{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(08)سافر معي في المشارق والمغارب :: (07)سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (05)سافر معي في المشارق والمغارب :: (04)سافر معي في المشارق والمغارب :: (03)سافر معي في المشارق والمغارب :: (02)سافر معي في المشارق والمغارب :: (01)سافر معي في المشارق والمغارب :: (018)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(02)التكفير والرمي بالنفاق ومذاهب العلماء فيهما-مذهب جماهير أهل السنة:

(02)التكفير والرمي بالنفاق ومذاهب العلماء فيهما-مذهب جماهير أهل السنة:



هذا المذهب يخالف المذهبين السابقين ويعتبر وسطاً بينهما، حيث جمع أهل السنة بين نصوص الوعد، ونصوص الوعيد، وأنزلوا كلاً منها منزلته، بدون تعارض ولا تناقض.



فإذا كان المذهب الأول قد أفرط، ناظراً إلى نصوص الوعيد وحدها، وفتح بناء على ذلك أبواب جهنم لعصاة المسلمين، وأغلق دونهم أبواب الجنة. والمذهب الثاني قد فرَّط، ناظراً إلى نصوص الوعد وحدها، وفتح أبواب الجنة لجميع العصاة، حتى من وقع في الشرك الأكبر إذا كان قد عرف الله مجرد معرفة، أو صدَّق بقلبه فقط، وأغلق عنهم أبواب النار التي قامت الأدلة على دخول بعض عصاة المؤمنين فيها، ثم خروجهم منها..



إذا كان الأمر كذلك، فإن مذهب أهل السنة قد اعتدل، لجمعه بين نصوص الوعيد، ونصوص الوعد معاً، فنزل كلاً منهما منزلته. فالذنب الذي يخلِّد صاحبه في النار، ويجعله مرتداً عن الإسلام، هو الكفر الأكبر، والشرك الأكبر، والفسق الأكبر، التي يموت صاحبها عليها. وما عداها من الكبائر، لا يخرج فاعله من الملَّة، ولا يخلِّده في النار، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه بقدر ذنبه، ثم أخرجه من النار وأدخله الجنة، وإن شاء غفر له ابتداء.



أدلة أهل السنة على مذهبهم:



وعلى هذا المذهب الحق دلَّت نصوص الكتاب والسنة.. كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)}[النساء]. وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} إلى أن قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.. (10)}[الحجرات]. فجعل الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين، وجعلهما إخوة لمن أصلح بينهما من المؤمنين.



وصح عن النبي صَلى الله عليه وسلم، أنه قال: (أن من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)[ اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (1/19).]. و(أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)[ المرجع السابق (1/51).].



وفي هذه النصوص وأشباهها، ردٌ على الخوارج والمعتزلة، كما سبق و هو واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.. "والنصوص في هذا الباب كثيرة، فأهل الحق عملوا بالنصوص كلها، وأهل الباطل افترقوا، فأخذت كل طائفةٍ طائفةً منها" [راجع لهذا البحث.. شرح النووي رحمه الله على مسلم (1/150) وكذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (7/188-222-217-242-258)، (12/466) و(10/230) وشرح الطحاوية ص293-118-479-501.](.



إفراط، وتفريط، ووسطية:



قال ابن تيمية: "فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب، إذا كانوا مُقرِّين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول وما تواتر عنه، أنهم من أهل الوعيد، وأنه يدخل النار منهم من أخبر الله ورسوله بدخوله إليها، ولا يخلد منهم فيها أحد، ولا يكونون مرتدين مباحي الدماء. ولكن الأقوال المنحرفة، قول من يقول بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة، وقول غلاة المرجئة الذين يقولون: ما نعلم أن أحداً منهم يدخل النار، بل نقف في هذا كله، وحكي عن بعض غلاة المرجئة الجزم بالنفي العام" [مجموع الفتاوى (7/297).].



رد أهل السنة على الخوارج والمعتزلة:



ولبيان الرد على هؤلاء ينبغي الكلام على المسائل الخمس الآتية:



المسألة الأولى: خطر التكفير، ومن له الحق في إطلاقه.



المسألة الثانية: وجود نصوص يخالف ظاهرُها، ما استدل بظاهره الخوارج والمعتزلة.



