{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(014)سافر معي في المشارق والمغارب: :: (013)سافر معي في المشارق والمغارب :: (012)سافر معي في المشارق والمغارب :: (011)سافر معي في المشارق والمغارب :: (010)سافر معي في المشارق والمغارب :: (09)سافر معي في المشارق والمغارب :: (08)سافر معي في المشارق والمغارب :: (07)سافر معي في المشارق والمغارب :: (06)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(04)التكفير والرمي بالنفاق ومذاهب العلماء فيهما

(04)التكفير والرمي بالنفاق ومذاهب العلماء فيهما

( 2 ) نصوص الشفاعة من القرآن والسنة:

ومما يدل على أن أهل الكبائر من الموحدين لا بُدّ أن يدخلوا الجنة، نصوص الشفاعة في بعض من يدخلون النار لإخراجهم منها وإدخالهم الجنة.

أولاً: من القرآن الكريم:
الشفاعة ثبتت في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله صلّى الله عليه وسلم، وهي في الجملة مجمع على القول بها، إلا أن الوعيدية ـ الخوارج والمعتزلة ـ يثبتونها لأهل الصغائر، وينكرون الشفاعة في أهل الكبائر، جرياً على مذهبهم المعروف.

وعامة أهل السنة يثبتونها في كبائر الذنوب ما عدا الشرك، وأيدوا مذهبهم بأحاديث الشفاعة التي بينت بياناً شافياً ثبوت الشفاعة في الكبائر، فقد بين القرآن الكريم أن الشفاعة لا تكون إلا ممن رضِي الله عنه وأذن لهم، من الأنبياء، ومن شاء تعالى من عباده الصالحين، ولا تكون إلا لمن شاء من عباده المؤمنين، ولا تكون لغيرهم من المشركين.

قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (255)}[البقرة]. وقال تعالى:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}[الأنبياء]. وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (109)}[طه]. و قال تعالى: {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ... (23)}[سبأ]. والآيات غيرها كثيرة، وهي كما ترى دالة على أنه لا يشفع أحد عنده لأحد، إلا إذا رضي تعالى عن الشافع والمشفوع له، وأذن بالشفاعة للشافع.

ومن هنا؛ نعلم أن الشفاعة المنفية في كتاب الله، غير الشفاعة المثبَتة فيه، فالشفاعة المنفية هي ما كان يدعيها المشركون مما يعبدونه من غير الله تعالى، والشفاعة المثبتة هي شفاعة الأنبياء، ومن شاء من عباده الصالحين، في المؤمنين من أهل الكبائر.

قال ابن حزم رحمه الله، بعد أن ساق بعض الآيات المثبتة للشفاعة، وبعض الآيات النافية لها: " فقد صحت الشفاعة بنص القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فصح يقيناً أن الشفاعة


التي أبطلها الله عزّ وجل هي غير الشفاعة التي أثبتها عزّ وجل. وإذ لا شك في ذلك، فالشفاعة التي أبطل عزّ وجل، هي الشفاعة للكفار الذين هم مخلدون في النار، قال تعالى: {لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)} نعوذ بالله منها.. فإذ لا شك فيه فقد صح يقيناً، أن الشفاعة التي أوجب الله عَز وجل لمن أذن له، واتخذ عنده عهداً، ورضي قوله، فإنما هي لمذنبي أهل الإسلام، وهكذا جاء الخبر الثابت..."[ الفِصَل في الملل (4/54)، والآية من سورة فاطر.].

ثانياً نصوص في الشفاعة من السنة:

وقد بينت معنى ما جاء في القرآن من الشفاعة السنةُ أكملَ بيان.. وبلغت أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر الدالة على خروجهم من النار يوم القيامة ودخولهم الجنة وبقاؤهم فيها، حد التواتر، وعليها اعتمد سلف الأمة من الصحابة، وخلفهم من التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قال ابن تيمية رحمه الله: "إنَّ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي " أَهْلِ الْكَبَائِرِ" ثَابِتَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلى الله عليه وسلم; وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ; وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، وَلا يَبْقَى فِي النَّارِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ بَلْ كُلُّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَبْقَى فِي الْجَنَّة" [مجموع الفتاوى (4/309).].

