{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(056)سافر معي في المشارق والمغارب :: (055)سافر معي في المشارق والمغارب :: (054)سافر معي في المشارق والمغارب :: (53)سافر معي في المشارق والمغارب :: (052)سافر معي في المشارق والمغارب :: (051)سافر معي في المشارق والمغارب :: (050)سافر معي في المشارق والمغارب :: (049)سافر معي في المشارق والمغارب: :: (048)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0142)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: ذل المسلمين واستضعافهم.

(0142)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: ذل المسلمين واستضعافهم.


وفيه ستة فروع:

الفرع الأول: فقد المسلمين عرش الخلافة.

الفرع الثاني: تسلط العدو على المسلمين.

الفرع الثالث: إلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين.

الفرع الرابع: فقد المسلمين الحرية

الفرع الخامس: رضا المسلمين بالدون.

الفرع السادس: استحقاق المسلمين العذاب الأخروي

الفرع الأول:فقد المسلمين عرش الخلافة

أرأيت رجلاً أتيح له أن يتعلم ويحوز أعلى شهادة في العالم، في علم من العلوم التي تسوغ له ارتقاء أعلى منصب في العالم، كرئيس دولة عظمى ومُنِح هذه الثقة ونصب على العرش، ثم فوجئ الناس به بعد تنصيبه، وقد نزل مع الخدم الذين يكنسون الشوارع تاركاً ذلك المنصب الكبير.. أرأيت رجلاً كهذا، أو سمعت أنه وجد في العالم؟.
هذا أمر غريب أم مألوف؟ إنه غريب حقاً. ولكنه وقع لأمة، وليس لفرد وليست أمة عادية، وإنما هي خير أمة أخرجت للناس، إنها الأمة الإسلامية.

لقد اختارها الله لقيادة الناس، وعلمها المنهج الذي تقود به وسلمها مقاليد الأمور، وسادت العالم فعلاً، وسعد العالم بتلك السيادة وقتاً ليس بالقصير، وشرط عليها شروطاً لتبقى على عرش الخلافة: الإيمان الصادق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الجهاد في سبيل الله. كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110].
لقد كانت هذه الأمة التي وصفها الله بأنها خير أمة أخرجت للناس قبل قيامها بالجهاد في سبيل الله، طائفة ذليلة مهانة خائفة ولم تنل السيادة والتمكين إلا بعد أن جاهدت وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال:26].

وبعد أن أيدهم الله ونصرهم وأصبحوا خير أمة أخرجت للناس، حذرهم الله سبحانه من عدم الوفاء بالشروط التي سلمهم الخلافة والسيادة عليها. وأخبرهم سبحانه بأن ترك الجهاد في سبيله يترتب عليه إنزال العذاب بالمؤمنين أنفسهم، كما أن قيامهم بالجهاد في سبيله يترتب عليه تعذيب أعدائهم الكافرين، كما قال تعالى: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:39].
قارن بين هذه الآية وقوله تعالى في آية سابقة: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:14-15].
إن في الجهاد عذاباً للكفار المعتدين المحاربين، وإن في القعود عنه عذاباً للمؤمنين، بل وفيه – أيضاً - ذلهم واستعباده أعدائهم لهم، وهو يعني فقدهم عرش الخلافة والسيادة والتوجيه، وذوبان شخصيتهم في شخصية غيرهم.

وحذرهم الله سبحانه وتعالى من أن يُقَدِّموا على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله قريباً أو مالاً أو متعة من متع الحياة الدنيا، وأمرهم بانتظار جزائهم، إن هم فعلوا ذلك، وهو شامل لجزاء الدنيا والآخرة، وحرمانهم من هدايته لهم التي تورثم الوقوع في مستنقع الفسق والمعاصي والضنك، بدلا الاستجابة له والطاعة والحياة الطيبة، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

والذين يضيعون ما أمرهم الله تعالى به من إقامة الجهاد في سبيله لحماية دينهم وأرضهم وضرورات حياتهم لا بد أن يفقدوا قيادة البشر التي منحها الله إياهم وينزعها منهم لأنهم لم يعودوا يستحقونها. لتفريطهم فيها. والله سبحانه وتعالى حكيم لا يضع الأمور في غير موضعها، ولا يعطي زمام الأمر لأمة تدعي أنها على هديه وهي بعيدة عنه، لضعف إيمانها وسوء إدارتها وإقرارها المنكر في الأرض الذي ما كانت خير أمة إلا لإزالته وإقرار المعروف الذي تسعد به الخليقة.

