة التي زلزلت أقدام المشركين وأرعبت قلوبهم واقتلعت خيامهم ولم يثبت لهم شيء معها في معسكرهم..



وكذلك ما منحهم من جنده من الملأ الأعلى الذين زلزلوا المشركين وأرعبوهم،كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الأحزاب:9]. فجعلهم سبحانه يسرعون في الارتحال قلقين خائفين، ويظهر ذلك في حال أبي سفيان زعيم قريش التي وصفها حذيفة:



"ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه، فوثب به على ثلاث فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صَلى الله عليه وسلم إليَّ أن لا تحدث شيئاً حتى تأتيني ثم شئت لقتلته". [السيرة النبوية لابن هشام (2/232)]. وسبق قول الرسول صَلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (الآن نغزوهم ولا يغزونا). [صحيح البخاري، برقم (3884)]. وقال الحافظ ابن حجر: "وفيه إشارة بأنهم رجعوا بغير اختيارهم بل بصنع الله تعالى لرسوله". وذكر الواقدي أنه صَلى الله عليه وسلم قال ذلك بعد أن انصرفوا وذلك لسبع بقين من ذي القعدة، وفيه علم من أعلام النبوة فإنه صَلى الله عليه وسلم اعتمر في السنة المقبلة فصدته قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها، فكان ذلك سبب فتح مكة، فوقع الأمر كما قال صَلى الله عليه وسلم وأخرج البزار بإسناد حسن صحيح من حديث جابر شاهدا لهذا الحديث ولفظه أن النبي صَلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب وقد جمعوا له جموعاً كثيرة (لا يغزونكم بعد هذا أبداً ولكن أنتم تغزونهم) [فتح الباري (7/405)].



قال ابن القيم رحمه الله: "وأرسل الله عز وجل على المشركين جنداً من الريح، فجعلت تقوض خيامهم ولا تدع لهم قدراً إلا كفأتها ولا طنباً، إلا قلعته ولا يقر لهم قرار، وجند الله من الملائكة يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف". [زاد المعاد (2/132)].



في غزوة حنين:


قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة:26].


كان عدد المسلمين في هذه المعركة اثني عشر ألفاً: عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار الذين فتح بهم الرسول صَلى الله عليه وسلم مكة، وألفان من الطلقاء من أهل مكة، وقد أثرت هذه الكثرة في نفوسهم، كما ذكر الله: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}. وعبر عن ذلك أحدهم كما قال الحافظ ابن حجر: "روى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن الربيع بن أنس قال: قال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي صَلى الله عليه وسلم فكانت الهزيمة". [فتح الباري (8/29)].



ولقد ولىَّ أكثر الصحابة رضي الله عنْهم عن رسول الله صَلى الله عليه وسلم، في أول المعركة عندما فاجأتهم هوازن فرشقتهم بالنبال، وأصلتوا عليهم السيوف، وحملوا عليهم حملة رجل واحد في غلس الصبح، ولم يبق مع الرسول صَلى الله عليه وسلم إلا عدد قليل اختلف فيه، فقيل اثنا عشر، وقيل ثمانون، وقيل أقل من مائة..قال الحافظ ابن حجر: "وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن، قال: لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين". [هكذا هو في الفتح.. وقد راجعت الحديث في متن سنن الترمذي (4/200) بتحقيق إبراهيم عطوة عوض مطبعة مصطفى البابي الحلبي ـ الطبعة الثانية سنة1395هـ فوجدته هكذا: (وإن الفئتين لموليتين) وفيه إشكال، والأصل أن يكون: (لموليتان) لأنه خبر إن وهو مرفوع، ثم رجعت إلى تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي للمبارك فوري، الناشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة (5/336) فوجدته هكذا: (وإن الفئتين لموليتان) وهو يوافق القاعدة النحوية المشار إليها سابقاً. وقال الشارح: (كذا في النسخ الحاضرة وأورد الحافظ هذا الحديث في الفتح نقلاً عن الترمذي، وفيه: (وإن الناس لمولين) مكان: (وإن الفئتين لموليتان..) أ.هـ. قلت: قال الترمذي عقب سياقه هذا الحديث في المتن المشار إليه سابقاً: (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله إلا من هذا الوجه).



أما لفظه في كتاب تحفة الأحوذي فهو: (هذا حديث حسن صحيح غريب..) بزيادة (صحيح). وقد راجعت الطبعة الهندية فوجدت هذه الزيادة فيها أيضاً..]. وما مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم مائة رجل. وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين.. وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: كنت مع النبي صَلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة... وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفى أن يكونوا مائة وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين.



وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنه ثبت معه اثنا عشر رجلاً، فكأنه أخذ بما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث، وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن بن أم أيمن ومن المهاجرين أبو بكر وعمر، فهؤلاء تسعة..وقد تقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم فهؤلاء عشرة ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط... ولعل هذا هو الثبت ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم. [فتح الباري (8/29-30)].



وسواء كان العدد الذي ثبت مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم هو أقل من مائة وأكثر من الثمانين أو كان ثمانين فقط، أو اثني عشر أو عشرة فإن ذلك يدل أن القوة المادية التي حصل الإعجاب بها قد ضعفت وانهزمت، كما عبر عنها سبحانه وتعالى بقوله: {فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}. فكانت في ميزان النظرة البشرية الصرفة هزيمة، عاقبتها أن يتبع العدو المنتصر الجيش المنهزم، فيقتل من يقتل منه ويأسر من يأسر، وترتفع راية الكفر في هذه المعركة، ويبدأ الناس يفكرون في تجمع قوى الشرك ورفع لوائه لسحق المسلمين. ولكن الأمر لم يسر على هذا الميزان، وإنما سار على ميزان آخر هو نزول المدد على جيش الإسلام، بعد أن تلقى درساً في إعجابه بكثرته ونسيانه أن النصر الحقيقي ليس بالكثرة العددية ولا بالقوة وإن كانا مطلوبين، وإنما النصر الحقيقي من عند الله وحده.



لذلك عقب سبحانه على الإدبار الذي حصل لأصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم بقوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة:26]. عقب بثم التي فصلت فصلاً كاملاً بين القوة المادية المنهزمة وبين ما منحه الله لحزبه من أسباب النصر الخارقة للأسباب المادية: إنزال السكينة على المجاهدين من عنده، وإنزال الجنود السماوية، وظهر أثر ذلك في الأوبة السريعة، والتلبية العالية والالتفاف العظيم حول رسول الله صَلى الله عليه وسلم، والاستبسال الرفيع والشجاعة النادرة..



كما ظهر في إيصال الحصيات التي رماها رسول الله صَلى الله عليه وسلم إلى وجوه القوم وقال بعدها: (انهزموا ورب محمد)..ففي حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنْه قال: "شهدت مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب رسول الله صَلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صَلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صَلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صَلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع. وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (أي عباس ناد أصحاب السمرة). فقال عباس وكان رجلاً صيتاً فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال:"فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها".فقالوا: "يا لبيك يا لبيك" قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنظر النبي صَلى الله عليه وسلم، وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى إقبالهم.



فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (هذا حين حمي الوطيس) قال: ثم أخذ رسول الله صَلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه القوم ثم قال: (انهزموا ورب محمد). قال فذهبت أنظر وإذا القتال على هيئته قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً. [جامع الأصول (8/392) وقال أخرجه مسلم،برقم (1575)].



وفي حديث سلمة بن الأكوع، قال: "غزونا مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم، فتوارى عني فما دريت ما صنع ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي صَلى الله عليه وسلم، فولى صحابة النبي صَلى الله عليه وسلم، وأرجع منهزما، وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا، ومررت على رسول الله صَلى الله عليه وسلم منهزما، وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (لقد رأى بن الأكوع فزعا) فلما غشوا رسول الله صَلى الله عليه وسلم، نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال: (شاهت الوجوه) فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله عز وجل" [صحيح مسلم، برقم (1777)]



كما ظهر ذلك فيما رآه المشركون الذين بعثهم مالك بن عوف رئيس هوازن عيوناً على رسول الله صَلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال ابن إسحاق: "وحدثنا أمية بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال ويلكم ما شأنكم؟ فقالوا رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد". [السيرة النبوية لابن هشام (2/439)].



إن هذه الأسباب الخارقة للعادة التي كان يمنحها الله حزبه المجاهدين، كان يشاهدها المؤمنون فيزدادون إيماناً ويشاهدها أعداء الله فتملأ قلوبهم رهبة ورعباً، وتجعلهم يفكرون في أمر هذا الدين ثم يدخلون فيه فيزداد المسلمون عزاً ويزداد الكفار قلة وذلاً.

