{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) } [النساء]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(67) سافر معي في المشارق والمغارب

(67) سافر معي في المشارق والمغارب



أول رحلة في حياتي إلى خارج أرض الحرمين:



6 ـ وكان أول سفر لي إلى خارج المملكة سنة 1392ﻫـ 1972م إلى جمهورية مصر العربية من أجل مواصلة دراسة الماجستير ـ انتساباً ([ذهبت في الإجازة الصيفية مرتين، وبعد الانتهاء من الامتحان أعود إلى عملي]).في جامعة الأزهر.



وعندما أقلعت الطائرة السعودية من جدة إلى مصر فوق البحر الأحمر أخذت أتأمل في البحر والسحب فأدهشني المنظر وأخذ بلبي، وذهبت أفكر في مناظر العالم الفسيح، وبعد فترة راعني منظر آخر جديد لم أره من قبل، وهو نهر طويل يمتد من الجنوب إلى الشمال يتلوى مثل الثعبان، تكتنفه من الجانبين خضرة مستمرة، والنهر والخضرة يقعان في وسط صحراء، فسألت المضيف: ما هذا؟ فقال: ألا تعرف نهر النيل؟ قلت: أسمع عنه ولكني لم أره، قال: هو هذا.



وكنت من وقت خروجي من مطار المدينة إلى جدة ثم من وقت خروجي من مطار جدة فوق البحر الأحمر، أنظم أبياتاً من الشعر من بحر الرجز أصف فيها مشاعري في الرحلة، وأسجل ما يعرض لي، وهذه أول مرة أطل من نافذة الطائرة من الجو، فالطائرة التي أقلتني من جيزان سنة 1382ﻫكانت من نوع يسمى "داكوتا" وكانت المرة الأولى في حياتي أركب فيها الطائرة، وكنت طول الوقت أتقيأ لمدة ساعتين ونصف الساعة أو أكثر، فلم أكن أجرؤ على النظر من النافذة. وهذا نص الأبيات التي نظمتها في رحلة القاهرة:


خرجت من مدينة == نبينا الحبيبة
مودعاً أولادي == في آخر الميعاد
رافقني الأصحاب == كلهم أحباب
إلى المطار العامر == وهو من المفاخر
دخلت في الطياره == فزالت الحراره
وانتفضت وطارت == لِجُدةٍ قد سارت
وحلقت في الجو == سريعة في العدو
بدأت في القراءة == لأنها هوايتي
وفجأة مضيفنا == قال النزول هاهنا
وعادت الحراره == في خارج الطياره
وطال بي انتظار == في قاعة المطار
للسند المصدق == إلى مدير الفندق([1])
وكان خير ما حصل == أن زارني الشهم البطل
المسلم التقي == محمد الأبي
وسرت للمطار == في الموعد المختار
وهاهنا تنزل بي == مشكلة لم تحسب
إن الجواز ما ختم == ووقت سيرنا حتم
ولم أكن بعالم == بهذه المعالم
ألححت في المراجعه == واشتدت المنازعه
وأخذ الملازم == في غضب يخاصم
وصعدا لركاب == لكنهم قد آبوا
لقاعة المغادره == منتظرين الطائره
قلت لم التوقف؟ == قالوا مريض مدنف
ينقل للقاهرة == مشتشفيا للصدمة
وحصل التصريح == والشكر والتسبيح
وهذه كرامه == تتبعها السلامه
وفوق بحر الأحمر == جدت بهذي الأسطر
وبعد قطع البحر == طرنا بذات قفر
وارتكم السحاب == وانتفض الركاب
لرقصة الطائرة == وزحمة القاطرة
وفجأة بدا لنا == مرحبا نيل المنى
يمتد في تبختر == على مرور الأعصر
بجانبيه تشرب == حقوله وتطرب
ذكرت عند ذلك == قدرة ربي المالك
كما ذكرت الجنه == فالنيل منها منَّه
وقلت في خشوع == سائلة دموعي
سبحان مجري الماء == في هذه الصحراء
وموجد الثمار == في هذه القفار
فأين شكر المنعم == على جزيل النعم
وبدت القاهرة == وجالت الطائرة
ولم تزل دواره == تنتظر الإشاره
وكان ذاك بغية == تمتعا بالرؤية
فما يراه العالي == أوسع في المجال
وبدت العجائب == وزادت الغرائب
فذا قديم هاجع == وذا جديد لامع
وفي المطار المزدحم == كان المسير قد ختم
وكانت المعامله == لطيفة وعاجله
وسرت في طريقي == للأزهر العريق
نزلت بالميدان == في فندق الرضوان
واختلفت أجوائي == في هذه الأحياء
فما لِبَيْت الله == في الأرض من مُضَاهِ
وما لمثل طيبة == في الأرض من محبة
لكنها الأسفار == تفرضها الأوطار
فيا إلهي حقق == مرام كل متق
وهذه رسالتي == إلى جميع الإخوة
مسلماً وداعيـاً == وللقاء راجياً









وصفت هذه الرحلة، مع أن بينها وبين أول رحلة دعوية ست سنوات، وبينها وبين رحلة الصين هذه، أربع وعشرون سنة، ليدرك القارئ مدى رغبتي في الرحلات وعاطفتي الجياشة مع المناظر، رمالاً وجبالاً، وغابات وصحارى، وأنهاراً وبحاراً، ومباني ومدناً.. وسيجد القارئ ذلك واضحاً في جميع هذه السلسلة من الرحلات.. وكانت هذه الرحلة المصرية المحدودة، من الأسباب التي ضاعفت الرغبة في رحلات أوسع.