قال سيد قطب رحمه الله وهو يتفيأ ظلال هذه الآية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس} [آل عمران: من الآية110] قال: "وفي أول مقتضيات هذا المكان أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد، وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي خير أمة أخرجت للناس لا عن مجاملة، ولا عن مصادفة أو جزاف - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً -..وليس توزيع الاختصاصات والكرامات، كما كان أهل الكتاب يقولون: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه} [المائدة: من الآية18] كلا إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر وإقامتها على المعروف، مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}". [في ظلال القرآن (4/447)].

وقال المودودي رحمه الله: "وإذا فقدت الأمة الإسلامية منصب القيادة هذا، فإنه لا يبقى شاغراً بل لا بد أن يتربع عليه من توافرت لديه أسس الزعامة المادية..وهي: قوة الإرادة والمضاء في الأمر والعزم والإقدام..والصبر والثبات والأناة ورباطة الجأش.. وتحمل الشدائد والهمة والشجاعة والبسالة والنشاط..والشدة والبأس والولوع بالغاية والاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيل تحقيقها والحزم والحيطة وإدراك العواقب.. والقدرة على العمل المنظم والشعور بالواجب والإحساس بالمسؤولية..والقدرة على تقدير المواقف المختلفة.. والقدرة على صوغه وإفراغه في قوالب مناسبة حسب الظروف المتبدلة.. والقدرة على تدبير الشؤون وفق تلك الأحوال والظروف.. وكان ملاكاً لعواطفه ورغباته ونزعاته النفسية.. و كان قادراً على استمالة أهواء الناس والأخذ بمجامع قلوبهم وتحبيب نفسه إليهم - مع التحلي بالأخلاق التي تضمن له الوقار في هذه الدنيا - كالإباء والسخاء والرأفة والمواساة وسعة القلب والنظر والصدق والأمانة والنزاهة والوفاء بالعهد وكمال الرزانة والاعتدال والتهذيب والطهارة والنظافة وضبط النفس والذهن.. هذه الصفات التي إذا حازها واستوعبها معظم أفراد أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات، فكأنها عندها ثروة الإنسانية ورأس مالها فإن هذه الثروة هي التي تتكون على أثرها قوة جماعية قوية فعالة. [انظر الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية ص21 وما بعدها..].

فإذا اتفق أفراد تلك الأمة أو الجماعة على غاية مشتركة محبوبة عند الجميع، حباً يجعلهم يضحون في سبيلها بكل شيء وأسندوا أمرهم إلى قيادة متميزة عنهم في حسن التدبير وبقية الصفات المؤهلة للقيادة.. فإن هذه الأمة أو تلك الجماعة تتسلم زمام قيادة البشرية، ولو كانت غير مسلمة ما دامت تحلت بهذه الصفات ولم توجد أمامها أمة أخرى متحلية بهذه الصفات مع التمسك بالدين الذي ارتضاه الله لعباده.. وإذا قاد الأمم في الأرض أهل الكفر والإجرام، فحدث عن البلاء والشر والفساد الذي ينتشر في الأرض بسبب ذلك ولا حرج.

