{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(07)سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب :: (04)سافر معي في المشارق والمغارب :: (03)سافر معي في المشارق والمغارب :: (02)سافر معي في المشارق والمغارب :: (01)سافر معي في المشارق والمغارب :: (018)سافر معي في المشارق والمغارب :: (017)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0137)الجهاد في سبيل الله-المبحث الرابع: هداية المجاهدين وتسديد خطواتهم

(0137)الجهاد في سبيل الله-المبحث الرابع: هداية المجاهدين وتسديد خطواتهم


وفيه فرعان:



الفرع الأول: عناية الله العامة بالمجاهدين وتسديدهم



الفرع الثاني: تسديد المجاهدين في قتال العدو وأساليبه.



الفرع الأول: عناية الله العامة بالمجاهدين وتسديدهم



قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]. وعد الله تعالى من جاهد فيه أن يهديه سبله - أي الطرق الموصلة إلى مرضاته وأنه تعالى مع المحسنين، والمحسنون هم الذين أحسنوا كل أعمالهم التي أمرهم الله تعالى به، ومنها الجهاد في سبيله تعالى..



والجهاد في الآية عام شامل لجهاد النفس على طاعة الله وترك معصيته، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله وإعداد العدة لجهاد الأعداء بالقتال، ومقارعة الأعداء في ساح القتال، وغير ذلك مما يدخل تحت طاعة الله تعالى..



والسبل التي يهدى الله تعالى المجاهد إليها شاملة كذلك لكل أمر يرضيه سبحانه من طاعته وترك معصيته وتبليغ جناته. قال القرطبي رحمه الله: "وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين، وعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر، وقال سفيان بن عينية لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا، فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: {لنهدينهم !}. [الجامع لأحكام القرآن (13/364)].



وقال ابن جرير: {لنهدينهم سبلنا} يقول: لنوفقنهم لإصابة الطرق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمداً صَلى الله عليه وسلم. [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (21/15)].



وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه). [البخاري رقم 6502 ، فتح الباري (11/340)].



ففي هذا الحديث بيان لتوفيق الله وتسديده لمن جاهد في الله، فلزم طاعته فيما افترضه عليه وما شرع له من الطاعات غير المفروضة حيث يوفق الله كل جوارحه فلا تتحرك ولا تسكن إلا في مرضاته. [راجع فتح الباري (11/344)].



الفرع الثاني: بيان تسديد الله للمجاهدين في قتال العدو، وفي هذا الفرع مسائل:



المسألة الأولى: ذكر أمثلة من غزوة بدر:



المسألة الثانية: تسديد الله للمجاهدين في غزوة أحد



المسألة الثالثة: تسديد للمجاهدين في غزوة الأحزاب:



المسألة الرابعة: تسديد الله للمجاهدين في مقتل مسيلمة



المسألة الخامسة: تسديد الله لمجاهدي الأفغان ضد غزاة الكفر



المسألة الأولى: ذكر أمثلة من غزوة بدر: وفي هذه المسألة أربعة أمثلة:



المثال الأول: هدايتهم لذات الشوكة واختيارها لهم.



فقد خرج الرسول صَلى الله عليه وسلم وأصحابه لأخذ عير أبي سفيان التي كانت محملة بالأموال التي جاء بها من الشام، ولكن الله سبحانه وتعالى صرفها عنهم، ووضعهم أمام الأمر الواقع لقتال قريش الذي كان فيه فتحاً مبيناً ونصراً عظيما، وجمع الله لهم فيه بين الغنائم الكثيرة وبين إذلال الكفار وإهانتهم بقتلهم وأسرهم وإرهاب أهل الكفر كلهم بتلك الغزوة، قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال:8].


المثال الثاني: إغراء الله المشركين بمواصلة السير إلى بدر



فقد جعل الشيطان يزين لهم عملهم، على الرغم من أن العير التي خرجوا لنجدتها قد نجت، وحض بعض زعماء قريش الناس على الرجوع ما دامت العير قد نجت، أراد الله تعالى أن يقطع دابرهم، فجعل أبا جهل يصر على ورود بدر بفخر وخيلاء ليلقى هو وقومه حتفهم. قال الله تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:42].


