﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0102)الجهاد في سبيل الله- نيل الشهادة في سبيل الله وتصفية الصف من عناصر الفساد.

(0102)الجهاد في سبيل الله- نيل الشهادة في سبيل الله وتصفية الصف من عناصر الفساد.

من أهداف الجهاد في سبيل الله، نيل المجاهد الشهادة من جهاده في سبيل ربه، وتصفية صف المسلمين من عناصر الفساد.



إن فوز المجاهد بنيل الشهادة في سبيل الله، هو هدف لا يصل إليه إلا من اختاره الله واصطفاه ورضي عنه، وجعله في زمرة صفوة عباده من سالكي صراطه المستقيم: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. كما قال سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} [النساء:69].



وإذا كان الشهيد ممن اصطفاهم الله، فإن من أعظم أهداف المجاهد أن ينال هذا الاصطفاء، ليفوز بالحياة السعيدة الأبدية، بعد مفارقته للحياة الفانية مباشرة. وهذا ما دعا المؤمنين الصادقي الإيمان، إلى لقاء أعداء الله في ساح الوغى راغبين في إعلاء كلمة الله، وفي لقاء ربهم سبحانه بدمائهم الطرية، وجعل الشهيد وحده هو الذي يتمنى أن يرجع إلى الدنيا مراراً، لا للبقاء بين الأهل والأحباب والأموال وغيرها مما تتعلق به النفوس قبل لقاء الله، بل ليقتل شهيداً في كل مرة، لما رأى وذاق من رضوان الله ونعيمه لمن اصطفاه شهيداً من بين المجاهدين في سبيله.



قال تعالى: {… وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:140ـ142].



وفي حديث أنس بن مالك رَضي الله عنه، عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة) [البخاري رقم: 2817، فتح الباري (6/32) ومسلم (3/1498)].



قال ابن القيم رحمه الله: "ومنها، أي بعض الحكم التي وقعت في غزوة أحد، أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة. وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء، تراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويؤثرون رضاه ومَحَابَّه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو". [زاد المعاد (2/111)].





وليس مقصود المجاهد من شهادته في سبيل الله مجرد موته في ميادين الجهاد، بل مقصوده أن ينال تلك الشهادة من أجل رفع راية الإسلام ودفع العدوان في الأرض، كما سبق في الكلام على فضل الشهادة والشهداء في أول الرسالة وإنما ذكر هنا من حيث أن الشهادة في سبيل الله هدف من أهداف الجهاد في سبيل الله.



المبحث الرابع: تصفية الصف من عناصر الفساد


المراد بالصف هنا الصف الإسلامي، وهم جماعة المسلمين الذين يطيعون الله في أمره ونهيه في وقت الرخاء ووقت الشدة، وتسميتهم بالصف للدلالة على اجتماع كلمتهم ومحبتهم ووقوفهم صفاً واحداً متراصاً مستويا، كما هو شأنهم في صلاة الجماعة التي أمر الله فيها على لسان رسوله صَلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف وإقامتها، ونهى عن التقدم أو التأخر فيها، وعن الخلل بينها، وكره صَلى الله عليه وسلم أن يصف المصلون بين السواري، حتى لا تكون بينهم حواجز وفواصل من سواهم.



ففي حديث أنس رضِي الله عنه: "عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)". [البخاري رقم 723، فتح الباري (2/209) ومسلم (1/324)].



وفي حديث النعمان بن بشير رَضي الله عنه، قال: "قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)". [البخاري رقم 717، فتح الباري (2/206) ومسلم (1/324)].



وهذه التسوية للصفوف التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في صلاتهم، هي التي يحبها الله سبحانه منهم في جهادهم في سبيل الله، وكان صَلى الله عليه وسلم يصفهم للجهاد كما كان يصفهم في الصلاة. كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف:4].


قال ابن كثير رحمه الله: "فهذا إخبار من الله تعالى بمحبته عباده المؤمنين، إذا صفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان". [تفسير القرآن العظيم (4/358)].



ثم ساق حديثاً رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضِي الله عنه، قال: "قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال) [تفسير القرآن العظيم (4/358) وأورد الحديث السيوطي في الجامع الصغير رقم 3555 ورمز له بالصحة. وهو بشرح المناوي (3/336)].



