{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(014)سافر معي في المشارق والمغارب: :: (013)سافر معي في المشارق والمغارب :: (012)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011)سافر معي في المشارق والمغارب :: (010)سافر معي في المشارق والمغارب :: (09)سافر معي في المشارق والمغارب :: (08)سافر معي في المشارق والمغارب :: (07)سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(01)التكفير والرمي بالنفاق ومذاهب العلماء فيهما

(01)التكفير والرمي بالنفاق ومذاهب العلماء فيهما

تمهيد

إن أمر التكفير خطير، كما أن التساهل الذي يؤدي إلى عدم تكفير الكافر، خطير كذلك. والواجب الوقوف عند نصوص الشريعة وقواعدها، دون إفراط أو تفريط، والحكم في ذلك لله وليس لغيره، والمرجع في تكفير الشخص المعين؛ هم العلماء الذين تفقَّهوا في دين الله، وتمكَّنوا من معرفة نصوص القرآن والسنة، وفقهوا معانيهما، وتبيَّنوا من واقع الأشخاص الذين يراد الحكم عليهم، وظروفهم، ثم التحقق من صحة تنزيل الحكم على كل شخص بعينه.

ولا يجوز أن يترك الحكم بتكفير المسلم، لمن يدعي العلم وهو منه خلي، ممن لم يتفقهوا على أيدي العلماء الذين أخذوا العلم عن أهله في الكتاب والسنة، وما يخدمهما من علوم الآلة، كأصول الحديث، وعلوم التفسير، وقواعد اللغة العربية، وقواعد الضرورات.. وأقوال أهل العلم، وأوجه استدلالاتهم من مصادرها الأصلية.

فقد سلَّط كثير من هؤلاء، ألسنتهم الحداد على المسلمين بالتكفير، على جهل بقواعد التكفير التي بينها علماء المسلمين.

وإن الواجب على علماء المسلمين، أن يَقِفوا أمثال هؤلاء عند حدّهم، ويبينوا للمسلمين خطرهم، ولا يجوز سكوتهم عنهم؛ لأن ذلك يجرئهم على الاستمرار في السباحة في هذا البحر المتلاطم الأمواج، الذي لا يجيد السباحة فيه إلا أهله.

وقوع التكفير قديماً وحديثاً:

بعض المهتمين بالدعوة إلى الإسلام، ممن لم يتعمقوا في العلوم الإسلامية، وبخاصة العقائد التي تخالف العقيدة الإسلامية الصحيحة، التي مضى عليها أهل القرون المفضلة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، بعض هؤلاء ينكرون على من يتعرض لتلك العقائد ويبين فسادها، زاعمين أنها قد ماتت واندثرت مع الفِرق التي كانت تعتقدها، وتدعو إليها، وألا فائدة في الاشتغال بها وإحيائها، وأن الواجب الاشتغال بما يفيد المسلمين مما هو واقع، من الأفكار والمذاهب المعاصرة، والشؤون السياسية والاقتصادية والإعلامية.

ولقد حصل حوار طويل بيني وبين قائد من قادة الجماعات الإسلامية في موضوع من هذه الموضوعات، فقال لي: إنكم تريدون نبش الموتى من قبورهم، هذه أمور عفا عليها الزمن، ولم تعد توجد إلا في صفحات الكتب الصفراء!

ونحن نوافقهم ـ في الجملة ـ على أن غالب تلك الفرق لم يعد موجوداً باسم الفرقة، كالمعتزلة والخوارج والمرجئة والقدرية، ولكنَّا على يقين من أن غالب تلك العقائد، لا زالت موجودة في صفوف المسلمين من أفراد وجماعات، ولا أظن أن عصراً من العصور خلا من ذلك.

نعم قد تقلّ تلك العقائد أو بعضها في بلد، وتكثر في آخر، وتقلّ في زمن وتكثر في آخر، ولكنها لا تندثر اندثاراً كاملاً.

ولسنا نريد إطالة الكلام في سرد جميع تلك العقائد، وإقامة البرهان من الواقع على وجودها، وإنما نقتصر على ما نحن بصدده هنا، وهو وجود من يغلو في التكفير بالمعاصي.

