{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} [الأنفال]
(054)سافر معي في المشارق والمغارب :: (53)سافر معي في المشارق والمغارب :: (53)سافر معي في المشارق والمغارب :: (052)سافر معي في المشارق والمغارب :: (051)سافر معي في المشارق والمغارب :: (050)سافر معي في المشارق والمغارب :: (049)سافر معي في المشارق والمغارب: :: (048)سافر معي في المشارق والمغارب :: (047)سافر معي في المشارق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(07)التكفير والرمي بالنفاق وأقوال العلماء فيهما-حكم إسناد الولايات العامة للمنافقين

(07)التكفير والرمي بالنفاق وأقوال العلماء فيهما-حكم إسناد الولايات العامة للمنافقين



سبق أن الرسول صَلى الله عليه وسلم عاشر المنافقين كما عاشر عامة المسلمين في أحكام الدنيا، ولكنه لم يأتمن أحداً منهم - فيما أعلم - على مصالح الأمة في وظائفهم العامة، فلم يسند إليهم جباية الأموال، ولا الإمارة في الحرب، ولا القضاء بين الناس، ولا إمامتهم في الصلاة، ولا غيرها من الولايات التي يتمكنون بها من تدبير شؤون المسلمين.

والسبب في ذلك: أنهم يكفرون كفرا حقيقيا بالله ورسوله، ويحاربون الله ورسوله والمؤمنين، يضاف إلى ذلك فقدهم الأمانة التي هي أحد أُسس الولايات على المسلمين.. والأمانة مطلب أساسي عند المسلم وغير المسلم، فقد أغرت فتاة مَدْيَن أباها الصالح باستئجار موسى عَليه السلام، بصفتين عظيمتين يقل في كثير من الناس اجتماعهما:

الصفة الأول: الأمانة.

والصفة الثانية: القوة.

كما قال تعالى عنها: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)} [القصص].

وكانت الأمانة من أعظم الصفات التي جعلت ملك مصر، وهو غير مسلم، يُمَكِّن يوسف عَليه السلام من الولاية على أهم الوظائف في عهده، وهي "خزائن الأرض" كما قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)}[يوسف].

ولقد أكَّد الله تعالى فرض أداء الأمانات إلى أهلها، فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا.. (58)}[النساء]. قال القرطبي رحمه الله: "هذه الآية من أمهات الأحكام؛ تضمنت جميع الدين والشرع". ثم ذكر الخلاف في المراد بالمخاطب بها، ورجح العموم فقال: "والأظهر أنها عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات، وتتناول من دونهم". إلى أن قال: "فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة"[الجامع لأحكام القرآن
(5/255ـ257).].

وأخبر النبي صَلى الله عليه وسلم أن إضاعة الأمانة من علامات الساعة، وأن من أبرز إضاعتها إسناد الأمور إلى غير أهلها، كما في حديث أبي هريرة رضيَ الله عنه قال: "قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: (إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)[ البخاري (7/188).].
وأثني صَلى الله عليه وسلم على الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة به نفسه، وجعله أحد المتصدقين، مع أن المال الذي تصدق منه ليس ملكاً له، وإنما هو خازن فقط، فلما كان والياً لخزانته وأدى حقوق الناس في ولايته طيبة نفسه بما أدى، استحق ذلك التكريم لأمانته. روى أبو موسى الأشعري رضِي الله عنه قال: قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين) [البخاري (3/47-48) ومسلم (2/710).].

وأثنى صَلى الله عليه وسلم على أبي عبيدة بن الجراح بأمانته، كما روى ذلك أنس بن مالك رضِي الله عنه: أنه قال: (لكل أمة أمين، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح) [البخاري (4/216).].

وعندما أراد صَلى الله عليه وسلم بعث أبى عبيدة هذا إلى أهل نجران، ذكر أبرز مؤهلاته لهذا الاختيار، وهي الأمانة التي أشرف لها أصحابه رضِي الله عنهم لينالوا شرفها.. روى حذيفة رضِي الله عنه قال: قال النبي صَلى الله عليه وسلم لأهل نجران: (لأبعثن عليكم أميناً حق أمين) فأشرف أصحابه، فبعث أبا عبيدة رضِي الله عنه[المرجع السابق...].

ولهذا كان الرسول صَلى الله عليه وسلم، يعامل المنافقين معاملة سائر المسلمين بحسب ظواهرهم، ولكنه لم يكن يسند إليهم ولاية شؤون أمته؛ لأنه قد وصفهم بالخيانة على ما يؤتمنون عليه.

روى أبو هريرة رضِي الله عنه: عن النبي صَلى الله عليه وسلم، قال: (آية المنافق ثلاث)، وفيها: (وإذا اؤتمن خان) [البخاري (1/14) ومسلم (1/78).].

وقد عَرَّف صَلى الله عليه وسلم المؤمن بأنه الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم، ونفى كمال الإيمان الواجب عمَّن خان أمانته، كما في حديث أبي هريرة رضِي الله عنه، قال قَال رسول الله : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،
والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)
[سنن الترمذي، برقم (2627) وقال: "هذا حديث حسن صحيح".].

وحديث أنس بن مالك رضيَ الله عنه، قال: قَال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه)[ المستدرك على الصحيحين، برقم (25) وقال: "وزيادة أخرى صحيحة سليمة من رواية المجروحين في متن هذا الحديث ولم يخرجاها".].