وصف الصلاة كصف القتال في سبيل الله، يميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، لأن المؤمن الصادق يقوم في صف الصلاة في المنشط والمكره، فلا يترك الصلاة في المسجد مع الجماعة ليلاً ونهاراً، إلا لعذر شرعي، بخلاف المنافق فإنه ينشط في الأوقات التي لا يثقل على الجسم فيها مفارقة الفراش، والتي يعلم أن عيون الخلق تراه فيها أكثر من غيرها، لذلك كانت أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر. كما في حديث أبي هريرة رَضي الله عنه، قال: "قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً...) [البخاري رقم 657 فتح الباري (2/141) ومسلم (1/351)].





وإن الجهاد في سبيل الله أكثر تمييزاً للمنافقين من الصلاة، لأن الصلاة مهما ثقلت عليهم، لا يكون ثقلها كثقل بذل النفس والمال، ولكنهما يشتركان في تمييز المنافقين في الجملة. ولذلك قال سبحانه: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45]. أي إن الصلاة ثقيلة على غير الخاشعين أي الخاضعين لله المطيعين له. وإذا كانت ثقيلة على بعض المسلمين لضعف إيمانهم ومعاصيهم، فإنها أثقل على المنافقين. [راجع جامع البيان عن تأويل آي القرآن (1/259ـ261)].



وشر المنافقين على المسلمين عندما يشاركونهم في صف الصلاة، أخف من شرهم عندما يظهرون مشاركتهم في القتال، لأن غاية شرهم بالمشاركة في الصلاة، أن يخدعوا المؤمنين بظنهم فيهم الخير، أما شرهم بمشاركتهم في صف القتال، فإنه يتعدى إلى خذلان المسلمين وقت الحاجة، وتثبيطهم عن الجهاد في سبيل الله.



ولهذا كان من حكمة الله سبحانه، أن جعل الجهاد كاشفاً لمخبوءات صدورهم ومكنونات ضمائرهم، فبينما تراهم يتبجحون بالإيمان وحب الله ورسوله وقت الرخاء، تجدهم يشحون بالمال والنفس، ويفرون من المعركة وقت القتال ويثبطون غيرهم عنه.



ولا قدرة للمسلمين على كشف كفرهم الباطن ونفاقهم الماكر، كشفاً كاملاً بدون ذلك، لأن الله سبحانه اختص بعلم الغيب، والنفاق من الغيب الذي تنطوي عليه الصدور، فلا يعلمه إلا علام الغيوب، فكان من حكمة ورحمته بعباده المؤمنين، أن كلفهم الجهاد في سبيله ليمحصهم من جهة، وليعلي بهم كلمته من جهة أخرى، وليفضح لهم عدوهم المندس في صفوفهم من جهة ثالثة.. كما قال سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:179].


قال القرطبي رحمه الله: "وما كان الله ليطلعكم على الغيب يا معشر المؤمنين، أي ما كان الله ليعين لكم المنافقين حتى تعرفوهم، ولكن يظهر ذلك لكم بالتكليف والمحنة، وقد ظهر ذلك في يوم أحد، فإن المنافقين تخلفوا وأظهروا الشماتة، فما كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا، فالآن قد أطلع الله محمداً عليه السلام وصحبه على ذلك" [الجامع لأحكام القرآن (4/289)].



وقال سبحانه: {الَم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1-3]



وقال ابن القيم رحمه الله: "ومنها -أي بعض الحكم التي كانت في وقعة أحد- أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت، دخل معهم في الإسلام ظاهراً من ليس معهم فيه باطناً، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق. فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبآتهم وعاد تلويحهم صريحاً، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساماً ظاهراً، وعرف المؤمنون أن لهم عدواً في نفس دورهم وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم. قال الله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ..}". [زاد المعاد (2/111)].



ولعل من الأفضل نقل ما نبه عليه سيد قطب رحمه الله من إطالة الكلام عن المنافقين في أول سورة البقرة، بخلاف المؤمنين والكافرين، لأن كلا الفريقين واضح، بخلاف المنافقين فإن ما يبطنونه يحتاج إلى كشف وبيان أكثر. قال رحمه الله: "ولعلنا نلمح أن الحيز الذي استغرقه رسم هذه الصورة الثالثة، أفسح من الحيز الذي استغرقه رسم الصورة الأولى والصورة الثانية، وذلك أن كلاً من الصورتين الأوليين - صورة المؤمنين، وصورة الكافرين - فيه استقامة على نحو من الأنحاء، وفيه بساطة على معنى من المعاني:



الصورة الأولى صورة النفس الصافية المستقيمة في اتجاهها,



والصورة الثانية صورة النفس المعتمة السادرة في اتجاهها.



أما الصورة الثالثة فهي صورة النفس الملتوية المريضة المعقدة القلقة، وهي في حاجة إلى مزيد من اللمسات ومزيد من الخطوط، كيما تتحدد وتعرف بسماتها الكثيرة.