قال الحافظ: "ولأحمد وأبي داود والترمذي من حديث أبي عبد الرحمن الفهري في قصة حنين، قال: فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله) ثم اقتحم عن فرسه فأخذ كفاً من تراب..قال: فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه فهزمهم..! قال يعلى بن عطاء رواية عن أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: "لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه تراباً". [فتح الباري (8/32)]. فقد رأى الصحابة رمي الرسول صَلى الله عليه وسلم التراب في وجوه القوم، وسمعوا دعاءه، ورأوا على أثر ذلك هزيمة الكفار، وأقر المشركون أن التراب الذي رماه الرسول صَلى الله عليه وسلم أصاب عين كل واحد وفمه، فسبحان من أعز جنده وهزم الأحزاب وحده.



يا سارية الجبل:



لقد تقدمت العلوم المادية الآن، وأصبح من السهل اليسير أن يتصل من في أقصى الأرض بالمشرق، بمن في أقصاها بالمغرب والعكس صحيح، بل يستطيع أن يتصل أهل الأرض بمن صعد من إخوانهم على بعض كواكب السماء كالقمر بالأجهزة غير السلكية وبالأجهزة السلكية. وأصبح الناس يسمعون صوت البعيد ويرون صورته وهو يتحدث من أي مكان في العالم، هذه الأمور أصبحت من الأمور العادية للناس كلهم. أما أجهزة الحرب السرية فأمرها أعظم من ذلك بكثير، ولكن هذه الأمور قبل هذا العصر كانت من الأمور التي لو تحدث عنها أحد لوصفوه بالجنون، فكيف بعصر النبوة والخلافة الراشدة الذي لم يكن فيه أصلاً تفكير في مثل هذه الأمور؟ في هذا الوقت يمنح الله حزبه وسيلة كشف الخطر الآتي من عدوهم، وكشف المكان الذي يجب أن يلجأوا إليه، لأنه أحصن لهم من غيره ويمنحه كذلك إيصال صوت قائدهم الأعلى من المدينة النبوية إلى بلاد فارس، ويجعل ذلك سبباً في نصر جنده وهزيمة عدوه. فقد كان سارية بن زنيم على رأس جيش من المسلمين لمحاربة الفرس عبدة النار، وكان الجيش الكافر عظيماً لو أحاط بسارية وجيشه لأفناهم، وكان جيش سارية في عراء..فأطلع الله عمر بن الخطاب على ذلك وهو على المنبر يخطب الناس، فأخذ يصيح: يا سارية الجبل ثلاثاً، فوصل صوته إلى الجيش الإسلامي، فأسندوا ظهورهم إلى جبل كان قريباً منهم فنصرهم الله وهزم عدوهم.



قال ابن كثير رحمه الله: "وقال عبد الله بن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان، عن نافع عن ابن عمر أن عمر وجه جيشاً ورأس عليهم رجلاً يقال له سارية، قال: فبينما عمر يخطب، فجعل ينادي يا ساري الجبل، يا ساري الجبل ثلاثاً. ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينما نحن كذلك إذ سمعنا منادياً: يا سارية الجبل ثلاثاً، فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله قال: فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك. وهذا إسناد جيد حسن". ثم ساق ابن كثير طرقاً أخرى وقال بعد ذلك: "فهذه طرق يشد بعضها بعضاً". [البداية والنهاية (7/130-132)].



قصة العلاء بن الحضرمي:



أفرغت السماء ماءها للمجاهدين واستقبل البحر خيلهم مثل اليابسة.

قال ابن كثير ناقلاً عن البيهقي: "قال: ثم جهز عمر بن الخطاب جيشاً واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي، قال أنس: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا، فعفوا آثار الماء، والحر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة، فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده إلي السماء، وما نرى في السماء شيئاً. قال: فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحاً وأنشأ سحاباً، وأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجاً في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج، وقال: يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم الله قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيراً فأصبنا العدو عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج فقال: مثل مقالته فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا - إلى أن قال ابن كثير-: قال البيهقي رحمه الله: وقد روي عن أبي هريرة قصة العلاء بن الحضرمي في استسقائه ومشيهم على الماء... بنحو من هذا. وذكر البخاري في التاريخ لهذه القصة إسناداً آخر. وقد أسنده ابن أبي الدنيا عن أبي كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجلي عن عبد الله بن سهم بن منجاب، قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي، فذكره. [البداية والنهاية (6/155)].