وأقسم صلّى الله عليه وسلم على نفي هذا الإيمان عمن خان جاره، فلم يأمن شروره ومفاسده، كما في حديث أبي شريح وأبي هريرة رضيَ الله عنهماـما، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: (والله لا يؤمن.. والله لا يؤمن.. والله لا يؤمن) قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه)[ صحيح البخاري، برقم (5670) وصحيح مسلم، برقم (46).].

ومعنى هذه الأحاديث أن الإيمان الصادق إنما يظهر للناس من معاملة صاحبه لهم، ومن أبرز الأدلة على صدق إيمانه، أن يأمنوه على دمائهم وأموالهم وأسرارهم، فلا يخون أمانته، وليست دعوى الإنسان الإيمان كافية على صدق إيمانه.

والمنافقون يفقدون الصدق كما يفقدون الأمانة، كما قال الله تعالى عنهم: {أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(11)}[الحشر].

وقال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)}[المنافقون].

والخائن الكاذب المخادع، لا يجوز أن يأمنه الناس على تدبير مصالحهم ولا على أسرارهم؛ لأنه كما سبق لا يضمر للمسلمين إلا الشر والكيد، وهم أولياء لإخوانهم الكفار ينصرونهم على المسلمين، يتجسسون لهم عليهم، فلا يحل لوالٍ مسلم أن يسند إلى المنافقين أي ولاية يحصل منهم بها ضرر المسلمين.

الإنكار على ما يقترفه المنافقون في ولاياتهم:

فالأصل عدم تولية المنافقين على شؤون المسلمين؛ لأنهم غير مؤتمنين على تدبير شؤونهم، ولكن إذا ما ابتلي المسلمون بولاية المنافقين عليهم مُكرهين، بأن قويت شوكتهم فاغتصبوا الأمر بدون رضاهم، أو تحالفوا مع الكفار من اليهود والنصارى والوثنيين، فمكنوهم من السيطرة على الشعوب الإسلامية.. فالواجب على المسلمين أن ينكروا عليهم ما يخالفون فيه كتاب الله وسنة رسوله، وكل تصرفاتهم التي تعود على المسلمين بالضرر، بحسب مراتب المخالفة ومراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع مراعاة المصالح والمفاسد في الأمر والنهي.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدة من أهم قواعد الإسلام التي لا يجوز التقصير فيها، وهي من فروض الكفاية التي إذا تركت، أثم كل قادر على القيام بها من الأمة الإسلامية، حتى يوجد من يقوم بها قياماً كافياً. وكون مرتكب الكفر المعين لا يُكَفّر حتى تقوم عليه الحجة، لا يبيح للمسلمين السكوت عنه، وإشعاره بأن تصرفاته المخالفة للإسلام صحيحة أو مقبولة، بل إن ذلك يوجب عليهم، أن يبينوا له أن الكفر يخرج صاحبه بعد إقامة الحجة عليه من الملة، وأن صاحبه مخلد في النار إذا مات عليه، وأن تصرفاته لا يتعاطاها مسلم يؤمن بالله وباليوم الآخر.

ومن أمثلة ذلك إنكار ما علم من الدين بالضرورة وجوبه، كاعتقاد تحكيم شرع الله والحكم به، وهو كثير في أبواب الفقه الإسلامي، ومنه أركان الإسلام، وإقامة الحدود، وتقسيم الميراث بين الورثة كما نزل بها القرآن.. وكذلك استحلال ما علم من الدين بالضرورة تحريمه، كشرب المسكر وأكل الميتة والزنا..

فكل ذلك يجب على المسلمين، وبخاصة العلماء إنكاره، وبيانه لمن اتصف به، فإذا أنكروه وبينوه، وقامت الحجة على صاحبه، ولم يؤب إلى الله ويستسلم لحكمه، أصبح بعينه مستحقاً للتكفير.. ويجب أن يعلم أنه كلما كانت المخالفة أشدّ، كان وجوب الإنكار أعظم، وكلما كانت القدرة على إنكار المنكر أقوى، كان وجوبه أشدّ، وكلما كانت مصالح الأمر والنهي أكثر من مفاسدهما، كانا أوجب.

ومعرفة تحقق هذه الأمور والموازنة بينهما تعود إلى أهل الحل والعقد، من علماء الأمة وعقلائها وأعيانها وذوي التخصصات المتنوعة فيها.. وليس ذلك إلى غوغاء الناس وجهالها وسفهائها، وذوي العواطف غير المنضبطة، الذين يضرون الأمة أكثر مما ينفعونها.

قال ابن تيمية رحمه الله: "وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي "الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ": فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ،

وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ أَوْ تَزَاحَمَتْ; فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا فِيمَا إذَا ازْدَحَمَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَتَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ.. فَإِنَّ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ الْمَصَالِحِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ; بَلْ يَكُونُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ"[ مجموع الفتاوى (28/129).].

وذكر ابن القيم رحمه الله: أن لإنكار المنكر أربع درجات، فقال: "فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. والثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته. والثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. والرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.. فالدرجتان الأوليان مشروعتان.. والثالثة موضع اجتهاد.. والرابعة محرمة"[ إعلام الموقعين (3/4).].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1434هـ - 2013م

8790219

عداد الصفحات العام

433

عداد الصفحات اليومي