على أن هذه الإطالة توحي كذلك بضخامة الدور الذي كان يقوم به المنافقون في المدينة، لإيذاء الجماعة المسلمة ومدى التعب والقلق والاضطراب الذي كانوا يحدثونه، كما توحي بضخامة الدور الذي يمكن أن يقوم به المنافقون في كل وقت داخل الصف المسلم، ومدى الحاجة للكشف عن ألاعيبهم ودسهم اللئيم" [في ظلال القرآن (1/45)].



وبهذا يظهر أن من أهداف الجهاد في سبيل الله تصفية صف المجاهدين من عناصر الفساد التي تكون سبباً في الخذلان والخلخلة والتثبيط، إن هي بقيت في ذلك الصف الطاهر النظيف المتراص بدونها.



وتصفية الصف الإسلامي من هذا العنصر تكون على مرحلتين:



المرحلة الأولى: معرفة صفاته التي تفضحه وتكشفه.



والمرحلة الثانية: طرده من صف المجاهدين والاحتراز من فساده وإفساده. وقد من الله على المؤمنين ببيان صفات المنافقين، وأرشد إلى طردهم والتحرز منهم.



بعض صفات المنافقين:


إن الصفات التي تميز المنافقين كثيرة جداً، في كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، وليس المراد هنا تتبع تلك الصفات ونصوصها كلها، وإنما المراد ذكر طرف من صفاتهم في هذا الباب خاصة: باب الجهاد في سبيل الله.



فمن صفاتهم: التهوين من شأن العدو، وإظهار عدم الاكتراث به، ليوحوا للمؤمنين عدم وجود خطر يستحق الإعداد والخروج للقتال، وهذه الصفة من أخطر الصفات على المؤمنين لولا توفيق الله تعالى إياهم. قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:166ـ167].


قال ابن كثير رحمه الله – نقلاً عن ابن إسحاق -: "حتى إذا كان الشوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر بن عبد الله، فقال: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم، وعندما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال" [البداية والنهاية (4/10)].



ومن صفاتهم: الإحجام عن الخروج مع المجاهدين، إذا كان في الخروج مشقة، وتمحل الأعذار الكاذبة وتأكيدها بالحلف وكثرة الاستئذان، والإقدام على الخروج إذا لاح لهم مغنم بدون خطر.



قال تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ، لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ…} [التوبة:42ـ 46]. الآيات إلى قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة:49].


وقال تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلاً} [الفتح:15]


وقال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة:81].



وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَاراً} [الأحزاب:13].


ومن صفاتهم: التشكيك في وعد الله المجاهدين بالنصر على أعدائهم. قال تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً..} [الأحزاب:12].


ومن صفاتهم ظهور الخوف الشديد كشف بواطنهم، إذا ظنوا أن الله قد فضحهم وأظهر ما في قلوبهم للمجاهدين في سبيله، إما بالآيات القرآنية، وإما بالقرائن الواضحة من تصرفهم ولا سيما وقت الابتلاء.



قال تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ} [محمد:20].


ومن صفاتهم عدم الاطمئنان ولو سمعوا أن العدو قد ذهب وابتعد عن ساحة المعارك، وتلمسهم الأخبار من بعيد. كما قال تعالى: {يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلاً} [الأحزاب:20].


ومن صفاتهم تثبيط المجاهدين في سبيل الله عن الجهاد وتعويقهم وكذلك تثبيط إخوانهم من أمثالهم في النفاق أو ضعاف الإيمان. كما مضى في قول الله تعالى عنهم: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُم} [آل عمران: من الآية167]. وقوله بعد ذلك: {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:168]. وكذا قوله: {وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَر} [التوبة: من الآية81].



وقال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلّا قَلِيلاً} [الأحزاب:18].



وقال تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ} [المنافقون:7].



وهذا من التثبيط عن الإنفاق على المجاهدين في سبيل الله، فهم يثبطون عن مباشرة الجهاد بالنفس وعن الإنفاق فيه من المال.

ومن صفاتهم تبجحهم بمناصرة إخوانهم الكفار وموالاتهم على الحياة والموت وهم كاذبون..كما قال سبحانه: {الَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} [الحشر:11-12].



وبمعرفة صفات العناصر الفاسدة، يستطيع المجاهدون في سبيل الله أن يقوا أنفسهم من سعي أهل النفاق وضعاف الإيمان، إلى الإفساد في صفوفهم والنجاة من تشكيكهم، وإشاعاتهم الكاذبة أو المعوقة عن الجهاد في سبيل الله.