المثال الثالث: تقليل الله كل فريق من المسلمين والكفار في عين الآخر



أي إن الله تعالى قلل [في أول الأمر] عدد المسلمين، في أعين المشركين، وقلل عدد المشركين في أعين المسلمين، ليغري كل فريق من الطائفتين بقتال الأخرى، و ليحقق نصر أوليائه المؤمنين، وهزيمة أعدائه الكافرين، كما قال تعالى: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور} [الأنفال (44)]



ثم كثر عدد المؤمنين في أعين المشركين عند التحام القتال، لينزل الرعب في قلوبهم وينزل بهم الهزيمة النفسية، والاضطراب الذي يجعلهم ينكصون على أعقابهم، وأيدهم بملائكته.

قال ابن كثير رحمه الله: "قال مجاهد أراهم الله إياه في منامه قليلا، وأخبر النبي صَلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فكان تثبيتا لهم، وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد .. وقوله {ولو أراكهم كثيرا لفشلتم} أي لجبنتم عنهم واختلفتم فيما بينكم، ولكن الله سلم أي من ذلك بأن أراكهم قليلا، {إنه عليم بذات الصدور} أي بما تجنه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وقوله: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا} وهذا أيضا من لطفه تعالى بهم إذ أراهم إياهم قليلا في رأي العين، فيجرؤهم عليهم ويطمعهم فيهم، قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رَضي الله عنه، قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: لا بل هم مئة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه؟ فقال: كنا ألفا .. ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلا من الفريقين بالآخر وقلله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة.



فلما التحم القتال وأيد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضِعْفَيْه، كما قال تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين فإن كلا منهما حق وصدق ولله الحمد والمنة" [تفسير القرآن العظيم (2/216)]



المثال الرابع: تسديد الله نبيه لاختيار أسلوب الصف في قتال أعدائه



وهو أسلوب لم تكن العرب تعرفه، وإنما كانوا يعرفون أسلوب الكر والفر وفرق بين الأمرين، فإن أسلوب الصف يمتاز بالانضباط وسيطرة القائد فيه على جيشه وتوجيههم للتقدم والتأخر.. بخلاف أسلوب الكر والفر، فإنه يتسم بالفوضى وعدم الانضباط، وعدم قدرة القائد على السيطرة فيه على جنده. وقد أثنى الله على هذا الأسلوب بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف:4]. وكان في هذا الأسلوب الذي هدى الله رسوله وجنده المؤمنين، مباغتة للعدو بأسلوب غير معروف لديه، وهو من عوامل النصر.



قال ابن خلدون رحمه الله: "وقتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر، وذلك لأن قتال الزحف ترتب فيه الصفوف وتسوى كما تسوى القداح، أو صفوف الصلاة، ويمشون بصفوفهم إلى العدو قدماً. فلذلك يكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو، لأنه كالحائط الممتد والقصر المشيد لا يطمع في إزالته. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} أي يشد بعضهم بعضاً بالثبات.،وفي الحديث الكريم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) ومن هنا يظهر لك حكمة إيجاب الثبات وتحريم التولي في الزحف، فإن المقصود من الصف في القتال حفظ النظام". [المقدمة ص271]



وقال القائد المؤمن اللواء الركن محمود شيت خطاب رحمه الله: "إن تطبيق الرسول صَلى الله عليه وسلم لأسلوب الصفوف في معركة بدر، عامل مهم من عوامل انتصاره على المشركين، والتاريخ العسكري يحدثنا بأن سر انتصار القادة العظام كالإسكندر وهينبال قديماً، ونابليون ومولتكه ورومل ورونشتد حديثاً، هو أنهم طبقوا أسلوباً جديداً في القتال غير معروف، أو قاتلوا بأسلحة جديدة غير معروفة. [الرسول القائد ص105].



المسألة الثانية: تسديد الله للمجاهدين في غزوة أحد



إن ما أصاب المسلمين يوم أحد من الفشل والهزيمة الظاهرة للمشركين، جعل أبا سفيان وقومه يختالون ويحسون بنشوة النصر، وأدبروا وهم يظنون أن قد حققوا مرادهم من كسر شوكة الإسلام والمسلمين، ولو أنهم استمروا على هذا الاعتقاد إلى أن يصلوا مكة، لربما أخذوا يعدون العدة لجولة قادمة سريعة، لا بل إنهم فكروا وهم في الطريق أن يعودوا لاستئصال المسلمين والقضاء عليهم، ولكن الله تعالى هدى رسوله والمؤمنين وسددهم للقضاء على نشوة النصر التي ذهب بها المشركون من غزوة أحد، فانتدب صَلى الله عليه وسلم ممن حضر غزوة أحد سبعين للخروج في أثر المشركين، لإشعارهم بأن المسلمين لازالوا أقوياء قادرين على مواصلة الجهاد في سبيل الله، كما في حديث عائشة رَضي الله عنها: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:172]. قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: (من يذهب في أثرهم)، فانتدب منهم سبعون رجلاً، قال كان منهم أبو بكر والزبير". [البخاري رقم 4077 فتح الباري (7/373) والآية من سورة آل عمران: 172].