المسألة الثالثة: وجوب الجمع بين النصوص التي قد يظهر منها التعارض.





المسألة الأولى: خطر التكفير، ومن له الحق في إطلاقه:



معلوم ما يعنيه دخول الإنسان في الإسلام، إنه يعني خروجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويعني

اهتداءه لصراط الله المستقيم، وترك سبل الشيطان عدوِّ الإنسان. ويعني أنه عضو في جماعة المسلمين، له ما لهم من حقوق، وعليه ما عليهم من واجبات، يتعاون معهم على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، ويعني أنه يطمع في مغفرة الله، ورحمته وثوابه، والنجاة من عقابه... ويعني فوق ذلك كله؛ أنه أصبح من أهل الأمل في رضا الله، والنجاة من سخطه...



فهل يجوز لأحد من البشر أن يخرج من دخل هذه الدائرة التي هذا شأنها، من دخلها مختاراً، من باب قاعدة قواعد الإسلام >لا إله إلا الله محمد رسول الله< التي أثبت الرسول ‘ لمن قالها صادقاً مخلصاً من قلبه، دخول الجنة والخروج من النار؟



وقد حذَّر علماء الإسلام من تكفير من دخل في الإسلام، إلا إذا توفرت شروط التكفير وانتفت موانعه.. والذين لهم الحق في إثبات توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه، هم علماء الأمة الإسلامية الذين فقههم الله في دينه.



وليس ذلك لصغار طلاب العلم، الذين نصبوا أنفسهم مفتين وقضاة ومنفذين، وهم إلى الجهل أقرب، وإلى الاستجابة للعواطف أمْيَل، ولاتباع الأهواء والتقليد أسرع.



ولما كان للتكفير خطره العظيم، الذي تترتب عليه أحكام كثيرة، تتعلق بمن حُكِم عليه بالكفر في الدنيا والآخرة، وبمن له به صلة من قرابة وأزواج، وبما له به ارتباط كماله ووظائفه وغيرها، فقد حذَّر علماء الإسلام من الانزلاق في هذا الباب والاقتحام لعقباته، تبعاً لتحذير الشارع من ذلك.



فقال ابن تيمية رحمه الله: "ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}[البقرة]. وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم.



والخوارج المارقون الذين أمر النبي بقتالهم، قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم؛ لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم.



وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع؛ لم يُكفَّروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين، الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لأحد من هذه الطوائف، أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفِّرة لها مبتدعةً أيضاً؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه.



والأصل؛ أن دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم، محرمة من بعضهم على بعض، لا تحل إلا بإذن الله ورسوله.. قال النبي صَلى الله عليه وسلم لما خطبهم في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا) [مجموع الفتاوى (3/282- 288).].



والحديث الذي أشار إليه ابن تيمية في قوله: "وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم". رواه أبو هريرة رَضي الله عنه، قال: "لما نزلت على رسول الله ‘: { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(284)}[ البقرة].



قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ‘، فأتوا رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله كلُّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها". قال رسول الله ‘: >أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: (سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير). قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.



فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }.



فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عَز وجل: { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا



اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }
قال: (نعم). { رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } قال(نعم). { رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: (نعم). { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } قال: (نعم)" [صحيح مسلم (1/115) رقم (125) والآية التي ذكر فيها استجابة الله للمؤمنين، هي الآية الأخيرة من سورة البقرة.].



والشاهد في الحديث: استجابة الله تعالى لعباده المؤمنين الذين اشتدَّ خوفهم من قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } فقال لهم: >نعم< في عدم محاسبتهم على الخطأ، وعدم تحميلهم الإصر الذي حمله الأمم قبلهم، وعدم تحميلهم ما لا يطيقون، ثم منحهم عفوه ومغفرته ورحمته، ونصرهم على أعدائهم الكافرين.



وقال ابن تيمية أيضاً: "ومن البدع المنكرة؛ تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم.. ونحو ذلك.. فإن هذا عظيم لوجهين:



أحدهما: أن تلك الطائفة الأخرى، قد لا يكون فيها من البدعة أعظم مما في الطائفة المُكفرة لها، بل تكون بدعة المُكفرة أغلظ أو نحوها أو دونها.. وهذا حال عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضاً، فإنه إن قدر أن المبتدع يَكْفُر كَفَر هؤلاء وهؤلاء، وإن قدر أنه لم يَكْفُر لم يَكْفُر هؤلاء ولا هؤلاء.

