﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(014) أثر التربية الإسلامية في بناء المتمع المسلم

(014) أثر التربية الإسلامية في بناء المتمع المسلم

التنافس في الإيثار بالدنيا يقابله التنافس في الطاعات إلى الجنة
قال ابن القيم رحمه الله: "فالإيثار إما أن يتعلق بالخلق، وإما أن يتعلق بالخالق، وإن تعلق بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتاً، ولا يفسد عليك حالاً، ولا يهضم لك ديناً، ولا يسد عليك طريقاً، ولا يمنع لك وارداً، فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك، فإيثار نفسك عليهم أولى، فإن الرجل من لا يؤثر بنصيبه من الله أحداً كائناً من كان، وهذا في غاية الصعوبة على السالك والأول أسهل منه.
فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله، هو الإيثار بالدنيا، لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب ـ إلى أن قال ـ: فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلاً للإيثار، بل محلاً للتنافس والمسابقة" [طريق الهجرتين وباب السعادتين ص529ـ531، طبع الشؤون الدينية بقطر].

آثار التنافسين في المجتمع

والمجتمع الذي يتنافس أفراده في الإيثار بالدنيا ومتاعها، ويتنافسون في الطاعات والقربات، هو المجتمع الذي لا يمكن أن يوجد في الأرض مجتمع مثله ينعم بالأمن والمحبة والسلام. والذي يتأمل أحوال المسلمين في هذا الزمان، يرى أن الخوف والمحن التي نزلت بهم آتية من فقد هذين الأصلين، وهي ناتجة عن أصلين مضادين لهما، وهما التنافس حطام الدنيا، والاستئثار بها، والبعد عن الإيثار، بل عن العدل.

وذلك هو الشح الذي هلكت به الأمم: الشح بطاعة الله والشح بالدنيا، كما روى جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) [مسلم (4/1996)].

تحذير الرسول من الشح والتساهل في العمل الصالح

وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، من الشح الذي يصاحبه نقص العمل الصالح وكثرة القتل، وهو ما نراه في هذا الزمان رأي العين، وهو يزداد كثرة كل يوم. كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج) قالوا: وما الهرج؟ قال: (القتل القتْل) [البخاري (7/82)]. والشح يؤدي إلى الظلم ويهدم المجتمع ويفقد الأمن.

الاعترا ف بندرة صفة الإيثار

وينبغي أن لا يغيب عنا، أن صفة الإيثار صفة نادرة، لا يملكها إلا نوادر المتقين من عباد الله، وأنه لا يُطمع في كثرة أهلها في المسلمين، ولكنها ليست مستحيلة، ولا هي مما لا يطيقها المكلفون، ويستطيع من جاهد نفسه على طاعة الله وتقديم ما يحبه الله على ما تحبه نفسه، ويدفعه إليه هواه، أن يحقق من الإيثار ما حققه في جهاد نفسه لله.

إذا صعب علينا الإيثار فلا نشكك في قدرة غيرنا عليه

وإننا لنسمع كثيراً ممن لا يلتزمون بفعل الواجبات وترك المحرمات، ولا يلتزمون العدل مع غيرهم من الناس، نسمع منهم التشكيك في تطبيق ما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم، قدوة أمته فيه من الصفات والأخلاق العالية التي مضى كثير من أمثلتها، ويشككون في وصول أحد من المسلمين على ما وصل إليه، بحجة أن رسول الله معصوم يعينه الله تعالى على التخلق بتلك الأخلاق، ويعتبرونها أخلاقاً مثالية، لا يدان لأحد بها.

ونحن نقول لهم: لم ينزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، أمراً ولا نهياً ولا تكليفاً لأمته إلا وهم قادرون على تنفيذه، ما لم يكن لبعضهم عذر يقبله الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يكلف نفساً إلا ما آتاها، وما جعل علينا في الدين من حرج، وهذا أمر معروف. ومما يدل على قدرة الأمة على القيام بأمر الله سواء كان في الاعتقاد أو في غيره من الأحكام والمعاملات والأخلاق، أن كثيراً من أصحابه رضي الله عنهم، طبقوا تلك الأمور وهم بشر غير رسل؛ لأنهم عزموا على تطبيقها طاعة لله وجاهدوا أنفسهم عليها، فأعانهم الله تعالى، فعبدوا الله حق عبادته وجاهدوا في الله حق جهاده، فأعانهم على ذلك وهو معنى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.

النوادر موجودون وهم قدوة

وإنا لنعرف في هذا العصر الذي طغت فيه المادة وقست فيه القلوب وابتعد كثير من المسلمين عن دين الله، نعرف أنه وجد فيه من كان له حظ من هذه الأخلاق الفاضلة، وإن قلوا، بسبب مجاهدة أنفسهم وقوة صلتهم بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعزمهم المصمم على السير في صراط الله الذي سلكه أهله من الرسل ومن اتبعهم في طاعة الله.

