﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0103)الجهاد في سبيل الله-المبحث الخامس: مقارنة بين أهداف الجهاد و غيره

(0103)الجهاد في سبيل الله-المبحث الخامس: مقارنة بين أهداف الجهاد و غيره


إن الذي رزقه الله الإنصاف والعدل، إذا قارن بين الأهداف التي شرع من أجلها الجهاد، مما ذكر هنا وما لم يذكر، وبين أهداف أنواع القتال الأخرى، ليظهر له جلياً أن الجهاد في سبيل الله رحمة أرسلها الله للناس كالإسلام، وكلف أولياءه القيام به لتعم رحمته العالمين، وإن العالم كله، لو علم الخير الذي أراده الله له من شرع الجهاد وعقد الألوية وإعداد العدة، لو علم العالم كله ذلك الخير الذي أراده الله، وأنصف لما كان حرباً على أولياء الله المجاهدين، بل لكان عوناً ونصيراً لهم، ولو لم يدخل في دين الإسلام، لأن الغاية من الجهاد لو تحققت أسعدت البشرية كلها في الدنيا وجزاؤها عند ربها في الآخرة.



وقد حصل ذلك فعلاً عندما رأى الناس تلك السعادة تغمر شعوبهم بفتوح المسلمين، ففضلوا أن يستظلوا بعدل الفاتحين وحكمهم، على حكم ملوكهم وعظمائهم الذين كانوا يعتبرون الشعوب عبيداً ذليلة لهم، كما سجل ذلك التاريخ، وقد مضت له أمثلة قريبا.



فإذا ما رجع الباحث إلى الهدف العام للمجاهدين في سبيل الله، والهدف العام للمقاتلين من الكفار وجد أن هدف المجاهدين المسلمين هو إرضاء الله بسلوك سبيله وصراطه المستقيم لإعلاء كلمته، ووجد أن هدف الكفار من قتالهم هو تمكين الطاغوت في الأرض لإرضاء الشيطان وسلوك سبله التي تُسخط الله وتشقي البشركما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} [النساء:76].


والمجاهدون إنما يبذلون نفوسهم وأموالهم، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن ظلم الطغاة إلى عدل الإسلام.



أما الكفار فإنهم يقاتلون لإخراج الناس من النور إلى الظلمات، ومن العدل إلى الظلم، وهؤلاء أهل الكتاب الذين شرفهم الله بإنزال كتبه وإرسال رسله، يكفرون بربهم ويحسدون من آمن به، ويتمنون أن يخرجوا من ذاق حلاوة الإيمان وعدل الإسلام، إلى مرارة الكفر وظلمه. قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:109].


وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:7-13].


تأمل: إن الكفار لا أحد أظلم منهم، لأنهم يفترون الكذب على الله في حال كونهم يُدْعَوَن إلى الإسلام، وهدفهم إطفاء نور الله والتمكين لظلمة الكفر. والمسلمون يبذلون أنفسهم وأموالهم لله تعالى لا لشيء آخر، وهدفهم إظهار دين الله ولا يريدون إلا رضوان الله وثوابه في الآخرة، وإذا نصرهم الله على عدوهم فهو فضل منه، فأين هدف أعداء الله من هدف أوليائه.



المجاهد في سبيل الله يقاتل وهو يردد: (الله مولانا ولا مولى لكم) والمقاتل في سبيل الطاغوت يقاتل وهو يردد: "اعل هبل"، ولكل زمان هبله – كما في حديث البراء بن عازب: "قال أبو سفيان يوم أحد: "أعل هبل"، فقال النبي صَلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) قالوا: ما نقول، قال: (قولوا الله أعلى وأجل). قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صَلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) قالوا ما نقول، قال: (قولوا الله مولانا ولا مولى لكم) [صحيح البخاري رقم 4043، فتح الباري (7/349)].