وكذلك وجود ما يترتب على هذا الغلو، من معاملة من يُكَفرونه من الحكم عليه بالردة، وما يترتب على ذلك من أحكام المرتد، كعدم استحقاق أقاربه إرثه، وعدم استحقاقه إرث أقاربه، وعدم تطبيق أحكام الجنازة عليه، فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.

والغالب أن الأشخاص أو الجماعة الذين يتصفون بهذا الغلو، يستحلون قتل من يحكمون عليه بالردة بأنفسهم، فيَعْتَدون مرتين:

المرة الأولى: الغلو في التكفير، وإخراج كثير من المسلمين من ملة الإسلام، بدون برهان.

والمرة الثانية: إعطاء أنفسهم حق تنفيذ العقوبات، الذي هو حق للجماعة التي ينوب عنها في تنفيذه ولي الأمر، ويكون من آثار ذلك، إهدار ضرورات الحياة التي من أعظمها حفظ النفس، وانتشار الفوضى في الأرض، وفقد المسلمين أمنهم في ديارهم، كما هو واقع مشاهد اليوم


[يراجع في من له حق إقامة الحدود كتابنا: "الحدود والسلطان" نشر دار المجتمع، جدة، 1406هـ ـ 1986م.]

وقد تشعبت آراء الطوائف في هذا الباب: "فمنهم من أفرط، ومنهم من فرَّط، ومنهم من اعتدل[حاشية ابن عابدين (4/229-238) ومجموع فتاوى ابن تيمية (12/466-501) (10/435).]".

والمقصود هنا ذكر هذه الآراء باختصار، ليتضح حكم مرتكب الذنب على اختلاف أنواعه عند كل طائفة، وسنبين في هذا البحث ثلاثة مذاهب لثلاث طوائف:

المذهب الأول: مذهب الخوارج والمعتزلة:

يرى الخوارج والمعتزلة أن أي كبيرة يرتكبها المسلم ولم يتب منها، تكون مخلدة له في النار.. إلا أن الخوارج يطلقون عليه ـ مع تخليدهم له في النار ـ الكفر في الدنيا، والمعتزلة لا يطلقون عليه الكفر ولا الإيمان، بل اسم الفسق في الدنيا، واستدلت كلتا الطائفتين بنصوص الوعيد الواردة في القرآن والسنة، ولهذا سماهم العلماء بـ"الوعيدية" لتغليبهم نصوص الوعيد على نصوص الوعد.

وقد ساق شارح الطحاوية رحمه الله ـ وغيره من أهل العلم ـ كثيراً من النصوص التي استدلوا بها، من القرآن والسنة: فمن القرآن قول الله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)}[المائدة]. وقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93)}[النساء]. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)}[الفرقان].

ومن السنة حديث ابن مسعود رضَي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عَليه وسلم، قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) [البخاري، برقم (48) ومسلم، برقم (64).].

ومنها حديث عبد الله بن عمررضي الله عنْهما، عن رسول الله صلى الله عَليه وسلم، قال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض[البخاري، برقم (4141) ومسلم، برقم (66).].

ومنها حديث أبي هريرة رضِي الله عنه، أن الرسول صلى الله عَليه وسلم، قال: (وإذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) [البخاري، برقم (5752).].

ومنها في حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عَليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) [البخاري، برقم (34) و مسلم، برقم (58).].

ومنها حديث أبي هريرة رضِي الله عنه، قال: قال رسول الله ‘ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد) [البخاري، برقم (2343) ومسلم، برقم (57).].

ومنها حديث جابر رضِي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عَليه وسلم: (بين المسلم وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)[ مسلم، برقم (82).].

ومنها حديث أبي شريح، أن النبي صلى الله عَليه وسلم قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: (الذي لا يأمن جارُه بوائقه)[ صحيح البخاري، برقم (5670) وصحيح مسلم من حديث أبي هريرة، برقم (46).].

ومنها حديث أبي هريرة قال: (من أتى كاهناً فصدقه، أو أتى امرأةً في دبرها، فقد كفر بما أُنزل على محمد) [أحمد (9532).]. ومنها حديث: سعد بن عبيدة : أن ابن عمر سمعَ رجُلا يقول : "لا والكعبة فقال له: لا تَحْلِفْ بغير الله فإِني سمعتُ رسولَ الله صَلى الله عليه وسلم يقول : « مَن حلفَ بغير الله فقد كَفَرَ أو أشرك ». [الترمذي]. ومنها حديث قال: (ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت).