قال المودودي رحمه الله: "وكل من له أدنى بصيرة بمسائل الحياة الإنسانية لا يخفى عليه أن المسألة التي تتوقف عليها قضية صلاح الشؤون البشرية وفسادها إنما هي مسألة زعامة الشؤون البشرية ومن بيده زمام أمرها"-إلى أن قال-: "وأما إذا كانت هذه السلطة سلطة الزعامة والقيادة والإمامة بأيدي رجال انحرفوا عن الله ورسوله واتبعوا الشهوات وانغمسوا في الفجور والطغيان فلا محالة أن يسير نظام الحياة بقضه وقضيضه على البغي والعدوان والفحشاء ويدب دبيب الفساد والفوضى في الأفكار والنظريات والعلوم والآداب والسياسة والمدنية والثقافة والعمران والأخلاق والمعاملات والعدالة والقانون برمتها وتنمو السيئات ويستفحل أمرها وتأبى الأرض أن ترحب بالحسنات ويضن الماء والهواء أن يفيضا عليها شيئاً من القوت وتمتلىء الأرض ظلماً وفجوراً". [الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية ص8-9].

أقول: وهذا ما يعيشه المسلمون اليوم بسبب فقد الأمة الإسلامية منصب القيادة والتوجيه واستيلاء أمم الكفر على ذلك المنصب الخطير.

الفرع الثاني: تسلط أعداء المسلمين عليهم.

إن المسلمين الذين أعزهم الله بالإسلام، إذا تخلوا عن الجهاد في سبيل الله الذي يُعَز به الإسلام والمسلمون، يقعون في استعباد أعدائهم لهم وفتنتهم في دينهم، إضافة إلى استعباد غيرهم من البشر من غير المسلمين.. وذلك من العذاب الذي توعدهم الله به في كتابه: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:39]. قال القرطبي رحمه الله: "يعذبكم.. قال ابن عباس: هو حبس المطر عنهم. قال ابن العربي: فإن صح ذلك عنه فهو أعلم من أين قاله، وإلا فالعذاب الأليم هو في الدنيا باستيلاء العدو، وبالنار في الآخرة". [الجامع لأحكام القرآن (8/142)].

والذي يراجع تاريخ المسلمين في جميع العصور، يرى أنهم إذا تخلوا عن الجهاد أذلهم الله لأذل خلقه وجعلهم في أسوأ حال لتخليهم عن أمره سبحانه لهم بقتال عدوهم وإذلاله بالجهاد في سبيل الله..

وهذا مصداق ما أخبر به الرسول صَلى الله عليه وسلم من إنزال البلاء بهم بتركهم الجهاد، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: "سمعت رسول الله صَلى الله عليه وسلم يقول: (يعني إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم). [رواه أحمد وهو في الفتح الرباني ترتيب أحمد عبد الرحمن البنا والد الأستاذ حسن البنا رحمهما الله (14/25) وقال في الحاشية: "ورجال الإمام أحمد ثقات وصححه ابن القطان أيضاً وللحديث شواهد وطرق مختلفة تعضده.. والله أعلم"..].

ففي هذا الحديث بيان أن انصراف المسلمين عن دينهم والتنافس في أمور الدنيا وترك الجهاد في سبيل الله، كل ذلك يكون سبباً في إنزال الله البلاء بهم وأن هذا البلاء يستمر بهم حتى يعودوا إلى الله تعالى بأداء أمره واجتناب نهيه ولا تكون الدنيا هي همهم الذي يستوعب نشاطهم في الحياة وإنما الجهاد في سبيل الله الذي يرفعهم الله به ويعزهم ويذل عدوهم. وقد ذكر الرسول صَلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أربعة أمور إذا فعلها المسلمون استحقوا البلاء، وهي:

1الأمر الأول: الشح بالمال عن إنفاقه في الأمور المشروعة.

الأمر الثاني: العينة، وهي نوع من أنواع البيع المحرم، [قال في حاشية الفتح الرباني: "بكسر العين المهملة.. ثم ياء تحتية ساكنة.. ثم نون.. قال الجوهري: العينة بالكسر السلف. أ.هـ. قال الرافعي: وبيع العينة أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري.. ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر..] وهو كناية عن عدم التزام المسلمين بما أحله الله أو حرمه في كتابه وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم.