وحقق الله الرغبة:



نعم حقق الله الرغبة: ففي سنة 1398ﻫحيث دعاني فضيلة الأخ الكريم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، نائب رئيس الجامعة، وكنت عندئذ عميداً لكلية اللغة العربية والآداب في الجامعة[قبل أن يغير اسمها كلية اللغة العربية فقط]. وكان رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فعرض عليَّ السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لحضور (مؤتمر علماء الاجتماع المسلمين) الذي سيعقد في إنديانا بولس، فلم أتأخر عن الرد الإيجابي لحظة واحدة، إلا أنني قلت له أمهلني لأحدد خط السير، وذهبت لقراءة الخارطة العالمية ـ المسطحة والكروية ـ ثم حددت خط السير كما يلي: المدينة، جدة، لندن، نيويورك، إنديانا بولس، ديترويت، شيكاغو، لوس أنجلوس، طوكيو، هونغ كونغ، كراتشي، جدة، المدينة.



ورجوت الشيخ أن يوافق على هذا الخط، لنتمكن بعد حضور المؤتمر من زيارة هذه المناطق للاطلاع على أحوال المسلمين فيها، فتمت الموافقة وكانت رحلات عالمية ممتعة، كما كانت فاتحة لرحلات وطئت قدمي فيها جميع القارات ما عدا قارة أمريكا اللاتينية، زرت خلالها ما يقارب خمسين دولة، وما شاء الله من المدن، وركبت فيها الطائرات والبواخر والقطارات والسيارات.. وبعض البلدان زرتها أكثر من مرة.

وقد سجلت جميع زياراتي في هذه الرحلة العالمية في مذكرات يومية، وقد أفردت هذه الرحلة مع الرحلة الثانية للولايات المتحدة الأمريكية في المجلد الأول من هذه السلسلة، وعنوانها العام: (في المشارق والمغارب)



ولقد كانت كتابة هذه الرحلة. (وتم تحديثها وجمع معلوماتها وتنقيحها وطباعتها بالكمبيوتر وإدراج صور الأماكن التي زرتها، وهي المجلد الأول من هذه السلسلة) (في المشارق والمغارب) . شبيهة بالطفولة ثم تلتها رحلات مراهقة ثم الشباب ثم الكهولة، ولعلها تستمر إلى آخر الشيخوخة، أعني بذلك من حيث الكتابة واللقاءات والاقتراحات وغيرها، وسيعرف ذلك من يطلع على المذكرات مسلسلة، كان ذلك خلال أكثر من عشرين سنة.



حنين شديد وأسباب:



وكنت في كل تلك السنين أفكر ـ والشوق يملأ جوانحي ـ في زيارة الصين الشعبية، ولو أنني خيرت بين زيارتها والكف عن زيارة بقية البلدان لما ترددت في اختيار زيارة الصين، مع أني لا أرغب في انقطاع الرحلات. وكأني بالقارئ قد خطر بباله أن يقول: ولم كل هذه الرغبة التي جعلتك تفضل ترك زيارة بلدان كثيرة لتزور بلداً واحداً؟



وأبادر فأجيب: بالأسباب الآتية:



السبب الأول: شُح المعلومات الواضحة قديماً عن هذا البلد، وأقصد بالواضحة أنَّك نادراً ما ترى أمام عينيك في المكتبات كتاباً ـ باللغة العربية ـ عن الصين، لأن الصين باسمها الصريح لم يدخلها الفاتحون فاتحين، كما دخلوا غيرها من البلدان المجاورة لها، ولذا تجد الكتاب يقولون ـ مثلاً ـ لقد وصل الفتح الإسلامي إلى حدود الصين شرقاً، وإلى بحر الظلمات غرباً، لذلك لا يفكر في البحث عن معلومات عن الصين إلا الباحث الذي يضطر إلى أن ينقب في المراجع القديمة التي قد لا تخطر ببال القارئ العادي.



السبب الثاني: شُح المعلومات عن هذا البلد حديثاً، فقد عزلته الحكومة الشيوعية عن العالم عزلاً قد لا يكون سبق له مثيل حتى في أيام بناء السد المعروف عند الصينيين وغيرهم بـ(سور الصين العظيم) وسيأتي الحديث عنه.



السبب الثالث: مضي فترة طويلة من حياتي في المدينة المنورة، لم أر حُجَّاجاً أو أسمع عن حجاج وفدوا من الصين، وهذا من أثر العزلة المذكورة.



