{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) } [النساء]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(012) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف

(012) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف



أثر تحلي المسئولين عن المساد بالقدوة حسنة لرعاياهم.



إن ولي الأمر في رعيته، كالأب في أسرته، تحاكيه الرعية وتقلده، كما يحاكي الأبناء آباءهم ويقلدونهم في الغالب، فإن رأوا في سلوكه خيراً قلدوه، وإن رأوا فيه شراً قلدوه كذلك، ولهذا بعث اللّه تعالى رُسله أسوة حسنة لقومهم، ليقتدوا بهم، ولتقوم عليهم الحجة بأقوالهم وأعمالهم معاً.



قال تعالى: لرسوله صلّى الله عليه وسلم، بعد أن ذكر له بعض أنبيائه ورُسُله الكرام عليهم السلام: {أولَئِك الَّذِينَ هَدى اللّه فَبِهُداهُمُ اقتدهْ} [الأنعام: 90]. وقال تعالى لهذه الأمة: {لَقَد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّه أسْوَة حَسَنَة لِمَنْ كَانَ يرجُوا اللّه وَاليومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّه كثيرا} [الأحزاب: 21].



وقال شعيب عليه السلام لقومه، مبيناً لهم أنه قدوة حسنة لا يخالف ما يدعوهم إليه، ولا يليق بهم وهو قدوة حسنة لهم، أن يخالفوه: {ومَا أرِيدُ أنْ أخالِفَكم إلَى مَا أنهَاكُمْ عَنْهُ إنْ أرِيد إلا الإصلاح مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوفِيقِي إَلا باللّه عَلَيْهِ توَكَّلْتُ وإليه أنِيب} [هود: 88].



ولهذا كانت العبادة وإقام الصلاة، أول صفات ولاة الأمور الذين يمكن اللّه تعالى لهم في الأرض، ليقتدي بهم رعاياهم في ذلك. كما قال تعالى: {الذِينَ إن مَّكَّنَّاهم فِي الأرض أقَامُوا الصّلاةَ وَآتوُا الزَّكَاةَ وأمرُوا بِالْمعرُوفِ وَنهَوا عَنِ المُنْكر وَاللّه عَاقبة الأمُور} [الحج: 41]. أشار سبحانه وتعالى بإقام الصلاة إلى أدائهم حقوق ربهم وقيامهم بعبادته، وأشار بإيتاء الزكاة إلى قيامهم بأداء حقوق رعاياهم.



وقال تعالى: (وَعَد اللهّ الَّذِينَ آمَنُوا منكم وَعملُوا الصالِحَاتِ لَيستَخلِفَنَّهم فِي الأرض كَمَا استَخلَفِ الذينَ مِنْ قبلِهم وَلَيُمَكِّنَن لَهُم دِينهم الذِي ارتضَى لَهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) [النور: 55]. وليس المقصود هنا ذكر صفات ولاة الأمر وواجباتهم وإنما المقصود ذكر ما يؤثر في رعيتهم من الخير، فالإيمان والعمل الصالح وعبادة اللّه الشاملة، وأداء حقوق الرعية صفات ذات أثر كبير في اقتداء الرعية بولي أمرهم، وتأثيره في رعيته الكبار يؤثر على الصغار، لأن الكبار يقتدون بالراعي، والصغار يقتدون بالكبار، وقد شبه العلماء ولي أمر المسلمين، بالقلب الذي إذا أصلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فَسد الجسد كله، وهو ما عناه الشاعر:

إذا كان رب البيت بالدف ضاربا ،،،،،،،،،،فشيمة أهل البيت كلهم الرقص



ومما يؤثر في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف، حظر المحرمات ووسائل الإغراء بالانحراف، وحمل المجتمع على الطاعة، وزجره عن المعصية.



إن المسئولين الذين تتحقق فيهم القدوة الحسنة، لا تَرضَى نفوسهم أن يروا المجتمع يعيش في مستنقع آسن من الشهوات والمعاصي، والبُعد عن طاعة اللّه سبحانه وتعالى، بل يثقل كاهلهم رؤية الفواحش والمنكرات ووسائل الإغراء بها، رأفة بأمتهم وإشفاقاً عليها من أن تلقى ربها بالذنوب والآثام. كما قال تعالى عن نبيه صلّى الله عليه وسلم، وهو قدوة أمته، ولاتِهم ورعيتِهم: {لَقَد جَاءَكم رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُمْ عَزيز عليه مَا عَنِتُّمْ حَريص عَلَيكم بِالمُؤمِنِينَ رءوف رَحِيم} [التوبة: 128].



وقد ضرب صلّى الله عليه وسلم مثلاً يبين شدة شفقته على أمته من الوقوع في المعاصي، فَمَثَّلَ المعاصي بالنار، ومثَّلَ أمته بالفَراش يقع في النار، ومثل نفسه برجل ينزعهن عن النار، وهن يغلبنه بالوقوع فيها، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أنه سمع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم يقول: {إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل ينزعهن ويغلبنه، فيتقحَّمْن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وهم يقتحمون فيها) [البخاري (7/186) ومسلم (4/1789].