الأمر الثالث: اتباع أذناب البقر، وهو كناية عن الاهتمام البالغ بالدنيا وزخارفها ولذلك عبر عنه بالاتباع الذي يستغرق أوقات الإنسان كلها.

الأمر الرابع: ترك الجهاد، وترك الجهاد شامل للاشتغال بالحرث أو البيع والشراء أو غيرهما من الأمور التي تصرف المسلمين عن طاعة الله والجهاد في سبيله، وليس هو ذماً للعمل والكسب وجمع المال من وجهه الحلال وصرفه في طاعة الله والأمور المباحة، لأن المال ركن من أركان إقامة الجهاد، وإنما هو ذم للانصراف عن طاعة الله والجهاد في سبيل الله، وترك الجهاد في سبيل الله الذي يعد نتيجة لفعل الأمور الثلاثة المذكورة قبله.

فهذا البلاء الذي يترتب على هذه الأمور الأربعة لا يرفعه الله، إلا إذا زالت وحل محلها أمور أربعة أخرى، وهي: 1-البذل والتضحية بالنفس والمال. 2-واجتناب ما حرم سبحانه وفعل ما أمر. 3-وعدم الاهتمام بالدنيا وزخرفها، اهتماما يصرف عن طاعة الله، واتخاذ الدنيا بما فيها وسيلة إلى مرضاته. 4-وإقامة علم الجهاد في سبيل الله.

وإن البلاء الذي أنزله الله تعالى على المسلمين الآن لهو من أشد البلاء وأعظمه، فإن أعداء الله قد استعمروهم واستعبدوهم، وأصبحوا يأمرونهم وينهونهم ويوجهون سياستهم واقتصادهم وسلوكهم، ويسفكون دماءهم وينهبون خيراتهم ويسيمونهم الذل والهوان في عقر دارهم. وكفاهم ذلاً واستعباداً ومهانة، أن أصبحوا يخافون أعداءهم أشد من خوفهم من الله سبحانه، ونزل في قلوبهم من الرعب من أعدائهم ما كان ينزل بهؤلاء الأعداء منهم عندما كان المسلمون رافعين راية الجهاد في سبيل الله..

لا بل إن قادة الشعوب الإسلامية التي زاد عددها الآن عن المليار، ليخافون من شذاذ الآفاق اليهود الذين كتب الله عليهم الذلة، ولم يرفعوا عقيرتهم إلا بعد أن تنحى المسلمون عن مجدهم وأذلوا أنفسهم راضين ببعدهم عن دين الله..وها هم اليهود يغزونهم في عقر دارهم في الأرض والبحر والجو، وتحطم ما بنوا من قوة في أحصن بقعة في أراضيهم، ولا يزيد عدد هؤلاء اليهود الآن عن ثلاثة ملايين نسمة، والعرب وحدهم بلغ عددهم قريبا من مائتي مليون بل يزيدون، يحيطون بالأرض المباركة المغتصبة من كل جهة. فهل بعد هذا الذل من ذل وهل فوق هذا الاستعباد من استعباد؟!. وهكذا تجد المسلمين في غالب الأرض، ليسوا مستعبدين فقط، بل متفرقين يقتل بعضهم بعضا، بسلاح يصنعه لهم عدوهم.

وإن الأمم الكافرة لتتداعى على المسلمين في كل وقت يحبون فيه الدنيا ويكرهون الموت..كما في حديث أبي هريرة رضضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صَلى الله عليه وسلم يقول لثوبان: (كيف أنت يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيكم على قصعة الطعام تصيبون منه)، قال ثوبان: بأبي وأمي يا رسول الله، أمن قلة بنا؟ قال: (لا، أنتم يومئذ كثير ولكن يلقى في قلوبكم الوهن)، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: (حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال)". [أخرجه أحمد.. وهو في الفتح الرباني (14/26) قال في تخريجه.. وفي أسناده من لا يعرف].