والمجاهدون هدفهم من جهادهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعمارة المساجد وحماية دور العبادة من التخريب والاعتداء، بخلاف المقاتلين من غير المسلمين، فإن هدفهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف وإشاعة الظلم وتهديم دور العبادة في الأرض. قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71]. وقال عز وجل: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18].


وقال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:40-41] وقال عن أعدائه: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة:17]. وقال: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة:67].


والمجاهدون في سبيل الله لا يدفعهم إلى الجهاد الطمع في الدنيا وأعراضها، ولا حب التسلط والأمجاد الشخصية والعصبيات القومية ولا غير ذلك، لأنهم يجاهدون في سبيل الله لا في سبيل غيره، وإذا التفت بعضهم إلى شيء من تلك الأمور فخالط قصدُها إخلاصَه، ذكَّره الله بهدفه الأساسي، زاجراً له من أن يخرج عنه إلى غيره. وكان المسلمون قبل غزوة بدر يتوقون إلى العير المحملة، راغبين في أن يغنموها دون لقاء عدوهم الكافر، ولكن الله تعالى ذكَّرهم بأن لقاء العدو خير لهم، وإن كانوا قلة وعدوهم كثيراً. قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال:7].


وعندما اختلفوا في أمر الغنائم، ذكَّرهم الله فأمرهم بتقواه وأسند حكم الغنائم إليه، ليتجردوا من أي قصد غير قصد وجهه تعالى. فقال: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال:1].


والمجاهد في سبيل الله يجب أن يقبل من عدوه الذي يحاربه في المعركة إسلامه بمجرد إعلانه له، وليس له أن يقتله ويأخذ سلبه متأولاً أنه إنما أسلم متعوذاً، وإن كان لا بد من التثبت من صحة إسلامه بالتزام شرائعه، ولهذا نهى الله المجاهدين عن رد إسلام عدوهم في المعركة وأمرهم بالتثبت. فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء:94].


وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رجل: في غُنَيمَةٍ له فلحقه المسلمون، فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته. فأنزل الله في ذلك إلى قوله: {..عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..} [ الحديث رقم 4591 وهو في فتح الباري (8/258) والآية من سورة النساء: من الآية94]. قال الحافظ: "وفي الآية دليل على أن من أظهر شيئاً من علامات الإسلام، لم يحل دمه حتى يختبر أمره". [الفتح (8/259)].



بل قال بعض فقهاء الإسلام: إن من قتل من أظهر إسلامه قتل به قصاصاً..قال القرطبي رحمه الله: "والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله، فإن قال: لا إله إلا الله لم يجز قتله، لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله، فإن قتله بعد ذلك قتل به، وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام، وتأولوا أنه قالها متعوذاً وخوفاً من السلاح وأن العاصم قولها مطمئناً، فأخبر النبي صَلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها، ولذلك قال لأسامة: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا) ؟! أخرجه مسلم". [الجامع لأحكام القرآن (5/338) ورقم الحديث في صحيح مسلم (96)].



وأنكر الله سبحانه على رسوله أن يأخذ الأسرى من أعدائه، قبل أن يقضي على شوكتهم قضاء لا يقدرون بعده على الصد عن سبيل الله، حتى لا يطمع المسلمون في أسر أعدائهم وتشوب نياتهم شائبة الطمع في الغنيمة، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:67].



وقد كان المجاهدون من السلف الصالح، يلتزمون التزاماً كاملاً بهذه الأهداف التي يشملها كلها هذا القيد الملازم للجهاد: (في سبيل الله). وبقراءة هذه القصة المشتملة على الحوار الذي جرى بين بعض الصحابة رضِي الله عنهم، وبعض قادة الكفر يظهر هذا المعنى جلياً.."بعث رستم - أيام القادسية - إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه، فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضِي الله عنهم، فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: "إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا".