وجوه استدلال الخوارج والمعتزلة بأمثال هذه النصوص على مذهبهم:

الوجه الأول: إطلاق الشارع الكفر على من أتى معصية. مثل: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } وغيره من النصوص.

الوجه الثاني: نفي الإيمان عمن ارتكب معصية. مثل: (والله لا يؤمن...< وقوله: >لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن..).

الوجه الثالث: الحكم على من ارتكب معصية أنه من أهل النار. مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ }.

ففي هذه النصوص، وما شابهها، دلالة عندهم على أن أهل المعاصي كفار في الدنيا عند الخوارج، و مخلدون في النار عندهم وعند المعتزلة.

هذا هو تلخيص مذهب الخوارج والمعتزلة في التكفير والتفسيق، وما رتبوه على ذلك في الجزاء الأخروي، وسيأتي الرد عليهم.

المذهب الثاني: مذهب المرجئة:

المراد بالمرجئة الفِرق التي تنفي دخول الأعمال في معنى الإيمان، وسموا بذلك لإرجائهم الأعمال أي تأخيرها عن الإيمان. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "والمرجئة بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة، ويجوز تشديدها بلا همز، نسبوا إلى الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم أخَّروا الأعمال عن الإيمان، فقالوا الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلاً، ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول" [فتح الباري (1/110).].

وقيل: "سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأٌ لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم" [شرح العقيدة الطحاوية (1/592) وشرح المقاصد للتفتازاني (2/238).]. يعني أن جميع المرتكبين لكبائر الذنوب هم من أهل الجنة قطعاً، ولا يقال فيهم: نرجئ أمرهم إلى الله تعالى، إن شاء غفر لهم وإن شاء عذبهم. وهم متفاوتون في الإرجاء، أشدهم غلوا فيه الجهمية، ومن تبعهم، سيأتي ذكر ما اعتمدوا عليه في مذهبهم. وأساس النزاع بين أهل السنة وغيرهم من الفرق، اختلافهم في معنى "الإيمان" [راجع مجموع الفتاوى لابن تيمية ( 7/510)، (10/748-751)، ( 14/498).].

ومذهب المرجئة مبني على ثلاثة أسس:

الأساس الأول: تعريف الإيمان وما يترتب عليه عندهم من أحكام في الدنيا والآخرة: للمرجئة في تعريف الإيمان اختلاف طويل، وبسبب ذلك تعددت فرقهم التي بلغت اثنتي عشر فرقة، كما بين ذلك أبو الحسن الأشعري رحمه الله، فقال: "فالفرقة الأولى منهم، يزعمون "أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط". وأن ما سوى المعرفة، من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما، والخوف منهما [ينبغي تقييد الخوف من الله وحده.]، والعمل بالجوارح، فليس بإيمان.

وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يُحكى عن جهم بن صفوان، وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة، ثم جحد بلسانه، أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل، أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب، دون غيره من الجوارح" [مقالات الإسلاميين (1/132).].

هذا مع العلم أن بعضهم يضمون التصديق بالرب إلى المعرفة المذكورة، فإذا جحد التصديق بالله تعالى، فهو كافر عندهم. وبعضهم لا يجزمون بأن أحداً من عصاة المؤمنين يدخل النار، إهمالاً لما ورد في القرآن من وعيد الله تعالى لمن عصاه، وما فصل في السنة الصحيحة من دخول بعض أهل المعاصي النار، وإخراجهم منها، كما سبق ذكر بعضها في الرد على الخوارج، ومنها أحاديث الشفاعة.

وصاحب هذه المعرفة مؤمن كامل الإيمان عندهم، ولو أنكر قلبه وجحد لسانه الإيمان بالله وبرسله وكل ما جاء من عنده؛ لأن الإيمان هو المعرفة ليس إلا، وبناء على ذلك يكون إبليس مؤمناً، والمشركون واليهود والنصارى والمرتدون عن الإسلام مؤمنين، ما داموا يعرفون تلك المعرفة. وكل من عرف تلك المعرفة عندهم فهو من أهل الجنة مطلقاً، ولا يستحق العقاب ودخول النار، مهما أتى من الأعمال، كالقتل والسرقة والزنا وشرب الخمر وغير ذلك.