قال الحافظ: نقلاً عن ابن إسحاق: "وإنما خرج مرهباً للعدو وليظنوا أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدوهم، فلما بلغ حمراء الأسد لقيه سعيد بن أبي معبد الخزاعي فيما حدثني عبد الله بن أبي بكر فعزاه بمصاب أصحابه، فأعلمه أنه لقي أبا سفيان ومن معه وهم بالروحاء، وقد تلوموا في أنفسهم وقالوا: أصبنا جل أصحاب محمد وأشرافهم وانصرفنا قبل أن نستأصلهم، وهموا بالعودة إلى المدينة، فأخبرهم معبد أن محمداً قد خرج في طلبكم في جمع لم أر مثله ممن تخلف عنه بالمدينة، قال فثناهم ذلك عن رأيهم فرجعوا إلى مكة". [الفتح (7/373) وراجع ما سبق من هذا الجزء].



المسألة الثالثة: تسديد الله للمجاهدين في غزوة الأحزاب، وفيها مثالان:



المثال الأول: حفر الخندق:



كان من تسديد الله لرسوله صَلى الله عليه وسلم وصحبه، أن وفقهم لحفر الخندق شمال المدينة، الجهة المكشوفة منها التي قصدها المشركون فعلاً، وكان ذلك بإشارة من سلمان الفارسي رضِي الله عنه. وقد فوجئ المشركون بذلك، لأنهم لم يكونوا يعرفونه، فهو أسلوب حرب جديد كان من أهم عوامل نصر الله لحزبه. [راجع السيرة النبوية لابن هشام (2/216-224)].



قال اللواء الركن محمود شيث خطاب: "لقد كان حفر الخندق مباغتة تامة للأحزاب، فلم تكن العرب تعرف هذا الأسلوب، كما لم تكن تعرف أسلوب القتال المناسب للتغلب على مثل هذا الموقف، لذلك بقي القتال مستكناً طول مدة الحصار، عدا محاولات قليلة قام بها المشركون لمحاولة اجتياز الخندق باءت كلها بالفشل". [الرسول القائد ص225].



المثال الثاني: قصة نعيم الذي أسلم لتوه.



فقد هداه الله لإشعال نار الفتنة بين المشركين من قريش وغطفان من جهة، وبين بني قريظة الذين كانوا نقضوا عهد الرسول صَلى الله عليه وسلم وغدروا به من جهة أخرى. [راجع السيرة النبوية لابن هشام (2/229) وقد مضى ذكر قصة نعيم في فصل صفات المجاهدين في هذا الجزء..].



المسألة الرابعة: تسديد الله للمجاهدين في مقتل مسيلمة



وفيها مثال واحد:



اشتد القتال بين خالد قائد جيش المسلمين، ومسيلمة الكذاب حتى لجأ هو وقومه إلى حديقة الموت التي أغلقوها على أنفسهم، فهدى الله البراء بن مالك إلى أسلوبٍ فتح الله به على حزبه، حيث قال رضيَ الله عنه: "يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله.. فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم - قاتل حمزة - فرماه بحربته فأصابه وخرجت من الجانب الآخر وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشه فضربه بالسيف فسقط". [البداية والنهاية (6/323-327)]. ولو لم يوفق الله البراء لهذا الأسلوب لاحتاجوا إلى البقاء مدة طويلة لحصار من في الحديقة الذين بلغ من قتل منهم فيها قريباً من عشرة آلاف مقاتل.



المسألة الخامسة: تسديد الله للمجاهدي في عصرنا، وفيه مثالان:



المثال الأول: انتصار المجاهدين الأفغان -برغم اختلاف قادتهم- ونصرة شباب الإسلام لهم، الذين توافدوا لجهاد المحتل من كل بلد في الأرض لجهاد الاتحاد السوفييتي الذي احتل بجيوشه الجرارة الأرضية والجوية الشعب الأفغاني، وكفاهم تسديداً من ربهم صمودهم أكثر من أربع سنوات أمام الغزو الروسي ذي الإمكانات المادية الهائلة مع قلة إمكانات المجاهدين المادية. وقد خرج يجر أذيال هزيمته كما عرف ذلك العالم كله، وكانت خسائره في الأرواح والعتاد والأموال فادحة، سقط بعد تلك الهزيمة سقوطا مدويا، ولم يعد يكتب للفظ "الاتحاد السوفييتي" يسجل إلا في مناسبات تاريخية.