فقال له المغيرة: "إنا ليس طلبنا الدنيا وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً قال له: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم بهم منهم وأجعل لهم الغلبة ماداموا مقرين به وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عزَّ". فقال له رستم: فما هو؟ فقال: "أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به، فشهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله والإقرار بما جاء من عند الله". فقال: ما أحسن هذا وأي شيء أيضاً؟، قال: "وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله". قال: وحسن أيضاً، ثم قال رستم: أرأيت إن دخلنا في دينكم ترجعون عن بلادنا؟ قال: "إي والله لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة"، قال: وحسن أيضاً" [البداية والنهاية لابن كثير (7/39)].



تأمل في أي شيء يفكر المسلم المجاهد في سبيل الله وما هدفه من جهاده؟ وتأمل في أي شيء يفكر الكافر وعلا م يخاف؟ ظن رستم أن المسلمين جاءوا من أجل لقمة العيش وفتات الدنيا، فكان أول ما وعد به المسلمين أنهم إذا رجعوا لم يمنعوا تجارتهم من الدخول في البلاد، وذكرهم بأنهم كانوا يحسنون إليهم ويكفون عنهم الأذى، فأجابه المجاهد أن همنا ليس الدنيا وإنما الآخرة، وبين المجاهد أن هدف الجهاد هو إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله.



وظن الكافر أن المجاهدين قد يكون هدفهم أن يحكموا الناس إذا دخلوا في دينهم ويسيطروا على بلادهم، فسأل أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا، فأجاب المجاهد جواباً مؤكداً بالقسم، بأنهم يرجعون ولا يقربون بلادهم، إلا لتجارة أو حاجة.. هذه هي أهداف الجهاد في سبيل الله، وهكذا طبقها المجاهدون، وسيطبقونها في كل وقت ما داموا مجاهدين حقاً في سبيل الله.



وهذه المعاني التي اشتملت عليها أهداف الجهاد في سبيل الله مندرجة هي وغيرها في هذا القيد: (في سبيل الله). قال المودودي رحمه الله: "لكن الجهاد الإسلامي ليس بجهاد لا غاية له، وإنما هو الجهاد في سبيل الله، وقد لزمه هذا الشرط لا ينفك عنه أبداً، وذلك أيضاً من الكلمات التي اصطلح عليها الإسلام، لتبيين فكرته وإيضاح تعاليمه، كما أشرت إليه آنفاً.. وقد انخدع كثير من الناس بمدلوله اللغوي الظاهر، وحسبوا أن إخضاع الناس لعقيدة الإسلام وإكراههم على قبولها هو: (الجهاد في سبيل الله) وذلك أن ضيق صدورهم وعدم اتساع مجال تفكيرهم، يعوقهم أن يسموا بأنفسهم فوق ذلك ويحلقوا في سماء أوسع من سمائهم.



لكن الحق أن (سبيل الله) في المصطلح الإسلامي، أرحب وأوسع بكثير مما يتصورون وأسمى غاية وأبعد مراماً مما يظنون بها ويزعمون، فكل عمل تقوم به المصالح العامة وسعادة المجتمع ابتغاء لمرضاة الله، لا تريد به مغنماً أو مكسباً في الحياة العاجلة، فهو في سبيل الله، في نظر الإسلام..." إلى أن قال: "فما قَيَّد الشارعُ الجهادَ بهذا الشرط، إلا للدلالة على هذا المعنى. والذي يتطلبه الإسلام أنه إذا قام رجل أو جماعة من المسلمين تبذل جهودها وتستنفد مساعيها، للقضاء على النظم البالية الباطلة وتكوين نظام جديد حسب الفكرة الإسلامية، فعليها أن تكون مجردة عن كل غرض مبرأة من كل هوى أو نزعة شخصية، لا تقصد من وراء جهودها وما تبذل في سبيل غايتها من النفوس والنفائس، إلا تأسيس نظام عادل يقوم بالقسط والحق بين الناس، ولا تبتغي بها بدلاً في هذه الحياة الفانية، ولا يكون من هم الإنسان خلال هذا الكفاح المستمر والجهاد المتواصل لإعلاء كلمة الله، أن ينال جاهاً وشرفاً أو سمعة وحسن أحدوثه". [الجهاد في سبيل الله ص16ـ17ـ18].