وهكذا كان خلفاؤه الراشدون، رضي اللّه عنهم يشفقون على رعيتهم، ويزعونهم عن المعاصي، حتى يتطهر المجتمع من الفواحش، فلا يجد من يريد الانحراف ما يعينه على ذلك، بل يجد ما يصده عنه. ويظهر من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، أن إرادة ولي الأمر الخير لرعيته، ليس في الاستجابة لرغباتهم وأهوائهم، لأن في ذلك ضلالهم ووقوعهم في مساخط اللّه، بل إن إرادة الخير لهم وحُسن النية لهم، أن يحملهم على طاعة اللّه، ويمنعهم عن معاصيه، ولو خالف ميولهم ورغباتهم.



ولهذا قال اللّه تعالى: {وَاعلَمُوا أنَّ فِيكُم رَسُولَ اللّه، لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كثير مِنَ الأمْرِ لَعَنِتم وَلَكِنَّ اللّه حَبَّبَ إَليكُمُ الإيمَانَ وَزيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ أولَئِك هُمُ الرَّاشدونَ، فَضلاً مِنَ اللّه ونِعْمة وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 7ـ8]. والأصل في أولياء أمور المسلمين، أن يريدوا لرعيتهم ما يريده اللّه لهم شرعاً، والذين يريدون غير ما أراد اللّه للمسلمين، هم الذين يرغبون فيِ إعناتهم وإبعادهم عن الله وميلهم عن هديه، وهم الذين يمهدون سبل الانحراف عن دين اللّه، وعن سنن المجتمع المسلم.



كما قال اللّه تعالى: {يريد الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيهديكم سننَ الذِينَ مِنْ قبلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَالله يريد أنْ يَتُوبَ عَلَيكُم ويريد الذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أنْ تمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما} [النساء: 26ـ27].



ومما يسبب الوقوع في المعاصي والآثام ترك الناس، يرتكبون المحرمات علنا، في الأسواق والنوادي والمسارح، ووسائل الإعلام، كشرب الخمر وبيعها علناً، واختلاط الرجال والنساء في المدارس والجامعات، وترك الصلاة، وعرض الأفلام الجنسية والخليعة، مما يثير غرائز الشباب، كما هو موجود في كثير من الأقطار الإسلامية.



والواجب على ولاة أمور المسلمين أن لا يأذنوا بشيء من ذلك، بل عليهم أن يمنعوه منعاً باتاً قطعاً، للفتنة وحسماً للإغراء، كما كان الرسول صلّى الله عليه وسلم يفعل، فقد كان الفضل بن العباس راكباً وراءه في حجة الوداع، فمرت نساء يسألن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم، فأخذ الفضل ينظر إليهن، فوضع الرسول صلّى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، ليحول بينه وبين النظر إلى النساء، فحول الفضل وجهه ينظر من الشق الأخر، فحول الرسول صلّى الله عليه وسلم يده على وجهه من الشق الآخر، ليحول بينه وبين النظر إليهن. [ثبت ذلك في صحيح مسلم (2/891)].



إن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم وضع لأولياء الأمور منهاجاً يسيرون عليه، وهو أن يحولوا بين رعيتهم وبين المعاصي بكل وسيلة، حتى لو اقتضى الأمر أن يقوم ولي أمر المسلمين بذلك بنفسه مباشرة، فكيف يكون الأمر عندما يدخل أولياء أمور المسلمين أسباب المعاصي والانحراف إلى بيوت رعيتهم بصورة دائمة وشاملة ومنظمة، كما هو الحال في أغلب بلدان العالم الإسلامي؟ أليس ذلك وحده كافياً في انحراف الشباب وبُعدهم عن دين اللّه وقواعد سلوك المجتمع؟!



والشباب الذي يراد له الاستقامة، ويؤمر بغض بصره عن المحرمات، يجب أن يعان بما يحقق له تلك الاستقامة وذلك الغض، بعدم عرض ما يثير غرائزه من وسائل الإغراء بالمعاصي المختلفة، وإلا فكيف يطلب منه أن يستقيم مع وجود تلك المثيرات؟ وكيف يطلب منه أن يبتعد عن الإجرام، كجرائم القتل وجرائم السرقة في وقت تعرض عليه وسائل الإعلام تلك الجرائم وطرق ارتكابها في أغلب بلدان العالم الإسلامي؟! أليس ذلك وحده كافياً في انحراف الشباب وبعدهم عن دين الله وقواعد سلوك المجتمع؟





أعود مرة أخرى فأقول: إن إرادة الخير للرعية ليست في الاستجابة لرغباتهم وميولهم، وإن خالفت دين الله، وإنما هي سياستهم بدين الله، وإن كرهته نفوسهم، لأن ذلك هو المصلحة المحققة لهم في دينهم ودنياهم. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه، ويترك ما يكرهونه، فقد قال اللّه تعالى: (وَلَو اتبعَ الحَقُّ أهواءَهم لَفَسدتِ السَّمَاوَات وَالأرضُ وَمَنْ فِيهنّ) [المؤمنون: 71]. وقال تعالى للصحابة: (وَاعلَمُوا أن فيكم رَسوُلَ الله لو يطيعكم فِي كثير مِنَ الأمر لَعنتم) [الحجرات: 7].



وإنما الإحسان إليهم أن يفعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه، لكن ينبغي أن يرفق بهم فيما يكرهونه، ففي الصحيحين، عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه) [مسلم (4/2004) من حديث عائشة رضي الله عنها].











السابق

الفهرس

التالي


14217380

عداد الصفحات العام

9

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1444هـ - 2023م