في فتح المدائن كأنما يسيرون على وجه الأرض:



إن قصة سعد بن أبي وقاص التي عزم فيها أن يقتحم نهر دجلة بجيشه على خيولهم، لعدم وجود السفن، من أعظم قصص الكرامات التي منح الله بها عباده المجاهدين، وإنها على طولها لجديرة بالنقل في هذا الموضع من هذا البحث، وقد ساقها ابن كثير رحمه الله سياقاً يغري بقراءتها، وها هي بطولها: قال رحمه الله: "لما فتح سعد نهر شير واستقر بها وذلك في صفة لم يجد فيها أحداً ولا شيئاً مما يغنم، بل قد تحولوا بكمالهم إلى المدائن، وركبوا السفن وضموا السفن إليهم، ولم يجد سعد رضي الله عَنه شيئاً من السفن وتعذر عليه تحصيل شيء منها بالكلية وقد زادت دجلة زيادة عظيمة وأسود ماؤها ورمت بالزبد من كثرة الماء بها. وأُخبر سعد بأن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن إلى حلوان، وإنك إن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الأمر، فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجله، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليهم معه وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا أني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرشد، فافعل، فعند ذلك ندب سعد الناس إلى العبور، ويقول: من يبدأ فيحمي لنا الفراض - يعني ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى - ليجوز الناس إليهم آمنين. فانتدب عاصم بن عمرو، وذو البأس من الناس قريب من ستمائة فأمر سعد عليهم عاصم بن عمرو، فوقفوا على حافة دجلة. فقال عاصم: من ينتدب معي لنكون قبل الناس دخولاً في هذا البحر فنحمي الفراض من الجانب الآخر؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين، والأعاجم وقوف صفوفاً من الجانب الآخر..



فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة فقال: أتخافون من هذه النطفة؟ ثم تلا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً} [آل عمران: من الآية145].ثم أقحم فرسه فيها واقتحم الناس. وقد افترق الستون فرقتين أصحاب الخيل الذكور، وأصحاب الخيل الإناث، فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا: دِيوانا ديوانا. يقولون: مَجانين مجانين. ثم قالوا: والله ما تقاتلون إنساً بل تقاتلون جناً. ثم أرسلوا فرساناً منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم ابن عمرو أصحابه. أن يشرعوا لهم الرماح ويتوخوا الأعين، ففعلوا ذلك بالفرس فقلعوا عيون خيولهم، فرجفوا أمام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من الماء. واتبعهم عاصم وأصحابه، فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الأخر ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر، ونزل بقية أصحاب عاصم من الستمائة في دجلة فخاضوها حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر. فقاتلوا مع أصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب، وكانوا يسمون الكتيبة الأولى كتيبة الأهوال، وأميرها عاصم بن عمرو، والكتيبة الثانية الكتيبة الخرساء، وأميرها القعقاع بن عمرو..



وهذا كله وسعد والمسلمون ينظرون إلى ما يصنع هؤلاء الفرسان بالفرس وسعد واقف على شاطئ دجله، ثم نزل سعد ببقية الجيش، وذلك حين نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين. وقد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم اقتحم بفرسه دجلة، واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملأوا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة. وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض، وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والأمن والوثوق بأمر الله ووعده ونصره وتأييده. ولأن أميرهم سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد توفي رسول الله صَلى الله عليه وسلم وهو عنه راض، ودعا له.. فقال: (اللهم أجب دعوته وسدد رميته) [تحفة الأحوذي (10/254)].



والمقطوع به أن سعداً دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليم فسددهم الله وسلمهم، فلم يفقد من المسلمين رجل واحد. غير أن رجلاً واحداً يقال له فرقدة البارقي زل عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاع بن عمرو بلجامها، وأخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه، وكان من الشجعان فقال: عجز النساء أن يلدن مثل القعقاع بن عمرو. ولم يعدم للمسلمين شيئا من أمتعتهم، غير قدح من خشب لرجل يقال له مالك بن عامر، كانت علاقته رثة فأخذه الموج فدعا صاحبه الله عز وجل، وقال: اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي. فرده الموج إلى الجانب الذي يقصدونه، فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه، وكان الفرس إذا أعيا وهو في الماء يقيض الله له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح وحتى أن بعض الخيل ليسير وما يصل الماء إلى حزامها، وكان يوماً عظيما وأمراً هائلاً وخطباً جليلاً وخارقاً باهراً، ومعجزة لرسول الله صَلى الله عليه وسلم، خلقها الله لأصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد ولا في بقعة من البقاع سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة بل هذا أجل وأعظم.. فإن هذا الجيش كان أضعاف ذلك..