أما غير المسلمين فإنهم لا يحملون السلاح إلا للصد عن سبيل الله، والاستعلاء في أرض الله على خلق الله، ونهب الخيرات والاستئثار بها دون غيرهم، وإكراه البشر على الخضوع لهم والذل بين يديهم، وتسخيرهم لأغراضهم وأهوائهم، ويشمل ذلك كله وغيره من أطماع أهل الكفر قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوت} [النساء: من الآية76].



قال السيد رشيد رضا رحمه الله: "والذين يقاتلون في سبيل الشيطان، يطلبون الانتقام والاستعلاء في الأرض بغير الحق، وتسخير الناس لشهواتهم ولذاتهم". [المنار (5/260)].



وقال سيد قطب رحمه الله، مقارناً بين أهداف المجاهد المسلم والمقاتل الكافر: "فالإسلام لا يعرف قتالاً إلا في هذا السبيل لا يعرف القتال للغنيمة، ولا يعرف القتال للسيطرة، ولا يعرف القتال للمجد الشخصي والقومي، إنه لا يقاتل للاستيلاء على الأرض، ولا للاستيلاء على السكان، لا يقاتل ليجد الخامات للصناعات والأسواق للمنتجات، أو لرؤوس الأموال يستثمرها في المستعمرات وشبه المستعمرات.. إنه لا يقاتل لمجد شخصي ولا لمجد بيت ولا لمجد طبقة ولا لمجد دولة ولا لمجد أمة ولا لمجد جنس، إنما يقاتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله في الأرض، ولتمكين منهجه في تصريف الحياة ولتمتيع البشرية بخيرات هذا المنهج الرباني الإنساني العالمي العام. وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل الله بقصد إعلاء كلمة الله وتمكين منهجه في الحياة، ثم يقتل يكون شهيداً وينال مقام الشهداء عند الله. وحين يخرج لأي هدف آخر غير هذا الهدف، لا يسمى شهيداً ولا ينتظر أجره عند الله، بل عند صاحب الهدف الآخر الذي خرج له، والذين يصفونه حينئذ بأنه شهيد يفترون على الله الكذب، ويزكون أنفسهم أو غيرهم، بغير ما يزكي به الله الناس افتراء على الله". [في ظلال القرآن (5/707)].



وها هي دول الكفر اليوم تستعبد الشعوب الضعيفة في العالم، وتنهب خيراتها، وتربي أبناءها على السمع والطاعة لها، فإن لم تصغ لها تلك الشعوب طواعية، سلطت عليها أسراب سلاحها وجيوشها، وأرغمتها قهراً على الخضوع لها والاستسلام لها، بل وأكرهت أبناءها على الدخول في عقائدها، عن طريق وسائل التعليم ووسائل الإعلام التي أعدتها لتحقيق أهدافها.



ولا يخفى ذلك على أحد، وفي غزو روسيا الشيوعية لشعب أفغانستان ما يوضح أهداف الكفر، وفي استغلال دول الغرب كأمريكا، ما يوضح كذلك أهداف الكفر، إلا أن الأول في صورة حرب، والثاني في صورة سلم وكلاهما حرب وإن لم يشعر بها من تبلد حسه وفقد عزته.



تعقيب


كنت كتبت الأسطر السابقة قبل أكثر من عشرين عاما، وفي هذا اليوم هو الثامن عشر من شهر ذي القعدة من عام 1423هـ ـ 21/1/2003م وأنا أراجع هذا الكتاب لإعداده لطبعته الثالثة، أشاهد ويشاهد العالم كله، جحافل القوات الأمريكية، البرية والجوية والبحرية، في كل أنحاء الأرض، من أجل السيطرة على العالم، ولم تخل دولة من دول العالم، من جيوشها واستخباراتها، وقد احتلت أفغانستان وأرست فيها قواعدها، ونَصَّبَت عليها حكومة زفتها إلى كابل بدباباتها، وهي تقتل المدنيين وتدمر القرى، وتشرد السكان، وتأسر من تريد وتعذب من تشاء.