سبب استباد بعض الناس وجود بعض الأخلاق السامية

والذين يزعمون أن هذه الأخلاق مثاليات لا يمكن تطبيقها في العصور المتأخرة، إنما دعاهم إلى ذلك هجرهم لكتاب الله وسنة رسوله وسيرته المطهرة، وانغماسهم في شهوات أنفسهم واستمرائهم لما ألفوا من ذلك، ولم يجاهدوا أنفسهم على طاعة الله ومحاربة عدوهم إبليس الذي قال: {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)} [الأعراف].

وقد شكا الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى ربه هجر قومه لكتاب الله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30)} [الفرقان]. والذي يهجر القرآن يهجر طاعة ويستبعد تمكن غيره ممن يجاهدون أنفسهم في تلاوة القرآن ومحاولة العمل بما فيه، فإذا انصرفت أنا عن تلاوة القرآن وتدبره والعمل بما فيه، لا يجوز لي أن أثبط غيره الجهاد في ذلك، وهذه النصوص وإن كانت بظاهرها تعني الكفار والمشركين، ولكن كثير من المسلمين يشتركون معهم في هجر القرآن، ولهذا يستبعدون وجود صفات يفقدونها في أن توجد في غيرهم.

جربوا وجاهدوا أنفسكم ثم احكموا فليست التجارب اص بالمعامل والماديات، بل تشمل القلوب

وليجرب من يرى عدم القدرة على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته الاتصال الكثير بكتاب الله وسنة رسوله وسيرته، وليجاهد نفسه على تقوى الله وتطبيق تلك المثل والأخلاق، وليرافق عباد الله المتقين الذين يعينونه على طاعة الله، ويتجنب مرافقة أهل السوء الذين يشجعونه على المعاصي والمنكرات، فسيرى بإذن الله أنه قادر أن يطبق ما يرضي ربه بقدر مجاهدة نفسه.

نعم نعترف بأن الإيثار نادر

إننا يجب أن نعترف، بأن الإيثار في عصورنا نادر، ولكن مع هذا أعترف بندرة وجود مثل هذا الخلق السامي الذي وجد في عهد الصحابة بجانب نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولكننا يجب أرد هذه الندرة، إلىعدم وجود التربية والتزكية الربانية في عهدنا، مع وجود تلك التربية والتزكية في عهد سلفنا الصالح، فوجود القدوة الحسنة هناك، وعدم وجودهما هنا، هو السبب ولذا يصعب علينا تصور هذا الخلق في بيئتنا، فضلا عن وجوده عملا بيننا، ثم إن الإيثار لم يفرضه الله على الأمة، لئلا يحرجها، وإنما شرعه لها لترتقي به إلى قمة الأخلاق الفاضلة التي يحبها الله ورسوله. فالذين قعدوا على مقود قطار سير هذه الأمة في الأزمنة المتأخرة، علَّموها في حياتها الأثرة، ثقافة وتربية وفعلا، فأنى يمكن أن يوجد خلق الإيثار، والهرم كله في شق والتربية الإيمانية ومقتضياتها في شق آخر؟!

والسؤال الذي يجب أن نوجهه إلى أنفسنا

وإذا كنا لم نستطع الإيثار، الذي أثنى الله على أهله، وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم، وعمل به أصحابه، فما الذي نسطيع فعله؟ والجواب الذي يعلمه كل عاقل مسلم، أننا نستطيع العمل بالمرتبة الثانية التي تلي الإيثار، وهي العدل من أنفسنا ومن كل حبيب علينا من أقاربنا وأصدقائنا، فنعدل في أنفسنا وفي القريب والبعيد، ولا يجوز لنا أن نظلم أحدا من أجل مصالحنا أو ومصالح غيرنا، من قريب أو بعيد، لأن العدل فرض على كل أحد في هذه الحياة، والظلم محرم على كل أحد، عظم في الدنيا أو صغر، ولو كان ذلك في مصلحة أنفسنا، ولو كان المظلوم من غير أهل ملتنا، والآيات والأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك كثير جدا.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135)} [النساء] وقال تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)} [المائدة] وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ (90)} [النحل]

إذا لم تستطع شيئا فدعه،،،،،،،،،،وجاوزه إلى ما تستطيع

فمع علمنا بندرة صفة الإيثار وأهلها، يجب أن نوطن أنفسنا على التزام رتبة العدل، وهي الرتبة الثانية من التعامل فيما بيننا، فلنلجم أنفسنا عن الظلم والعدوان، ونعط كل ذي حق حقه، في كل شؤون الحياة، ليتحقق الأمن، وينتفي الخوف والقلق، وفي ذلك فضل كثير وخير وفير، تسعد به الأمة، وتزول به المخاطر وتنقشع الغمة، وإن لم نرق إلى درجة الإيثار، وليبق الإيثار هدفاً لنفوس أكثر طموحاً إلى الدرجات العلا، وأعظم طلباً للاستباق إلى رضا المولى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467509

عداد الصفحات العام

737

عداد الصفحات اليومي