وكنا نود أن ينصر الله قادة المجاهدين على أنفسهم فيجمع كلمتهم على الحق ويخزي المتآمرين عليهم في الداخل والخارج، -ولكنهم مع شديد أسف المسلمين الشديد- {تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} فأذهب الله ريحهم، حتى هيأ الله للشعب الأفغاني المسلم، فئة من طلابه الذين أجمعوا أمرهم على إزاحة المختلفين، وجمعوا شمله تحت راية الإسلام، وأقاموا دولتهم في فترة وجيزة، استتب بعدها الأمن واجتمع الشمل، مع قلة خبرتهم في االسياسة والإدارة، وتقصير غير متعمد في الاجتهاد الشرعي.



المثال الثاني: الغزو الصليبي الجديد لكل من أفغانستان والعراق الذي تولى كبره قادة البيت الأبيض وبمؤامرة وتخطيط ماكرين، كونوا له حلفا عالميا، ضم إليه بعض حكومات الشعوب الإسلامية، لإسقاط الدولة الإسلامية الوليدة التي أقامها طلبة العلم "طالبان" وانضوت تحت رايتها غالب الولايات الأفغانية، وتم لهم إسقاطها إداريا، ولكن قادة طالبان وقفوا للغزو الجديد موقفا صلبا، استوطنوا له قمم الجبال، وبطون الأودية، وزلزلوا أقدام الغزاة الأقوياء ماديا، وأرسلوا لهم نعوش الجنود المعتدين تباعا، وكلفوهم من الخسائر المالية والاقتصادية والهزائم النفسية، ما جعلهم يرفعون الراية البيضاء، بعد خمسة عشر عاما من سنة 2001 إلى 2015، ليسحبوا جيوشهم مستسلمين للعمائم الطلابية التي كان يرعبهم منظهرها حين تطل عليهم فوق رؤوس رجال الإيمان والجهاد في سبيل الله، الذين اتهموهم بأنهم إرهابيون، وهم -فعلا-إرهابيون شرعيون، لأنهم لم يعتدوا على أحد في خارج بلادهم، بل اعتدى عليهم أعداء الله في بلادهم بالقتل والسجن والتعذيب والنفي، وإنما نفذوا أمر الله لهم ولأمثالهم في الدفاع عن دينهم ووطنهم، وضرورات حياتهم، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)} [الأنفال]



أما العراق فقد نجح الصليبيون وحلفاؤهم -بما فيهم بعض حكومات الشعوب الإسلامية- في تحطيمه، والقضاء على دولته، وتفكيك جيشه الذي أرعب اليهود أكثر من جميع الجيوش العربية، وفصلو هذا البلد من محيطه العربي وسلموه لقمة سائغة لطائفة واحدة من مواطنيه، تدين بالولاء لدولة أجنبية تعادي عامة الشعوب الإسلامية التي تنتسب للسنة، وتطمع في الاستيلاء على العواصم الإسلامية السنية، وقد نجحت في بعضها وخاصة في العراق، وهي تستعد لغيرها.



ولكن الإمبراطورية الصليبية الجديدة، نالت من الخسائر المعنوية والبشرية والمادية في العراق بما فيها المال والاقتصاد، ما نالته في أفغانستان، وقد خرجت راغمة مهزومة بعد أكثر من عشر سنوات، من سنة 203 إلى 2014بعد أن تركت العراق مقسما إلى طوائف متحاربة، من مواطنيه ومن غير مواطنيه، من أهل حق أو باطل، ولا زالت هي وحلفاؤها يواجهون فيه ما يلحق بهم الهزائم، برغم قواتهم المادية التي لا زالوا يقتلون بها كثيرا من الآمنين من المواطنين ويهجرونهم من ديارهم، ولا نريد التطرق إلى ما تقوم به الإدارة الأمريكية في البلدان الإسلامية، وبخاصة العربية منها التي جعلت بعضهم يقتل بعضا، بتخطيطاتها التي تريد من ورائها تقسيم هذه الدول المقسمة -أصلا-لتضعفها وتقوي ربيبتها اليهودية في المنطقة، وكل الناس يعرفون تلك التخطيطات وأهدافها، ولكن الله لها ولحلفائها بالمرصاد: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)} [الأنفال]





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8678284

عداد الصفحات العام

429

عداد الصفحات اليومي