﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0101)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: دفع عدوان الكافرين.

(0101)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: دفع عدوان الكافرين.


ومن غايات الجهاد في سبيل الله دفع أعداء الإسلام من العدوان عليه وعلى أهله، فالإسلام حق وأهله أهل حق، والكفر باطل وأهله أهل باطل، والكفار لا يفتأون يصدون المسلمين عن دينهم ويؤذونهم، ولو حاول المسلمون مهادنتهم ما هادنوا، ما داموا قادرين على الصد والعدوان والفتنة.



والمسلمون - ودينهم دين الحق - لا يجوز أن يكونوا مستضعفين لأهل الكفر والنفاق، وإذا ما استضعفت طائفة منهم، فإن الواجب على إخوانهم القادرين على استنقاذهم أن يهبوا لنجدتهم ويدفعوا عنهم العدوان.



أقسام العدوان الواجب على المسلمين دفعه


القسم الأول:



أن يعتدي الكفار على فئة مؤمنة مستضعفة في أرض الكفر، لا سيما إذا لم تتمكن من الهجرة إلى بلاد تأمن فيها على دينها، فإن واجب المسلمين أن يعدوا العدة ويجاهدوا الكفار الذين اعتدوا على تلك الطائفة، حتى ينقذوها من عدوان الكفرة. وعدوان الكافرين على المؤمنين قديم أصيل، وهو كذلك دائم مستمر، وهدفهم من العدوان: الصد عن دين الله ورد المسلمين عن دينهم. قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4].




لذلك أنكر الله تعالى على المسلمين عدم قتال المعتدين، لاستنقاذ المستضعفين الذين ضاقت عليهم الأرض بسبب الاعتداء والفتنة، وهم يصرخون داعين الله أن يخرجهم من مساكن الظلمة ويطلبون منه سبحانه النصر. فقال تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً، وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} [النساء:74ـ75].



قال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} حض على الجهاد، ويتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب ويفتنونهم عن الدين. فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس، وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال، وذلك أوجب لكونها دون النفوس، إذ هي أهون منها". [جامع أحكام القرآن (5/279)].



إن المستضعفين الذين يفتنهم الكافرون في ديار الكفر، لا يعذرون في بقائهم بديار الكفر، إلا إذا أعيتهم الحيلة فلم يقدروا على الهجرة إلى بلد إسلامي، يستطيعون أن يعيشوا فيه أحراراً آمنين على دينهم وعرضهم ومالهم وأنفسهم، أو بلد آخر غير إسلامي - إن تعذر وجود بلد إسلامي - يكون أكثر أمناً من بلدهم الذي يعيشون فيه مستضعفين مفتونين.



هؤلاء الذين أعيتهم الحيل فلم يقدروا على الهجرة، معذورون في بقائهم، والواجب على إخوانهم المسلمين أن ينقذوهم من ذلك الاستضعاف وتلك الفتنة على كل حال من الأحوال، إلا إذا كان بين الكفار الذين يستضعفونهم وبين المسلمين عهد يجب الوفاء به، فلا يجوز للمسلمين نقض العهد من أجل نصر المستضعفين، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)} [الأنفال]



قال السيد محمد رشيد رضا رحمه الله في تفسير قوه عز وجل: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ...} فَأَثْبَتَ لَهُمْ مِنْ وِلَايَةِ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَقَّ نَصْرِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ إِذَا قَاتَلُوهُمْ أَوِ اضْطَهَدُوهُمْ لِأَجْلِ دِينِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا هُمْ لَا يَنْصُرُونَ أَهْلَ دَارِ الْإِسْلَامِ لِعَجْزِهِمْ. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْحُكْمِ حَالَةً وَاحِدَةً فَقَالَ: {إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} يَعْنِي إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْصُرُوهُمْ إِذَا اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ عَلَى الْكُفَّارِ الْحَرْبِيِّينَ دُونَ الْمُعَاهِدِينَ، فَهَؤُلَاءِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِعَهْدِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُبِيحُ الْغَدْرَ وَالْخِيَانَةَ بِنَقْضِ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ" [انتهى].



أما إذا كان المستضعفون قادرين على الهجرة فلم يهاجروا، فذلك دليل على وجود ضعف شديد في إيمانهم، يخشى عليهم أن يغلبهم الكفار على دينهم فيردوهم عنه. ولذلك يموتون وهم ظالمون لأنفسهم متعرضون لسخط الله تعالى، ولا يقبل الله عذرهم بأنهم كانوا مستضعفين، لأنه قد أمرهم بالهجرة إلى أرضه الواسعة. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً، إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء:97ـ99].