فكونُ إحدى الطائفتين تُكَفِّر الأخرى ولا تُكَفِّر طائفتَها، هو من الجهل والظلم، وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ.. (159)}[الأنعام].



والثاني: أنه لو فُرض أن إحدى الطائفتين مختصة بالبدعة، لم يكن لأهل السنة أن يكفروا كل من قال قولاً أخطأ فيه، فان الله سبحانه قال: { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وثبت في الصحيح، أن الله قال: (قد فعلت) وقال تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ.. (5)}[الأحزاب].



ورُوي عن النبي صَلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان..) وهو حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره. وأجمع الصحابة، وسائر أئمة المسلمين، على أنه ليس كل من قال قولاً أخطأ فيه أنه يكفر بذلك، وان كان قوله مخالفاً للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع.. لكن للناس نزاع في مسائل التكفير قد بسطت في غير هذا الموضع.



والمقصود هنا؛ أنه ليس لكل من الطوائف المنتسبين إلى شيخ من الشيوخ ولا إمام من الأئمة، أن يكفروا من عداهم، بل في الصحيح عن النبي صَلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) [مجموع الفتاوى (7/684)، والحديث الذي أشار ابن تيمية أنه رواه ابن ماجه، هو في سنن ابن ماجه (1/659) (2043) و سنن البيهقي الكبرى سنن البيهقي الكبرى (7/356) قال ابن رجب في شرح الحديث: "حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما" جامع العلوم والحكم (1/371) وقال الهيثمي: "وفيه محمد ابن مصفى وثَّقه أبو حاتم وغيره، وفيه كلام لا يضر، وبقيه رجاله رجال الصحيح" مجمع الزوائد (6/250).].



ضلال من لم يأخذ العلم والتزكية على أهلهما:



إن من أهم أسباب ضلال من ضل، من الفرق والجماعات والأفراد، المنتسبين إلى العلم، عدم أخذهم العلم والتزكية الربانية عن أهلهما، بالطريقة التي سلكها سلفنا الصالح، من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان.



إذ يسلك بعض الجهلة المغرورين، الذين ينصبون أنفسهم للتعليم والفتوى، وقد يدَّعون أنهم من المجتهدين، وهم على جهل بقواعد العلوم الشرعية وعلومها، وآلات تلك العلوم، بسبب قراءتهم لبعض الأبواب في بعض الكتب، وسوء فهمهم لكثير مما قرؤوه، وعدم اقتدائهم بالصحابة والتابعين، وعامة السلف الصالح، في أخذ العلم عن أهله المتحققين به.



وهذا من أهم أسباب الزيغ، وهو منطلق المُفرِطين والمُفَرِّطين.. ولهذا حثَّ فقهاء الإسلام طلاب العلم، على سلوك نهج السلف، في طلب العلم على أيدي أهله، الذين يجمعون بين العلم والعمل والتربية، وحذروهم من سلوك نهج فرق الضلال.



ومن ذلك قول الشاطبي رحمه الله: "من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.. وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات: إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له، فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يُقتدَى به في علم.. والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح.



فأول ذلك؛ ملازمة الصحابة رضِي الله عنهم لرسول الله صَلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله واعتمادهم على ما يرد منه، كائناً ما كان، وعلى أي وجه صدر.. وصار مثلُ ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي ‘، حتى فقهوا، ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية.



وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك. وقلما وجدت فرقة زائغة ولا أحداً مخالفاً للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف" [كتاب الموافقات في أصول الشريعة (1/91-95) بتحقيق الأستاذ محمد عبد الله دراز، باختصار.].



وذكر في موضع آخر: أن فرق الضلال، يعمدون إلى ظواهر الأدلة التي لا يعجزون عن الاستدلال بها على مذاهبهم، أي وهم يتركون ظواهر أدلة تخالف مذهبهم دون تمحيص، ولا جمع بين تلك الأدلة، والعمل بكل منها في موضعه.



قال: "ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحداً من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية، يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مرَّ من ذلك أمثلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة" [الموافقات (3/76).].



