{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) } [النساء]
(067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: (064) سافر معي في المشارق والمغارب :: (029) در المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (028) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: (027) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(027) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث

(027) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث
العاملون في المسجد

المبحث الأول: الإمام.
المبحث الثاني: المؤذنون.
المبحث الثالث: المصلون.
المبحث الرابع: المدرسون والمرشدون.
المبحث الخامس: القائمون بخدمة المسجد.

المبحث الأول: الإمام، الحلقة الأولى

لقد كان الإمام الأول للمسجد في الإسلام، هو ولي أمر المسلمين الأول: الرسول القدوة، والحاكم العادل، والقائد الشجاع، والمعلم المزكي، والمفتي الفقيه في الدين، والخطيب المؤثر، والرؤوف الرحيم، إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم تبعه على ذلك خلفاؤه الراشدون، الذين كانوا يجتهدون في الاقتداء به في كل نشاطهم المتعلق بأنفسهم أو بغيرهم، ثم تغير الحال بعد ذلك، فاختص الأمراء بالسياسة، واختص العلماء بالتعليم والإفتاء والقضاء وإمامة المساجد، وخطبها، مع وجود تعاون بين الفريقين: فريق العلماء: ينصح ويبيِّن الحق. وفريق الأمراء: ينفِّذ.

الأصل أن يكون إمام المسجد هو ولي الأمر

ثم حصلت فجوة واختلاف بين العلماء والأمراء، تبع ذلك انفصام نكد بين العلماء والحكام في العالم الإسلامي، وتمكن الشقاق بين المسلمين بسبب افتراق التوجيه الديني، والقيادة السياسية. قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد كانت السنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة، ويخطب بهم، هم أمراء الحرب، الذين هم نواب ذي السلطان على الأجناد، ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة، قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على حرب، كان هو الذي يؤمِّره للصلاة بأصحابه، وكذلك إذا استعمل رجلاً نائباً على مدينة، كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعلياً ومعاذاً وأبا موسى على اليمن، وعمرو بن حزم على نجران، كان نائبه هو الذي يصلي بهم، ويقيم فيهم الحدود وغيرها، مما يفعله أمير الحرب. وكذلك خلفاؤه بعده، ومَن بعدهم من الملوك الأمويين، وبعض العباسيين، وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد" [مجموع الفتاوى (28/260ـ261)].

إن المقصود من هذا هو: بيان رتبة إمام المسجد في المجتمع الإسلامي، إمام المسجد كان الآمر الناهي، ثم ضعفت صلة السلطان بالمسجد، في فترة من الفترات، وقويت صلة العلماء به، فأصبح أئمة المساجد هم الناصحين الأمناء، والسلطان هو المنفذ لأحكام الدين، ثم ازداد الضعف بين السلطان والمسجد، حتى شيد معاهد وجامعات، يضع هو مناهجها، ويوظف أساتذتها والقائمين بأعمالها الإدارية والمالية، ويضع المتخرجين في تلك المعاهد والجامعات في أرقى وظائف الدولة، ليستغني بهم عن علماء المساجد وأئمتها.

فأصبح لعلماء المساجد توجيه، وللمتخرجين في المعاهد والجامعات توجيه آخر، يؤيد علماءَ المساجد طلبتُهم وأتباعُهم الذين لا حول ولا طول لهم، ويؤيد علماءُ المعاهد والجامعات السلطان [كما هو الحال في بعض البلدان الإسلامية التي استولى عليها الكفار المستعمرون فأفسدوا بعض شبابها وربوهم على بغض الدين ومحاربة مؤسساته.

فقويت بذلك الفرقة، واشتدَّ الخلاف، واضطر طلاب العلم أن ينصرفوا عن المساجد إلى غيرها من المعاهد والجامعات، لينالوا الحظوة والجاه، حتى أصبحت إمامة المسجد ليست ذات بال عند كثير من المسمين. وأصبح القصد منها أن يسترزق إمام المسجد من ورائها، فضعفت وظيفة المسجد، وقلت أهمية الإمام، فأصبح العلماء الكبار لا يرغبون في إمامة المسجد، إلا إذا كانت ذات بال في نفسها عند الناس، كالحرمين، وبيت المقدس والجامع الأزهر، وبعض الجوامع التي بقي فيها حلقات لطلبة العلم.

لذلك صار مفهوم المسجد عند الناس، محلاً للدعوة إلى الصلاة، ثم أداءَ الفرائض لمن شاء، وشيئاً من النوافل، وتلاوة القرآن في بعض الأوقات، ثم تغلق أبوابها إلى أن يحين الوقت الآخر، وهكذا.. فإذا أراد المسلمون الآن أن يعيدوا للمسجد مكانته في المجتمع الإسلامي ليؤدي فيه وظيفته، كما كان يؤديها من قبل، فلا بد أن يجتهدوا في إيجاد الأسباب التي ترفعه كما أراد الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور 36/37]).

لكل مسجد إمامه الكفء بحسب موقعه

ومن ذلك إيجاد الإمام الكفء لكل مسجد بحسب موقعه، وكفاءة الإمام إنما تؤخذ من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفعلية، وسنته القولية. فالإمام لا بد أن يكون حافظاً لكتاب الله، أو لشيء كاف منه يؤم الناس به، ويسمعهم إياه في الصلوات الجهرية؛ لأن تلاوة القرآن على الناس وقت الصلاة نفعها عظيم جداً، وهو في زمن إمامته الطويل في الغالب، يستطيع أن يعظ الناس ويذكر لهم الأحكام في تلاوته بحسب المناسبات، أما إذا كان لا يحفظ إلا بعض السور القصيرة، فإن المصلين يحرمون الخير الكثير. ولا بد أن يكون على علم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة ما يتعلق بأحكام الطهارة والصلاة، وآدابها، وآداب المسجد في الدخول والخروج والجلوس وغيرها.

الترتيب النبوي لأئمة المساجد

وينبغي أن يكون ذا هيبة ومكانة في المصلين، له من الفضائل ما يكون بها محترماً عند المصلين المحيطين بمسجده. ولهذا جعل صلى الله عليه وسلم الإمامة للأسبق فالأسبق، تلاوة لكتاب الله، وحفظاً وعلماً بالسنَّة النبوية، والأقدمية في الهجرة، وما شابهها من الفضائل، أو السن. كما في حديث أبي مسعود الأنصاري، رضي الله عنه، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء، فليؤمهم أقدمهم هجرة ـ وفي رواية: فأقدمهم سلماً -أي إسلاماً - فإن كانوا في الهجرة سواء، فليؤمهم أكبرهم سناً، ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في أهله، ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته إلا أن يأذن لك) [مسلم (1/465)].

وولي أمر المسلمين أحق بالإمامة، وإن وجد من هو أحفظ منه للقرآن الكريم أو أقدم منه هجرة، لتجتمع إمامة الصلاة وإمامة السياسة في رجل واحد، كما كانت على عهده صلى الله عليه وسلم، وعهد خلفائه رضي الله عنهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يؤمَّن الرجل الرجل في أهله ولا في سلطانه). واشتد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته، أن يصلي بالناس أبو بكر، وغضب من مراجعة عائشة له، وطلبها منه أن يصلي بالناس عمر، لما علمت من رقة أبيها، وأنه يغلبه البكاء [راجع صحيح البخاري (1/165)].




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م