{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) } [إبراهيم]
(04) سافر معي في المشارق والمغارب :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (04)قواعد في تزكية النفس القاعدة الثالثة: :: (02)سافر معي في المشارق والمغارب-البرتغال :: (03) قواعد التزكية :: سافر معي في الشارق والمغارب :: (01)سافر معي في المشارق والمغارب الرحلة إلى البرتغال الأحد: 1409 ﻫ ـ 1988م :: (02) قواعد في تزكية النفوس :: (010) سافر معي في المشرق والمغارب :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه

(24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه
المبحث الثامن عشر: النصح لكل مسلم

في اللسان: النصح: نقيض الغش... وفي الحديث: (الدين النصيحة، لله ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم). قال ابن الأثير: "النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، فليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها" [ترتيب اللسان (3/646) والحديث سيأتي ذكره وذكر مصدره].

وإذا علم أن النصيحة هي إرادة الخير للمنصوح، فإن فمن المناسب أن يكون هذا المبحث هو خاتمة مباحث الفصل الأول من هذا الجزء، وهو السعي لتحقيق الأخوة الإسلامية وتقويتها؛ لأن هذا المبحث جامع لمعاني المباحث السابقة وغيرها، مما لم يذكر بالنص عليه.
فقد بيَّن تعالى أن النصح هو وظيفة الأنبياء والرسل وأتباعهم، وأن الأنبياء والرسل وأتباعهم لا يريدون إلا الخير للمنصوح لوجه الله تعالى، لا يريد من الناس جزاءً ولا شكوراً. فقال تعالى عن نوح عليه السلام: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (62)} [الأعراف]. وقال عن هود عليه السلام: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)} [الأعراف] وقال عن صالح عليه السلام: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ(79) [الأعراف]

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبايع أصحابه على النصح لكل مسلم، كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه، قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، على السمع والطاعة... والنصح لكل مسلم" [البخاري (1/20) ومسلم (1/75)]. من أجمع الأحاديث في النصيحة الشاملة لمستحقيها، حديث تميم الداري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (الدين النصيحة) قلنا: لمن؟ قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم) [مسلم (1/74)].


الولاية السياسية والرعية:
لا يتحقق بناء المجتمع الإسلامي وأمنه إن الأمن المنشود ، إلا إذا تحقق الانسجام والأخوة الصادقة بين الأمة الإسلامية، المحكومة والحاكم، وهذا الانسجام والأخوة الصادقة بينهما يقتضان توفر أمور تلزم كل فريق منهما حقوقا يؤديها للفريق الآخر وواجبات له عليه يؤديها له كذلك، فإذا قام كل منهما بواجباته، ونال حقوقه، حصل الوئام وتم الانسجام، وظلل الحياة الطمأنينة والأمن والسلام.
وإذا فُقد من أحدهما ما يجب عليه القيام به للآخر من الحقوق، أو حُرم ماله عليه من الواجبات، حل التنافر بينهما محل الألفة والاجتماع، واستبدلوا بالوئام والانسجام الفرقة والشقاق والنزاع، وفقدوا بذلك الأمن وجلبوا على أنفسهم الفوضى ونزل بهم ما ينغص حياتهم من الخوف والاضطراب.
ومحل تفصيل هذا الموضوع كتب السياسة الشرعية، بين الراعي والرعية، وفي كتابنا الكفاءة ألإدارية في السياسة الشرعية، شيء من التفصل، ولكن لا بد من الإشارة إلى شيء من تلك الواجبات والحقوق ليكتمل أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي.
صفات تمكن ولاة الأمر من القيام بواجباتهم لرعيتهم:
الصفة الأولى: العلم بما يجب عليه القيام به في ولايته لرعيته، من جلب المصالح لها ودفع المضار عنها، ليحفظ بذلك ضرورات حياتها ومكملاتها، وهذه الصفة، كانت أبرز ما ذكرها يوسف عليه السلام لملك مصر الذي أخبره بقته فيه وإرادة تمكينه من إدارة بعض شئون بلاده، كما فال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ عَلِيمٌ (55)} [يوسف].
الصفة الثانية: الأمانة، وهي داخلة في قول يوسف عليه السلام: {إِنِّي حَفِيظٌ} ولا يكون حفيظا على شيء من ولايته، إلا من اتصف يالأماتة، ولهذا حكى الله تعالى عن بنت الرجل الصالح الذي طلبت منه استئجار موسى صلى الله عليه وسلم، للقيام برعاية حيواناتهم، وما يتبع ذلك من شئونهم لكبر أبيهم، حكى الله عنها ما رأته مؤهلا لوظيفته في تلك الرعاية والاستئجار، كما قال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)} [القصص].
الصفة الثالثة: القوة، وهي التي يتمكن بها الوالي من تنفيذ ما يجب عليه تنفيذه في مصالح رعيته، بعد تقريره العمل به، وهي داخلة في قول يوسف عليه السلام: {حَفِيظٌ} لأن حفظ الشيء لا يقدر عليه إلا القوي على حفظه، وقد صرحت بذلك بنت الرجل الصالح {الْقَوِيُّ}
الصفة الرابعة: الخبرة التي تكتسبها ولي الأمر من ممارسات طويلة في الأعمال التي يزاولها في إدارة شئون المجتمع متدرجا فيها من أصغرها إلى أكبرها. والعلم لا يغني عن الخبرة، ولكنه يصبغها بصبغته الشرعية والأخلاقية، ولا يمكن لولي الأمر أن يكون خبيرا بكل شيء تحتاجه ولايته، بل لا بد له من خبراء في شتى ميادين وظائفه، مهما بلغ من الإلمام بتلك الوظائف، وبخاصة في هذا العصر الذي تشعبت فيه الإدارة ووظائف الدولة، ولهذا يجب عليه أن يختار فيها من الخبراء ذوي الاختصاصات والخبرات المتنوعة، سواء كانوا من المنفذين في الدولة، كالوزرا والأمراء والمحافظين والبلديات وغيرهم، أو من أهل الشورى والبرلمانات.
الصفة الخامسة: العدل بين الناس، فقد أمر الله رسوله، أن يحكم بالعدل، وعقب على ذلك بذكر محبته لأهل العدل، فقال تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)} [المائدة] والضمير في {بينهم} يعود على أهل الكتاب، عندما يتحاكمون إليه، والمسلمون من باب أولى. وأكد الله أمره له بذلك في قوله بعد ذلك: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ ... (48) وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ... (49)} [المائدة].

