{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) } [النساء]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(60) سافر معي في المشارق والمغارب

(60) سافر معي في المشارق والمغارب

وصف ما رأيناه من سور الصين العظيم:

أوصلنا السائق إلى السور، وذهب ليقف سيارته في أحد المواقف المعدة لوقوف السيارات، والمكان الذي نزلنا به ممر بين جبلين تمر به السيارات الناقلة للسائحين ذاهبة وعائدة، وهو كذلك أحد الممرات التي ينفذ منها المسافرون من جنوب الصين إلى شمالها، أو من شمالها إلى جنوبها، كما يمر بها المشاة من السائحين شمالاً وجنوباً للتجول في الأسواق الشعبية الموجودة على جانبي الطريق قبل السور وبعده، وكذلك يصعدون إلى الأعلى، للتجول على السور نفسه في قمم الجبال الواقعة على جانبي الممر، حيث أعدت درجات من الحجارة والآجر الأحمر لتسهيل السير لمن يريد ذلك. ويبدو لي أن ارتفاع البوابة لا يقل عن ثمانية أمتار، بل ربما يزيد.

وعندما صعدنا إلى أعلى السور ونظرنا إلى الجانبين، تيقنا أن الوصول إلى قمم تلك الجبال التي نصبت عليها أبراج المراقبة، مشياً على الأقدام يَحتاج إلى وقت طويل، بحيث يجيء الليل قبل أن نتَمكن من العودة إلى الأسفل، فقلت للأخ إبراهيم: سل الناس هل توجد هنا صناديق النقل الكهربائية الجبلية (تلفريك)، لنتمكن من الصعود بسرعة ونتجول على السور لنرى ما أمكننا رؤيته، ونلتقط له بعض الصور الفوتوغرافية، فكان الجواب: نعم.

فذهبنا على الأرجل حيث أشاروا لنا إلى مكاتب الشركة الخاصة بها، وكنا نظنها قريبة جداً، ولكنا لم نصل إليها إلا بعد نصف ساعة، ومكاتبها تقع على جانب واد على يمين الممر بعد تجاوزه إلى جهة الشمال، كما توجد غيرها أيضاً في أماكن أخرى على اليسار.

أخذنا بطاقات الصعود من المكتب، وقيمة البطاقات للأجانب أضعاف قيمتها الخاصة بالمواطنين ـ تحقيقاً للمساواة الاشتراكية الأممية!

استغرق صعودنا إلى القمة يصل إليه المصعد من الجبل خمس دقائق تقريباً، وعندما هبطنا في المحطة العليا، صعدنا على أقدمنا على الدرج حتى وصلنا إلى أحد أبراج المراقبة المشيدة على قمم الجبال. وللبرج مدخل واحد تقع على يمينه وعلى شماله شرفات بها فتحات يرى الناظر منها كل ما تمكن رؤيته في أسفل الجبل من كل الجهات، ويوصلك الدرج إلى شرفات أخرى في الأعلى، وهي شبيهة بالشرفات السفلى، وبعدها قاعة واسعة مربعة مبلطة مستوية السطح، يقال: إنها تتسع لستة خيول تكون بجانب المقاتلين [بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 140]. وبها أيضاً فتحات أوسع وأمكن للرؤية، وفي أسفل الشرفات والقاعة الواسعة فتحات أصغر، يقال: إنها أعدت للرماية.

وهذه الأبراج أعدت لمراقبة تحركات الأعداء وإنذار جيوش الحراسة بذلك عن طريق أجهزة لاسلكي طبيعية وجدت في غابر الأزمان، وهي: الدخان المتصاعد في النهار، ولهب النار المتوهج في الليل [المرجع السابق ص: 140].

وعندما وقفنا على هذا البرج كنا إذا التفتنا إلى أي جهة من قمم الجبال ووديانها التي تظهر لنا، نرى السور وهو يمتد إلى قمة كل جبل، ويهبط إلى كل واد متلوياً مثل الثعبان



هذه الصورة اخذت من الشبكة

وكثير من قمم الجبال متجاورة أو متقاربة، وعلى قمم الجبال أبراج شبيهة بهذا البرج، ويقال: إن بعضها أكبر من بعض، ويبلغ طول هذا الجزء من السور القريب من العاصمة بكين خمسين كيلو متر [المرجع السابق]. ولا تكاد تجد مكاناً خالياً من السائحين ـ من كل الأجناس ـ صاعدين وهابطين في الأدراج المؤدية إلى الأبراج.

وقد تجولنا في منطقة السور من الساعة الثامنة والنصف إلى الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً، وكان الجو بارداً برودة ممتعة في هذه الفترة، وكان رذاذ المطر يتعهدنا من وقت لآخر، ولو كان في أيام الشتاء لكستنا الثلوج ملابس بيضاء نقية، قد تكون أكفانا لمن وافاه الأجل هناك، لأن المنطقة جبلية وتقع في أقصى الشمال الشرقي للصين، وهي منطقة باردة على حدود منغوليا.