وهؤلاء الذين يقدرون على الهجرة ثم لم يهاجروا وهم يتعرضون للفتنة، ليسوا بمؤمنين حقاً، ولذلك حض الله المؤمنين على عدم مساواتهم بغيرهم من المؤمنين المهاجرين بدينهم، أو الذين لم يقدروا على الهجرة، فلا تكون ولايتهم تامة، بل تكون ناقصة من ثلاثة وجوه:



الوجه الأول: في المحبة فلا تكون محبتهم كمحبة الذين هاجروا أو لم يقدروا على الهجرة ولو قدروا لهاجروا.



الوجه الثاني: عدم استحقاقهم شيئاً من الفيء أو الغنيمة، ما لم يحضروا القتال.



الوجه الثالث: أنهم لا يستحقون نصر المؤمنين على الكافرين الذين يفتنونهم، إذا كان بين المسلمين وبينهم عهود ومواثيق. وقد شمل تلك الوجوه كلها، قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:72].



والخلاصة: أن من أهداف الجهاد في سبيل الله استنقاذ المؤمنين المستضعفين في ديار الكفر، وهم الذين لم يقدروا على الخروج للهجرة بدينهم، أو يقدرون ولكنهم تقاعسوا عن الهجرة ثم استنصروا بإخوانهم المؤمنين الذين لا يوجد بينهم وبين الكافرين الذين استضعفوهم عهود ومواثيق تمنع المؤمنين من قتالهم.



والصحيح أن الهجرة باقية إلى يوم القيامة، ما وجد في الأرض من يفتن المسلمين عن دينهم، وما قدر هولاء المسلمون المستضعفون على الهجرة إلى مكان يأمنون فيه على أنفسهم ودينهم وعرضهم ومالهم. أما حديث (لا هجرة بعد الفتح) [البخاري (4/72) طبع تركيا] فهو محمول على بلد يتمتع أهله بالأمن والإيمان، كما كان أهل مكة كذلك بعد فتحها.



قال سيد قطب رحمه الله: "جاهد الإسلام.. ليدفع عن المؤمنين الفتنة التي كانوا يسامونها، وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم، وقرر ذلك المبدأ العظيم:... والفتنة أشد من القتل، فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها وفتنة أهلها، أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها.. فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة، وفق هذا المبدأ العظيم، وإذا كان المؤمن مأذوناً في القتال ليدفع عن حياته وعن ماله، فهو من باب أولى مأذون في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه، وقد كان المسلمون يسامون الفتنة في عقيدتهم ويؤذون فيها في مواطن من الأرض شتى..



وقد شهدت الأندلس من بشاعة التعذيب الوحشي والتقتيل الجماعي لفتنة المسلمين عن دينهم وفتنة أصحاب المذاهب المسيحية الأخرى، كما شهد بيت المقدس وما حوله بشاعة الهجمات الصليبية التي لم تكن موجهة إلا للعقيدة والإجهاز عليها والتي خاضها المسلمون في هذه المنطقة تحت لواء العقيدة وحدها فانتصروا وحموا هذه البقعة من مصير الأندلس الأليم..وما يزال المسلمون يسامون الفتنة في أرجاء المناطق الشيوعية والوثنية والصهيونية والمسيحية في أنحاء من الأرض شتى وما يزال الجهاد مفروضاً عليهم لرد هذه الفتنة إن كانوا حقاً مسلمين" [في ظلال القرآن (3/294)].



القسم الثاني: أن يعتدي الكفار على ديار المسلمين، وقد نص الفقهاء على أن هذا القسم من الأقسام التي يتعين فيها الجهاد للدفاع عن الديار، لأن العدو إذا احتلها سام المسلمين عذاباً، ونفذ فيها أحكام الكفر، وأجبر أهلها على الخضوع له، فتصبح دار كفر بعد أن كانت دار إسلام، ولا يؤمن من إخراج الأعداء المعتدين المسلمين من ديارهم وأموالهم وأهلهم أو من قتلهم وتعذيبهم. كما أن ديار الإسلام تعتبر قاعدة لانطلاق المسلمين لجهاد عدوهم، تحمي ظهورهم إذا غزوا، وتمدهم بالمال والسلاح والرجال إذا احتاجوا، فإذا ملكها العدو أصبحت قاعدة له ينطلق منها لغزو غيرها من ديار المسلمين، ولهذا أمر الله المؤمنين بقتال من قاتلهم.



كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:190ـ192].



قال ابن قدامة رحمه الله: "ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع... الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم" [المغني (9/197)]. وقال في موضع آخر: "ومعناه أن النفير يعم جميع الناس ممن كان من أهل القتال حين الحاجة إلى نفيرهم لمجيء العدو إليهم" [المغني (9/213)].



وقال بعض علماء الحنفية: "وحاصله أن كل موضع خيف هجوم العدو منه، فرض على الإمام أو على أهل ذلك الموضع حفظه، وإن لم يقدروا فرض على الأقرب إليهم إعانتهم إلى حصول الكفاية بمقاومة العدو". [حاشية ابن عابدين (4/124)].



وإذا تأمل المتأمل حالة المسلمين اليوم، وجد أنهم في حالة يرثى لها، فكم مسلم مستضعف من الرجال والولدان والنساء، وهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، في جميع البلدان في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها في الشعوب الكافرة والشعوب المسلمة؟



قتل تزهق فيه الأنفس، وتعذيب وحشي يُقْعِد صاحبه، ونهب لأموال وهتك لأعراض، وهدم لبيوتهم على رءوسهم، وإفساد لأموالهم ومزارعهم، وحصار يمنعهم من الحصول على المأكل والمشرب والملبس والدواء، وصد لهم عن عبادة ربهم في مساجدهم، وعن التعليم في مدارسهم وجامعاتهم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يفعله أعداء الله اليهود مع الفلسطينيين، الذين ينادون إخوانهم المسلمين في الأرض يطلبون النصر والإنقاذ ويرددون: {…رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} [النساء:75]


فلا يجدون أذناً صاغية، ولا قلباً حانياً، إلا من قلة من المسلمين تكاد تتقطع قلوبهم إشفاقاً على إخوانهم المستضعفين المستعبدين، ولكنهم لا يقدرون على شيء. فأين يقع عمل المسلمين اليوم، من فقههم النظري الذي يوجب عليهم إذا سبيت مسلمة في المغرب أن يهبوا لاستنقاذها من المشرق، وإذا سبيت مسلمة في المشرق أن يهبوا لاستنقاذها من المغرب [راجع حاشية المختار لابن عابدين (4/126) وراجع قصة المرأة الهاشمية التي صاحت وامعتصماه في الكامل لابن الأثير (6/480)].



القسم الثالث: أن ينشر العدو الظلم بين رعاياه، ولو كانوا كفاراً، لأن الله سبحانه حرم على عباده الظلم، والعدل في الأرض واجب لكل الناس، وليس خاصاً بالمسلمين، وهو من المعروف الذي كلف الله المسلمين القيام به.



والظلم محرم كذلك بين كل الناس، وليس تحريمه خاصاً بالمسلمين، وهو من المنكر الذي كلف الله المسلمين دفعه وإنكاره. وإذا ترك الظلم ببقعة من الأرض انتشر في غيرها بين الناس مسلمين وغير مسلمين، لأن الظلم من الشهوات التي حفت بها النار، وذلك من الفتن التي تعم الظالم وغيره.. ولذلك قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25].


وإذا لم يدفع المسلمون الظلم عن المظلومين أثموا، لأنهم مأمورون بالجهاد في الأرض لإحقاق الحق وإبطال الباطل ونشر العدل والقضاء على الظلم، ولا فلاح لهم إلا بذلك وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما كانوا خير أمة أخرجت للناس إلا بذلك، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..} [آل عمران:110]. وقال تعالى: {… وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8].

ومن العدل كف الظلم عن المظلوم الكافر الذي يبغضه المسلم لكفره.



قال السرخسي رحمه الله: "فأما بيان المعاملة مع المشركين فنقول: الواجب دعاؤهم إلى الدين، وقتال الممتنعين منهم من الإجابة، لأن صفة هذه الأمة في الكتب المنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبها كانوا خير الأمم. [المبسوط (10/2)].

قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..} [آل عمران:110]. وقال في موضع آخر: "وإن كان - يقصد أحد ملوك أهل الحرب – طلب الذمة على أن يترك يحكم في أهل مملكته بما شاء، من قتل أو صلب أو غيره، بما لا يصلح في دار الإسلام، لم يجب إلى ذلك، لأن التقرير على الظلم مع إمكان المنع منه حرام" [المبسوط (10/85)].