وأمر الله تعالى المسلمين كلهم كما أمر عبده ورسوله، بالعدل، ولو مع من يكرهون من أعدائهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)} وقال تعالى: {... وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58)} [النساء].

بل أمر الله تعالى المؤمنين بالعدل ولو كان عليهم أو على أقرب المقربين إليهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135)} [النساء] وأمرهم بالعدل في فعلهم وقولهم، فقال تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)} [آل عمران].
وروى عبد الله بن مسعود، أن رجلا اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسبب إعطائه بعض المؤلفة قلوبهم، أموالا كثيرة يتألفهم بها، قال رضي الله عنه:"قَالَ رَجُلٌ: "وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ" فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ (فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ) [آل عمران آل عمران والحديث متفق عليه].

ولا قيام لحياة الناس ولا أمن ولا اطمئنان، إذا فقد بينهم العدل، ولهذا جمع الله تعالى بين إرساله رسله، وإنزاله كتبه، وخلقه الحديد وما فيه من منافع وبأس شديد، من أجل قيام الناس بالعد، فالذي لا يقومه الكتاب، قومه الحديد، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)} [الحديد].
ولقد شهد أعداء الإسلام من اليهود لهذا الدين ورجاله الذين تزكوا به، بأنه دين العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، عندما حاولوا إفساد أهله بالرشوة، فلم يفلحوا، وأنقل قطعة من قصة طويلة، وقعت بينهم وبين عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، عندما كان يأتيهم في خيبر يخرص عليهم زكاة أموالهم من النخل، فأرادوا أن يرشوهـ لينقص عليهم من الزكاة:
"
وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عامٍ فيخْرصُها عليهم، ثم يضمِّنُهُمُ الشَّطْرَ، فشكوا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم شِدَّةَ حرصه، وأرادوا أن يرْشُوهُ، فقال عبد الله: تطعمونني السُّحْتَ، والله لقد جئتكم من أحبِّ الناس إليَّ، ولأنتم أبْغَضُ إليَّ من عدَّتِكُمْ من القِردَةِ ،والخنازير، ولا يحْمِلُني بُغضي إياكم على أن لا أعدل عليكم، فقالُوا : بهذا قامت السماوات والأرض" [الحديث رواه ابن عمر، قال شعيب الأرناؤط في تخريح صحيح ابن حبان، رقم/ 5199: إسناده صحيح] والآيات والأحاديث الدالة على وجوب العدل بضرورة العدل قي حياة الناس كثيرة جدا.

الصفة السادسة: اختيار ذوي الوظائف العليا في دولته من الأكفاء الذين تتوفر فيهم صفاته المذكورة

أعلاه، حتى يأمنهم على شئون رعاياه، ويأمنهم الناس على حقوقهم ومعاملاتهم فيحفظونها لهم، ولا يظلمونهم، وعلى هؤلاء أن يختاروا من دونهم كذلك بالصفات المذكورة، وإذا لم تتوافر فيهم تلك الصفات كاملة، فالواجب عليهم تقديم الأكفأ فالأكفاء، حسب القدرة، بحيث لا يقدم غير الأكفأ عليه، لأنهم هم الذين يباشرون غالب حقوق الرعية.




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13603590

عداد الصفحات العام

246

عداد الصفحات اليومي