قراءة واستنتاجات:

عندما وقفت على أحد أبراج السور ونظرت إلى قمم الجبال ووديانها، ورأيت امتداده صاعداً على القمم وهابطاً إلى الوديان، على مسافات لا يبلغها البصر [يبلغ طول الجزء المجاور لبكين 50 كيلومترا. (بكين حاضرة الصين العريقة والحديثة، ص: 138)]. أخذت أتأمل وأقرأ شيئاً من صفحاته، ودارت بخاطري آثار أخرى خلفها الأباطرة وراءهم ولا زال نظراؤهم يقصون أثرهم في ذلك، وإن اختلفت مقاصدهم، وقد وقفت عليها في بعض البلدان التي زرتها، كثير منها لأباطرة غير مسلمين كهذا السور وكأهرامات مصر، وبعضها لحكام مسلمين، مثل تاج محل في الهند، وقصر الحمراء في الأندلس (أسبانيا). فخرجت من تلك القراءة ـ وهي قراءة عاجلة ـ بنتائج سجلتها في التنبيهات الثلاثة الآتية:

الاستنتاج الأول: شقاء الأمم بسبب عدوان بعضها على بعض.

وهذا الشقاء واضح جدا في بناء هذا السور في العصور المختلفة بهذا الامتداد الهائل في تلك المناطق الوعرة التي لولا أنه موجود فيها فعلاً ويراه الزائر يقظة لا مناماً، لما صدق أنه يمكن أن يبنى بصفته تلك، وبخاصة في تلك الأوقات التي يغلب أن تكون وسيلة النقل والبناء الفعالة فيها هو الإنسان وما يملكه من جمال أو بغال… ‎فكم من البشر عملوا فيه؟ وكم من المال أنفق على بنائه؟ وكم من الأوقات قُضِيَت منذ بدء إنشائه إلى إتمامه؟ وكم من العاملين فيه
هلكوا بسبب قسوة أجوائه ووعورة مسالكه؟ ثم كم من الجيوش رابطت فيه دفاعاً عن اقتحام الأعداء لقلاعه وممراته؟ وكم سقطت على جانبيه من جماجم هجوماً ودفاعاً؟!

قال لي بعض الصينيين: إن طوله يبلغ خمسة وعشرين ألف كيلومتر، ولكني لم أجد في المراجع التي وقعت بيدي ذكر هذا المقدار، والمقدار المذكور في المراجع ـ بل أقل منه ـ يكفي للدلالة على هذا التنبيه.

وتختلف تقديرات الكتاب لطول السور، والذي يبدو لي أن من أهم الأسباب اختلاف مقادير أطواله باختلاف الفترات التي شُيّد فيها، فإن طوله في بداية إنشائه يختلف عن طوله في الحقب التالية، وكل كاتب يطلع على مقدار طوله في فترة معينة يسجل ما اطلع عليه، دون دراسة أطوار بنائه.

إن تلك الجهود التي بذلت في تشييد هذا السور وأعماله، بكل أصنافها، كانت جديرة بإعمار الصين إعماراً يجعل سكانها كلهم في رغد من العيش، لولا الخوف من العدوان الذي يسفك الدماء ويهلك الحرث والنسل ويقضي على الأخضر واليابس!

الاستنتاج الثاني: أن أسوار الدفاع عن الأوطان في الحقيقة هي الشعوب.

إن الشعوب ـ في الحقيقة ـ هي الأسوار التي تدفع العدوان عن أوطانها، فقد شيَّد سورَ الصين العظيم في بعض مراحله مليونُ شخص كما سيأتي قريباً ـ فكيف بالمراحل الأخرى المتعددة؟! ـ ولولا هذا العدد الهائل الذين صبروا على متاعبهم، وأرخصوا أرواحهم، ونسوا وراء ظهورهم أسرَهم وذراريهم، لما كان للأباطرة الذين يسرحون ويمرحون في قصورهم، ويتمتعون بأنواع النعم وأصناف الملذات. [انظر وصف آخر إمبراطور صيني للتباهي المفرط في أنواع الطعام الذي كان يقدم على مائدته، ولما يبلغ سن السابعة من العمر، وكذلك أنواع الثياب التي كانت تعد لغياراته المعتادة، وعدد العمال في إدارته، والخصيان الذين لا يغادرون قصره، كل ذلك في كتابه (من إمبراطور إلى مواطن ـ السيرة الذاتية، لآيشين جيولوه بويي: 1/48، 51،52،،71) دار النشر باللغات الأجنبية بكين]. في الوقت الذي يذوق فيه مشيدو السور شظف العيش ومرارة الآلام والأتعاب فلا يأمنوا من خوف أو يَطْعَموا من جوع!

الاستنتاج الثالث: أنه لا عزة لأمة لا لا تقدر على حماية أرضها من عدوها.

إن الأمم لا تبقى لها هيبتها وعزتها وكرامتها، إلا إذا صانت أرضها وحمت عِرضها من عدوان عدوها، وذلك يقتضي أن تعد العدة وتبذل النفوس والنفيس، وتصبر على المشقات والابتلاءات، وأن الأمة التي تفرط في شبر من أرضها لعدوها، لا يبعد أن تفرط يومًا مَّا في كامل وطنها، وتتنازل عن سيادتها ومجدها، لتذوق كل أنواع الصغار والإذلال من عدو حقود يتشفى بتحقيرها واستخذائها، وسِجِلّ التاريخ على ما نقول شهيد، وما أمر فلسطين وبيت المقدس منا ببعيد، وصفحات البلدان المحتلة حجة وبرهان!






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م