قال الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا في الحاشية: "وقد تحقق ذلك الآن، ووقع المسلمون فيما حذرهم منه رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فصاروا غنيمة للأجانب - أعني الكفار - فكل دولة أخذت نصيبها منهم تسخرهم كيف شاءت، وذلك بسبب حبهم الدنيا وتركهم للقتال والاستعداد له فلا حول ولا قوة إلا بالله". [نفس الكتاب السابق والجزء والصفحة].

وإذا كان كثير من الشعوب الإسلامية قد جلا عنها جيوش الأعداء وبعضها يُغزى الآن، فإن الاستعباد الحقيقي والذل قد وقعا عليها بعد ذلك الجلاء لأنها لم تغادرها إلا بعد أن استعبدت العقول وملأتها بأفكارها وصار قادة تلك البلدان عبيداً طائعين لسادتهم الكفرة ينفذون لهم ما لم يقدروا هم على تنفيذه عندما كانوا يحتلون أراضي المسلمين.

[ولكن أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والصليبيين، عادوا الآن لاحتلال الشعوب الإسلامية من جديد، وهذه الجيوش الأمريكية البرية والجوية والبحرية، قد احتلت بعض بلدان المسلمين، وهي الآن تهاجم الشعب العراقي -بعد غزوها للشعب الأفغاني-بادئة بعاصمة الخلافة الإسلامية "بغداد" منطلقة من أراضي المسلمين التي أصبحت مقرا لقواعدها العدوانية، وهي تريد القضاء على كل مقومات هذه الأمة، بما في ذلك إبعاد ما بقي من ثوابت دينهم التي تشتمل عليها مناهجهم التعليمية....أكتب هذه السطور في اليوم الذي بدأت صواريخ الصليبيين تقصف بغداد، في يوم الخميس السابع من شهر محرم الحرام، من سنة 1424هـ ـ 20 من شهر مارس، من سنة 2003م.]

ولقد وعى أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم هذا المعنى وعياً كاملاً، وهو أن ترك الجهاد في سبيل الله فيه ذل المسلمين. وقد كان أحد موضوعات خطاب أبي بكر الصديق السياسي المهم الذي ألقاه بعد بيعة المسلمين له بالخلافة.. قال رَضي الله عنه: "أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله". [البداية والنهاية لابن كثير (5/248) وقال: وهذا إسناد صحيح..].

وقد تبع هذا الوعي ما سار عليه الصديق من إقامة الجهاد في سبيل الله بعد توليه الخلافة مباشرة، كما مضى في قصة إنفاذ جيش أسامة وقتال المرتدين ثم تجهيز المجاهدين لبلاد فارس.. وعلى دربه سار عمر وعثمان وعلي، رضِي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، وكانوا أعزة بذلك، فلما ترك المسلمون الجهاد ضربهم الله بالذل كما قال الصديق رض رضِي الله عنه.

وقال ابن قدامة رحمه الله: (ويغزى مع كل بر وفاجر): يعني مع كل إمام قال أبو عبد الله، وسئل عن الرجل يقوله: أنا لا أغزو ويأخذه ولد العباس إنما يوفر الفيء عليهم؟ فقال: سبحان الله هؤلاء قوم سوء، هؤلاء القعدة مثبطون جهال، فقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم، من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ ثم ذكر الأحاديث الدالة على وجوب الجهاد مع كل بر وفاجر، ثم قال: "ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكفر، وفيه فساد عظيم.. قال الله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: من الآية251ـ المغني (9/200) وما بعدها..].

تأمل قول الإمام أحمد رحمه الله: "أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو؟ أليس قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ يعني كانت تغزو المسلمين. وتذهب دولة الإسلام. وتأمل كذلك قول ابن قدامة: إن ترك الجهاد يفضي إلى ظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكفر. هكذا فقه السلف الصالح ما يفضي إليه ترك الجهاد في سبيل الله وأيد الواقع هذا الفقه البصير.




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8792624

عداد الصفحات العام

558

عداد الصفحات اليومي