وقال في موضع آخر: "وَأَمَّا شَفَاعَتُهُ لأَهْلِ الذُّنُوبِ مِنْ أُمَّتِهِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ، وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.. وَأَنْكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَقَالَ هَؤُلاءِ: مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ لا يَخْرُجُ مِنْهَا لا بِشَفَاعَةِ وَلا غَيْرِهَا، وَعِنْدَ هَؤُلاءِ مَا ثَمَّ إلا مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَلا يَدْخُلُ النَّارَ وَمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ فَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ. وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرُ الأَئِمَّةِ كَالأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ ‘ أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْ النَّارِ قَوْمًا بَعْدَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ يُخْرِجُهُمْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ‘ وَيُخْرِجُ آخَرِينَ بِشَفَاعَةِ غَيْرِهِ وَيُخْرِجُ قَوْمًا بِلا شَفَاعَةٍ"[ مجموع الفتاوى (1/148).].

ومن أحاديث الشفاعة، حديث أبي هريرة رَضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (...أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه)[ صحيح البخاري (1/49) رقم (99).].

وحديثه الآخر قَال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته. وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)[ صحيح مسلم (1/189) رقم (199).]. فقد دل الحديثان على أن كل من (قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) و(من مات لا يشرك بالله شيئاً) ينال شفاعته صلّى الله عليه وسلم يوم القيامة، واستثناء أهل الكبائر من هذا النص يحتاج إلى دليل، ولا دليل.

بل جاء النص منه صلّى الله عليه وسلم ، دالاً على إثبات شفاعته لأهل الكبائر من هذه الأمة، كما في حديث جابر بن عبد الله رَضي الله عنهـما، أن رسول الله ‘، تلا قول الله تعالى: { وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى.. (28)} فقال صلّى الله عليه وسلم: (إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) [رواه الترمذي من حديث أنس، برقم (2435) وقال: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وفي الباب عن جابر (4/625) "و رواه أبو داود من حديث أنس أيضاً برقم (4739) والحاكم في المستدرك (2/414) برقم (3442) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، والآية من سورة الأنبياء.].

وحديث عوف بن مالك الأشجعي، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قال: (أتدرون ما خيرني به ربي الليلة؟) فقلنا الله ورسوله أعلم. قال: (فإنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة) قلنا: يا رسول الله أدع الله أن يجعلنا من أهلها. قال: (هي لكل مسلم)[ الحاكم في المستدرك (1/60) رقم (224) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ورواته كلهم ثقات على شرطهما جميعاً وليس له علة وليس في سائر أخبار الشفاعة وهي لكل مسلم" وابن حبان في صحيحه (16/185) رقم (7207).].

( 3 ) دلالة السنة على عدم خروج مرتكبي الكبائر من الإسلام:

وقد دلت الأحاديث الصحيحة المستفيضة، أن الأصل بقاء المسلم على إسلامه، ولا يخرج من الإسلام بمجرد ارتكاب المعاصي مهما عظمت، ما عدا الشرك.

ومن ذلك حديث أنس بن مالك، رَضي الله عنه قَال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تُخفروا الله في
ذمته)
[ صحيح البخاري (1/153) رقم (384).]. ومعنى "تُخفروا" بضم التاء من الرباعي: تَغدُروا وتنقضوا، يقال: خفر بمعنى حَمَى وحفظ، وأخفر بمعنى غدر ونقض.

بَيِّنٌ من الحديث أن الأصل فيمن أظهر الإسلام بقوله أو فعله، فهو مسلم ليس لأحد أن يحكم عليه بالكفر المخرج من الملة، إلا بدليل قاطع، كأن يصرح هو بأنه بدل دينه من الإسلام إلى غيره، أو ينكر ما علم من الدين بالضرورة، كأن ينكر ركناً من أركان الإيمان أو غيره، أو استحل ما علم تحريمه، وأقيمت عليه الحجة في كل ذلك، ثم عاند واستمر على ما صدر منه.

ولهذا قال الطحاوي رحمه الله في رسالته المشهورة القيمة، التي لقيت قبولاً من غالب طوائف هذه الأمة: "ونسمى أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلّى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين"، وقال شارح الرسالة رحمه الله: قال رسول الله: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا).

ويشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام، إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب، ما لم يستحله، والمراد بقوله "أهل قبلتنا" من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة، وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي، ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول" [شرح الطحاوية (1/355).].

ومنها ما رواه عبيد الله بن عدى بن الخيار، أن رجلاً من الأنصار حدثه أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو في مجلس، فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين. فجهر رسول الله ‘، فقال: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟). قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (أليس يشهد أن محمداً رسول الله؟). قال: بلى يا رسول الله. قال: (أليس يصلي؟). قال: بلى يا رسول الله، ولا صلاة له. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (أولئك الذين نهاني الله عنهم)][ مسند الإمام أحمد بن حنبل (5/432) رقم (23720) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/24): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".].

ومنها: حديث أبي ذر رضِي الله عنه، قال: "أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: (ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة).
قلت: وإن زنى وإن سرققال: (وإن زنى وإن سرق). قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن
سرق)
. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر). وكان أبو ذر إذا حدث بهذا، قال: وإن رغم أنف أبي ذر"[ صحيح البخاري (5/2193) رقم (5489) وصحيح مسلم (1/95) رقم (94).].

قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: "وفي الحديث أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، وأن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، وأن غير الموحدين لا يدخلون الجنة.. والحكمة في الاقتصار على الزنا والسرقة، الإشارة إلى جنس حق الله تعالى وحق العباد.."[ فتح الباري (3/111) يعني لا فرق بين الكبائر التي يرتكبها المسلم بين حق الله أو حق عباده، فكلها لا تحول بين المسلم وبين دخوله الجنة بمشيئة الله.].

خروج المسلم من النار بعد دخولها:

وقد ذكر ابن أبي العز الحنفي رحمه الله أن النصوص المتواترة قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ونصوص الوعد[شرح العقيدة الطحاوية (1/356).].

ومن الأحاديث الدالة على عدم خلود أهل الكبائر في النار وإن لم يتوبوا، حديث أنس، رضِي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، قال: (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير. ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن بُرة من خير. ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير) قال أبو عبد الله: قال أبان حدثنا قتادة حدثنا أنس، عن النبي صلّى الله عليه وسلم: (من إيمان) مكان (من خير)[ صحيح البخاري (1/24) رقم (44) وصحيح مسلم (1/182) رقم 193.].

فهذا الحديث واضح بأن الله تعالى يخرج من النار من دخلها، وهو يرد على من زعم خلود من دخل النار فيها. وبينت الأحاديث الصحيحة الكثيرة أن الذين يخرجهم الله من النار يدخلون الجنة.

ومن أصرح الأحاديث في غفران الكبائر التي لم يتب أصحابها منها: حديث عبادة بن الصامت، رضِي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مجلس، فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه)[ صحيح البخاري، برقم (7030) وصحيح مسلم، برقم (1709).]. فقد جعل صلّى الله عليه وسلم المسلمين الذين يبايعونه على ترك كبائر الذنوب، ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: وفى بعهده، وهو موعود بالأجر من ربه.

الصنف الثاني: لم يفِ بكل ما عاهد عليه، بل ارتكب شيئاً منه، وعوقب عليه في الدنيا بحد أو غيره، كأن يبتليه الله ببعض المصائب ويجعلها كفارة له.

الصنف الثالث: أصاب شيئاً من المعاصي التي عاهد على تركها، ولم يعاقب عليه في الدنيا، بل ستره الله عليه، وهذا أمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له ابتداء وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه على معاصيه ثم أدخله الجنة، وهذا هو محل الشاهد من الحديث.

ويجب هنا التنبيه على ثلاثة أمور:

الأمر الأول: عدم دخول الشرك في العفو إذا لم يتب متعاطيه قبل موته، بأدلة أخرى كما سبق وبإجماع الأمة.

الأمر الثاني: أن في الحديث وعداً بالعفو عمن أصاب شيئاً من الكبائر وإن لم يتب.

الأمر الثالث: أن الذنوب الموعود بالعفو عنها هي الكبائر، لا الصغائر فقط، كما يدعي الخوارج والمعتزلة، بدليل أن ما ذكر في الحديث من الذنوب، كله من أكبر الكبائر، وهي الزنا والسرقة وقتل النفس التي حرم الله.







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8731440

عداد الصفحات العام

190

عداد الصفحات اليومي