بل يستطيعون تهديدهم وإيقافهم عند حدهم، وقد هددهم الله تعالى العالم بخفايا نفوسهم، وأمر رسوله صَلى الله عليه وسلم أن يطردهم من صف المجاهدين، ويشعرهم بعلمه بما هم عليه من النفاق والكذب والغش، الذي أظهره تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله، بأموالهم وأنفسهم بدون عذر.



والمنافق الذي فضحه الله تعالى بتأخره عن الجهاد بغير عذر، يحرم من الخروج في صف المجاهدين عندما يرغب في ذلك، لترجيحه انتصار المؤمنين على أعدائهم، لينال معهم نصيبه من الغنائم، ويحرم كذلك من صلاة النبي على جنازته والدعاء له بعد موته، قال سبحانه: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ، وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:83ـ84].


ففي معرفة صفات المفسدين فوائد كثيرة:



منها وقاية الصف الإسلامي من إفسادهم فيه، وتشكيكهم له أو لبعض أفراده، في نصر الله لهم، أو في مقدرته على قتال عدوه، أو التهوين من شأن العدو، فلا يغتر بهم ويحسبهم من جنده ثم يندم عندما يخذلونه وقت حاجته، بل يحرمهم من تحقيق مآربهم من تثبيط المجاهدين عن الجهاد، والفوز بالغنائم والأموال عندما يرون الفرصة سانحة لذلك دون خطر عليهم..



قال تعالى عنهم: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً} [الفتح:15]


قال ابن قدامة رحمه الله: "ولا يستصحب الأمير مخذلاً، وهو الذي يثبط الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال والجهاد، مثل أن يقول: الحر والبرد شديد والمشقة شديدة ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش وأشباه هذا.. ولا مرجفاً، وهو الذي يقول: قد هلكت سرية المسلمين ومالهم مدد ولا طاقة لهم بالكفار، والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت لهم أحد ونحو هذا.



ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار وإطلاعهم على عورات المسلمين، ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم على عوراتهم، وإيواء جواسيسهم، ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد..



لقول الله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ، لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة:46ـ47]، ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزم منعهم …. وإن كان الأمير أحد هؤلاء لم يستحب الخروج معه، لأنه إذا منع خروجه تابعاً فمتبوعاً أولى، ولأنه لا تؤمن المضرة على من صحبه" [المغني (9/201)].



وإن المتأمل في أحوال المسلمين في هذا الزمان، ليجد أن عناصر الفساد الموالية لأعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين - التي تثبط المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، وتزهدهم في الخروج إليه بشتى الوسائل وأنواع الأساليب، والمرجفة بينهم والمقللة من شأن المسلمين وقوتهم والمشككة في قدرتهم على الوقوف أمام أعداء الإسلام، والمعينة للكافرين بالتجسس على المسلمين للكافرين والموقعة للعداوة بين المسلمين- هي الغالبة في الأرض.



إن عناصر الفساد التي هذا شأنها وهذه صفاتها، أصبحت أكثر عدداً في جيوش الشعوب الإسلامية إلا ما شاء الله، وهذا من أهم الأسباب التي ذل بها المسلمون، وسيطر بها عليهم الكافرون، وسيكون هذا هو دأبهم إلى أن يصفي الله صف المسلمين فينفي منه الخبث، ويبقى المؤمنون الصادقون ولو قلوا متميزين عن المنافقين.



والمؤمنون الصادقون - ولو قلوا - هم الذين ينصرهم الله تعالى على عدوه وعدوهم، وليس الغثاء الذي يصعب التمييز بينه وبين أعداء الله من الكافرين. قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ..} [آل عمران: من الآية179].



قال الحافظ ابن حجر رحمه الله بمناسبة الكلام على إصابة المسلمين يوم أحد: "ومنها - أي من الفوائد - أن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة كما تقدم في قصة هرقل مع أبي سفيان، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائماً دخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائماً لم يحصل المقصود من البعثة فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميز الصادق من الكاذب.. وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفياً عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول، عاد التلويح تصريحاً وعرف المسلمون أن لهم عدواً في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم. [فتح الباري (7/347)].



فلا بد للمسلمين أن يبتلوا حتى يخلو صفهم من الخبث الذي يعوقهم عن الجهاد في سبيل الله، فيواجهوا عدوهم على حقيقتهم كيفما كانوا، فيثبتون كالجبال الرواسي، فينالون من ربهم ما وعدهم به من النصر، ويصطفي من شاء منهم شهيداً، وقد خنس المثبطون والمرجفون وباءوا بالخيبة والخسران.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467572

عداد الصفحات العام

800

عداد الصفحات اليومي