قالوا: وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. والله لينصرن الله وليه وليظهرن الله دينه وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات. فقال له سلمان: "إن الإسلام جديد ذللت لهم والله البحور، كما ذلل لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا أفواجاً. فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحد ولم يفقدوا شيئا ولما استقل المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن فلم يجدوا بها أحداً. [البداية والنهاية (7/64-66)].



ترى هذا الحدث عندما يقع للمسلمين أنفسهم، ألا يزداد يقينهم ويقوى إيمانهم وتثبت به قلوبهم فيزدادون عزاً وقوة ومنعة؟. وعندما يراه أعداء الإسلام الذين يقولون لأول وهلة: مجانِين مجانين، ثم تكون النتائجُ النصرَ المبين للمجاهدين والهزيمة والخذلان والمهانة لأعدائهم..ألا يكون ذلك داعياً لهم إلى التفكير في أمر هذا الدين ثم الدخول فيه فيزداد المسلمون قوة على قوتهم وعزاً على عزهم؟ بلى.. وهذا ما حصل فقد دخل أهل البلدان المفتوحة في دين الله وأعز الله بهم الإسلام بعد أن أذلهم بالكفر.



والذي يراجع معارك المسلمين مع أعدائهم في كل زمان ومكان يرى تنزيل نصر الله على أوليائه، وإنزال الهزيمة بأعدائه، إذ أن العدو في أغلب المعارك يكون عدده أضعاف أَضعاف عدد المسلمين، وعُدده المادية تفوق عدد المسلمين بكثير، ومع ذلك يكون النصر للمسلمين على الكافرين. قال القرطبي: "وقد وقف جيش مؤته، وهم ثلاثة آلاف، في مقابلة مائتي ألف.. -إلى أن قال-: قلت: ووقع في تاريخ فتح الأندلس أن طارقاً مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، فالتقى وملك الأندلس لذريق وكان في سبعين ألف عنان، فزحف إليه طارق وصبر له، فهزم الله الطاغية لذريق وكان الفتح.. [الجامع لأحكام القرآن (7/381)].



ولكن نزول نصر الله على عباده المؤمنين الذي يخرق لهم الأسباب المادية، مشروط باستنفاد المسلمين طاقاتهم، وقيامهم بكل سبب يقدرون عليه، فإذا تقاعسوا عن ذلك فإنهم لا يستحقون نصره وهم نيام. قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال:60].


ولو كان الله ينصر المسلمين بالخوارق وحدها وهم قاعدون، لكان أحق الناس بذلك رسول الله صَلى الله عليه وسلم، الذي قضى وقته كله مجاهداُ وتعرض للأذى والجروح والتعب.فخرق الأسباب المادية عند الله قريب لمن قام بالأسباب المادية المأمور بها، مع الإيمان والعمل الصالح...



وتأمل كيف قارن ابن تيمية رحمه الله بين ما وقع للمشركين في الخندق من الهزيمة التي أنزلها الله بهم، وما وقع للتتار في عهده، يظهر لك استمرار نصر الله لأوليائه على أعدائه بأسباب خارقة للعادة، إذا علم صدق المجاهدين في سبيله وقيامهم بما يطيقون من الأسباب. قال رحمه الله: "وكان عام الخندق برد شديد وريح شديدة منكرة بها صرف الله الأحزاب عن المدينة. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الأحزاب:9]. وهكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد، على خلاف أكثر العادات حتى كره أكثر الناس ذلك، وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك فإن لله فيه حكمة ورحمة. وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله بها العدو، فإنه كثر عليهم الثلج والمطر والبرد حتى هلك من خيلهم ما شاء الله، وهلك أيضاً منهم من شاء الله، وظهر فيهم وفي بقية خيلهم من الضعف والعجز بسبب البرد والجوع ما رأوا أنهم لا طاقة لهم معه بقتال. حتى بلغني عن بعض كبار المقدمين في أرض الشام أنه قال: لا بيض الله وجوهنا.. عدونا في الثلج إلى شعره.. ونحن قعود لا نأخذهم، وحتى علموا أنهم كانوا صيداً للمسلمين لو يصطادونهم.. لكن في تأخير الله اصطيادهم حكمة عظيمة.. [مجموع الفتاوى (28/445)].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8678332

عداد الصفحات العام

477

عداد الصفحات اليومي