وقال ابن تيمية رحمه الله في رده على بعض المخالفين: "والعلم شيئان: إما نقل مصدَّق، وإما بحث محقَّق، وما سوى ذلك فهذيان مسروق، وكثير من كلام هؤلاء هو من هذا القسم من الهذيان، وما يوجد فيه من نقل، فمنه ما لا يميز صحيحه عن فاسده، ومنه ما لا ينقله على وجهه، ومنه ما يضعه في غير موضعه.. وقد قيل: إنما يفسد الناس نصف متكلم، ونصف فقيه، ونصف نحوي، ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان" [مجموع الفتاوى (2/729- 730 ).].



وإذا كان "أَنصاف" هؤلاء الأصناف يفسدون المعاني - وبخاصة الأديان - وغيرها من المحسوسات والماديات، فإنا نجد اليوم من لا يبلغ "أرباع" ولا "أثمان" ما بلغه أولئك الأنصاف، ولهذا تضاعف فسادهم، وبخاصة في هذا العصر، الذي يستطيع فيه كل مفسد أن ينشر فساده، ويعممه، عن طريق وسائل الاتصال التي لم يتمكن منها المفسدون في القرون الأولى.



إطلاق الكفر على غير معين:



ويجب التنبيه على أن ما عُلم شرعاً بأنه كفر، يطلق عليه ذلك، فيقال: من فعل كذا فقد كفر، ومن قال كذا فقد كفر، مع استحضار أمرين:



الأمر الأول: أن الكفر يُطلق على الكفر الأكبر المخرج من الملة، وعلى الكفر الأصغر، وهو الرياء، وغيره من كبائر الذنوب، التي لا يخرج مرتكبها من الملة كما سبق، والفقهاء في الدين هم الذين يميزون بين الكفرين.



الأمر الثاني: أن الكفر يُطلق إطلاقاً عاماً، ولا يُطلق على كل معين فعل أو قال ما هو كفر؛ لأن المعين قد يفعل الكفر أو يقوله، مع جهله بذلك، أو تأوله، أو نسيانه، أو مكرها، فيكون معذوراً، لعدم توفر شروط تكفيره ووجود موانعه..



ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله: "وأصل ذلك؛ أن المقالة التي هي كفر، بالكتاب والسنة والإجماع، يقال: هي كفر قولاً يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم.. ولا يجوز أن يُحكَم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر، حتى تثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه.



مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال، لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله صَلى الله عليه وسلم، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صَلى الله عليه وسلم قالها، وما كان الصحابة يشكون في أشياء، مثل رؤية الله وغير ذلك، حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صَلى الله عليه وسلم.



ومثل الذي قال: (إذا أنا مت فاسحقوني، وذروني في اليم، لعلي أضل عن الله..) ونحو ذلك، فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقام عليهم الحجة بالرسالة، كما قال الله تعالى: { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسلِ.. (165)} وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد أشبعنا الكلام في القواعد التي في هذا الجواب في أماكنها.." [مجموع الفتاوى: (35/165)، والآية من سورة النساء.].



وقصة الرجل الذي قال: >إذا أنا مت فاسحقوني...( رواها أبو هريرة رضِي الله عنه، عن النبي صَلى الله عليه وسلم، قال: (أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه، فقال: إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم أذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذاباً ما عذب به أحداً..).. قال: (ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: أدى ما أخذت، فإذا هو قائم فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك فغفر له بذلك) [صحيح البخاري (3/1283) رقم (3294) و صحيح مسلم (4/2110) ورقم (2756).].



وقال ابن تيمية في موضع آخر: "والأصل الثاني: أن التكفير العام - كالوعيد العام -ـ يجب القول بإطلاقه وعمومه. وأما الحكم على المعين بأنه كافر، و مشهود له بالنار: فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه... وإذا عرف هذا، فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم ـ بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار ـ لا يجوز الإقدام عليه، إلا بعد أن تقوم الحجة الرسالية، التي يتبين بها بأنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر.. وهذا الكلام في تكفير جميع المعينين.. فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة.." [مجموع الفتاوى (12/497-501- 523).].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8679354

عداد الصفحات العام

434

عداد الصفحات اليومي