الأساس الثاني: التمسك بنصوص الوعد: ومما احتج به المرجئة على مذهبهم الآيات والأحاديث التي وعد الله فيها عباده الموحدين بدخول الجنة والنجاة من النار، مثل قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)}[الروم].

ويدخل في ذلك كل النصوص التي وردت في القرآن أو السنة، مما وعد الله تعالى فيها عباده بالمغفرة
والرحمة والعفو. ومنها حديث أبي ذر رَضي الله عنه، قالَ قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم، (يقول الله عَز جل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب منى ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقُراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً، لقيته بمثلها مغفرة) [صحيح مسلم ( 4/2068) رقم (2687)، والحاكم في المستدرك من وجه آخر (4/269) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ويراجع مسند الإمام أحمد (5/148) وروى نحوه الترمذي من حديث أنس، (5/548).].

الأساس الثالث: تأويل نصوص الوعيد: تأويلهم نصوص الوعيد الواردة في الكتاب والسنة، بأن المقصود بها مجرد تخويف الناس لينزجروا عما نهوا عنه، وليس لها أي حقيقة غير ذلك. وهذا من غرائب التأويل، لنصوص متواترة اللفظ والمعنى من القرآن، تنفي بالضرورة هذا التأويل، وتبين أساليبها المتنوعة التي يؤكد بعضها بعضاً من منطوقها ومفهومها؛ أن دخول بعض مرتكبي الكبائر من أهل التوحيد النار وخروجهم منها إلى الجنة، حقيقة لا تقبل التأويل، وأن تأويلهم هذا تأويل منكر فاسد، لا ينسجم مع كلام الله وكلام رسوله صَلى الله عليه وسلم في هذا الباب.

قال ابن تيمية رحمه الله: "وَقَدْ يَقُولُ حُذَّاقُ هَؤُلاءِ مِنْ الإسماعيلية وَالْقَرَامِطَةِ وَقَوْمٍ يَتَصَوَّفُونَ أَوْ يَتَكَلَّمُونَ وَهُمْ غَالِيَةُ الْمُرْجِئَةِ: إنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، إنَّمَا هُوَ تَخْوِيفٌ لِلنَّاسِ لِتَنْزَجِرَ عَمَّا نُهِيَتْ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ، بِمَنْزِلَةِ مَا يُخَوِّفُ الْعُقَلاءُ الصِّبْيَانَ وَالْبُلْهَ بِمَا لا حَقِيقَةَ لَهُ لِتَأْدِيبِهِمْ، وَبِمَنْزِلَةِ مُخَادَعَةِ الْمُحَارِبِ لِعَدُوِّهِ إذَا أَوْهَمَهُ أَمْرًا يَخَافُهُ لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ أَوْ لِيَتَمَكَّنَ هُوَ مِنْ عَدُوِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ" [مجموع الفتاوى (19/150).].

وتأولوا قوله تعالى: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } فقالوا: "لمن يشاء معناه: لمن يشاء أن يؤمن"؛ يعني أن من شاء الله تعالى إيمانه على مذهبهم، لا بد أن يغفر له، ولا يستحق العقاب [يراجع كتاب التسهيل لعلوم التنزيل (1/145) للمفسر الكلبى الأندلسي، والآية من سورة النساء (48).].

وبهذا يعلم أنه لا يوجد عند غلاة المرجئة كافر على وجه الأرض، ممن عرف ربه بقلبه، فلا يعتبر كافراً ولا مرتداً من عرف ربه وجحد وحيه ورسالة رسله، أو أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام...وهو عكس مذهب الخوارج الذين يعتبر كل من عصا الله بفعل كبيرة كافراً خارجاً من ملة الإسلام... وهو مخلد عندهم وعند المعتزلة في النار، لا يخرج منها ولا يدخل الجنة مطلقاً.
وبهذا يظهر كذلك ما بين الطائفتين: الخوارج والمعتزلة وغلاة المرجئة من التناقض الشديد، وضرب بعض النصوص ببعض.
وسيأتي الرد على مذهبهم.




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8731428

عداد الصفحات العام

178

عداد الصفحات اليومي