وقد عقب الله سبحانه على إذنه للمؤمنين بقتال الكافرين الذين ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم بغير حق، عقب على ذلك، بأنه لولا دفعه الناس بعضهم ببعض لقضى المفسدون على كل باب من أبواب التدين والتعبد الذي هو أساس دفع الظلم والعدوان. قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج:39-40)



ثم بين تعالى أن من استحق نصره يقيم في الأرض الدين الحق، بعبادة الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي منه دفع الظلم عن المظلوم، وإن كان غير مسلم. قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:41].


ومن هنا كان أعداء الله الظلمة في كل زمان ومكان، حرباً على من يعبد الله حق عبادته، لأنه لا يخضع للظلم ولا يقره في الأرض على المظلومين، وكان من واجب المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله للقضاء على الظلم والظالمين.





القسم الرابع: الوقوف ضد الدعاة إلى الله ومنعهم من تبليغ الدعوة إلى الناس. والمسلمون مكلفون - كرسولهم صَلى الله عليه وسلم - أن يبلغوا رسالات الله للناس كافة..كما قال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة:67].



وأعداء الله لا بد صادون أولياءه عن تبليغ عباده دعوته، ولا يتركون لهم سبيلاً إلى تبليغ الناس دين الله، كما لا يأذنون للناس أن يسمعوا الدعوة إلى الله ثم يستجيبوا أو لا يستجيبوا، وإنما يصدون الدعاة عن الدعوة، ويصدون الناس عن السماع والاستجابة، ولا يرضون حتى بالمهادنة والمتاركة، إلى أن يحكم الله بينهم وبين دعاة الحق.



فقد طلب نبي الله شعيب من قومه أن يتركوا القعود في الطرقات يتوعدون الناس ويصدون المؤمنين عن سبيل الله، وطلب منهم الصبر حتى يحكم الله بينه وبينهم، فلم يكن منهم إلا الاستكبار وتهديده بإخراجه من البلد، أو أن يعود هو وأتباعه في الكفر. قال تعالى عنه: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ، وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: 86ـ88].



وإذا كان الصادون عن سبيل الله في الأمم السابقة نالوا جزاءهم بعذاب من الله مباشرة، فإن الله قد أراد أن يكون عذاب أعدائه بعد الرسالة الخاتمة، على أيدي أوليائه المجاهدين في سبيله من أمة محمد صَلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ، فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:1ـ4].



قال سيد قطب رحمه الله: "وجاهد الإسلام… لتقرير حرية الدعوة، بعد تقرير حرية العقيدة، فقد جاء الإسلام بأكمل تصور للوجود والحياة، وبأرقى نظام لتطور الحياة، جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشرية كلها، ويبلغ إلى أسماعها وقلوبها. فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولا إكراه في الدين، ولكن ينبغي قبل ذلك أن تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافة، كما جاء من عند الله للناس كافة. وأن تزول الحواجز التي تمنع الناس أن يسمعوا وأن يقتنعوا وأن ينضموا إلى موكب الهدى إذا أرادوا، ومن هذه الحواجز أن تكون هناك نظم طاغية في الأرض تصد الناس عن الاستماع إلى الهدى وتفتن المهتدين أيضاً. فجاهد الإسلام ليحطم هذه النظم الطاغية، وليقيم مكانها نظاماً عادلاً يكفل حرية الدعوة إلى الحق في كل مكان، وحرية الدعاة، وما يزال هذا الهدف قائماً وما يزال الجهاد مفروضاً على المسلمين، ليبلغوه إن كانوا مسلمين" [في ظلال القرآن (3/294)].



قلت: فإذا فرض أن سمح طغاة الكفر للدعاة إلى الله أن يبينوا للناس، الإسلام ويدعونهم إليه، وسمحوا للناس أن يستمعوا للدعوة ولم يحولوا بينهم وبين البيان والاستماع له، فإن أجابوا الدعوة ودخلوا في دين الله بدون إكراه على ذلك فبها، وإن امتنعوا عن الدخول فيه بعد سماعهم البيان، فلا حاجة حينئذ إلى قيام المسلمين بجهاد الطغاة، والذي يظهر في ظروفنا اليوم أن الكفار -في الغرب-لا يمنعون المسلمين عن الدعوة وبيان حقيقة الإسلام، مباشرة أو عن طريق وسائل الإعلام، ومنها مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن تمكين حكام بعض الدول الغربية للدعاة إلى الإسلام في بلدانهم، أفضل من تمكين بعض الحكام من المسلمين للدعاة إلى الإسلام في بعض بلدان المسلمين.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467733

عداد الصفحات العام

961

عداد الصفحات اليومي