السبب الرابع: ما نسمع من بعض وسائل الإعلام من اضطهاد إخواننا المسلمين ومضايقتهم، وهدم مساجدهم وقتل علمائهم وحرق مصاحفهم... وقد أخذتُ بعض المعلومات من بعض الإخوة الصينيين في هونغ كونغ في رحلاتي المتكررة لها، حيث كانت نقطة عبور لي في عدد من الرحلات.



السبب الخامس: ما نسمعه عن الصين من أنها بلد العجائب والغرائب، ومن أهم غرائبها سورها العظيم الذي قال عنه بعض الناس: إنه سد ذي القرنين الذي وراءه يأجوج ومأجوج.



السبب السادس: أن الممنوع تشتد الرغبة فيه أكثر من غيره، كما قيل: "وحب شيء إلى الإنسان ما منعا". ولم يُعرَض عليَّ السفر إلى الصين طيلة المدة التي قضيتها في الجامعة موظفاً (35سنة) بخلاف غيرها من البلدان.



خوف ومسوغات:



وكنت مع تلك الرغبة الشديدة في زيارة الصين في خوف شديد من زيارتها للمسوغات الآتية:



المسوغ الأول: عدم وجود علاقات بين الصين وبين حكومة المملكة العربية السعودية تلك الأيام، فلا سفارة للصين عندنا، ولا سفارة لنا في الصين [وقد أنشئت فيما بعد علاقات تدريجية حتى صارت على مستوى السفارات].وسفر مواطن من بلده إلى بلد آخر لا علاقة له بوطنه مخاطرة قد لا تحمد عقباها، إضافة إلى صعوبة الحصول على تأشيرة.



المسوغ الثاني: كثرة الاضطرابات والقلاقل التي كانت تحصل في الصين وكانت تنشرها وسائل الإعلام العربية باستمرار.



المسوغ الثالث: ما كنا نسمع من موقف الحكومة الشيوعية من رقابة صارمة على الأجانب وملاحقتهم أينما حلوا وارتحلوا، وعدم السماح لهم بالاختلاط بالصينيين، لا في السكن ولا في الفنادق ولا في الأسواق، وماذا عسى أن يرغبني في سفر إلى بلد هذا شأنه، وبخاصة أن هدفي الأول من الزيارة هو الاجتماع بالمسلمين ومعرفة أحوالهم وتسجيلها كما أفعل في رحلاتي كلها، وموقف الحكومة من المسلمين بالذات كان موقف ريبة وحذر أكثر من أي طائفة أخرى؟



المسوغ الرابع: عدم معرفة أحد في البلد، لا من الصينيين ولا من غيرهم، بخلاف الحال في البلدان الأخرى في الشرق أو الغرب، فقد تعرفت قبل سفري على من يساعدني في كل البلدان التي زرتها، وحصلت على عناوين وأرقام هواتف في أوربا وأمريكا وأستراليا واليابان وغيرها، أما الصين فلا أعرف لها رأساً من ذنب!



المسوغ الخامس: ـ وهو ناتج عن المسوغ السابق ـ صعوبة التفاهم مع الناس باللغة، مَن الذي سيترجم بيني وبين صاحب الفندق، أو صاحب المطعم، أو موظف المطار، أو سائق سيارة الأجرة، أو موظف الحجز في المطار، وبخاصة أن غالب الصينيين لا يتكلمون إلا بلغتهم، والذي تعلم اللغة الإنجليزية ـ مثلاً ـ حوَّلها إلى لهجته حتى أصبحت كأنها لغة صينية [لمست هذا من الصينيين في هونغ كونغ].



وأنا ليس عندي إلا كلمات قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع لدى أهلها الأصليين، فكيف بالصينيين؟



المسوغ السادس: أن هؤلاء القوم ملحدون، لا تحل ذبائحهم للمسلم إجماعاً، وهم لا يتورعون كما سمعنا من أكل شيء يوجَد على ظهر الأرض أو في بطنها، من كلب وقط وخنزير وثعبان وعقرب وحشرات وفأر وجرذ... فماذا أصنع إذا لم أجد من ينقذني من هذه الورطة؟



المسوغ السابع: ما كنت أسمع عنه من صعوبة المواصلات، وأن الذي لا يحجز مبكراً في تنقلاته براً بالسيارة أو القطار، أوجواً، أو بحراً، قد لا يتمكن من السفر إلا بعد مشقة وانتظار.

المسوغ الثامن: أني قد أجد من يرافقني ويساعدني من الإخوة الصينيين الذين تعرفت عليهم في هونغ كونغ في بعض هذه المهمات دون بعض[كالترجمة. وإن كان الآن يوجد في المركز الإسلامي في هونغ كونغ من يجيد اللغة العربية (الإمام ونائبه) كما سيأتي].ولكني أحتاج إلى نفقات لي ولهم: سكناً وركوباً وطعاماً... ومن أين لي ذلك؟



المسوغ التاسع: عدم وجود نفقة كافية، لرحلة مجهولة العواقب.

هذه المسوغات ونحوها ـ وكل مسوغ منها كاف في الخوف من هذه الرحلة ـ جعلتني أتريث كثيراً في السفر إلى الصين في وقت مبكر.






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م