وقد حشدت جحافل جيوشها في المنطقة العربية وما جاورها، وسيطرت عليها سيطرة تامة، وبخاصة منطقة الخليج التي تريد الانطلاق منها لتدمير شعب العراق المسلم، بزعم نزع الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وهي في الحقيقة إنما تريد تحقيق الأهداف الآتية:



الهدف الأول: الفضاء على أي قوة عسكرية في هذه الدول.



الهدف الثاني: السيطرة على المنطقة كلها واحتلالها عسكريا.



الهدف الثالث: زيادة تمزيق الدول العربية وتغيير جغرافيتها، وتعميق النزاع والشقاق بين زعمائها.



الهدف الرابع: تقوية الدولة اليهودية المغتصِبة للأرض الإسلامية المباركة، سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا وعسكريا، لتتمكن من الثبات في المنطقة والسيطرة على المنطقة كلها، ولتتحقق لها دولتها الكبرى (من النيل إلى الفرات)



الهدف الخامس: تغيير هوية الأمة وإفساد عقيدتها وأخلاقها، وتشويه تاريخها، وتغيير مناهج تعليمها وحذف أي نص من القرآن أو السنة أو السيرة النبوية، أو كتب العقيدة وكتب الفقه، يُبْقِي للدارسين شخصيتهم واستقلال فهمهم لدينهم و قدرتهم على الوقوف ضد أعدائهم، حماية لدينهم وبلدانهم وعزتهم.



ومن أهم المواد التي يريد الأمريكان حذفها من تلك المناهج "الجهاد في سبيل الله" و "الولاء والبراء" و كل ما يتعلق بمفاسد اليهود وعدوانهم، والإشارة إلى أنهم أعداء محتلون للأرض العربية الإسلامية، بل وحذف اسم الجامعة العربية المشلولة، وإطلاق جامعة الشرق الأوسط عليها، لتتمكن الدولة اليهودية، من عضويتها التي تتيح لها قيادة بقية أعضائها من الدول العربية.



وإن هذا الهدف، لهو أهم الأهداف التي تريد أمريكا تحقيقها من حملتها الظالمة...

فليقارن المنصف العادل بين أهداف الجهاد في سبيل الله، الذي يحصر نشاط أهله، قتالا كان أو غيره في إعلاء كلمة الله في الأرض، وإخراج الناس من الظلمات على النور، ويحظر عليهم الظلم والعدوان بغير حق، ولو كان على أعدائهم، وبين نشاط زعماء الكفر قتالا كان أو غيره، ليرى إقامة الجهاد في سبيل الله، رحمة للعالم كله، وأن نشاط زعماء الكفر، هو نقمة على شعوبهم وعلى العالم كله. انتهى التعقيب.



ثم هاهي أمريكا الصليبية اليوم، ابتداء من 17/1/1424هـ ـ 20/3/ 2003م قد شنت غاراتها الظالمة، بجميع أنواع أسلحتها على الشعب العراقي المسلم، تدمر كل ما عليه من مرافقه، وبخاصة عاصمة الخلافة الإسلامية "بغداد" وتقتل الناس دون تفريق بين عسكري ومدني، وصغير وكبير، ورجل وامرأة، بل إنها ترمي أطنان القنابل وأنواع الصواريخ المدمرة، على المسلمين في أوقات الصلاة، تصبحهم وتمسيهم، من الفجر إلى العشاء، والعالم يسمع المصلين في المساجد في الفضائيات، وهو يستغيثون ربهم، الذي لا ناصر لهم سواه.



فقد تواطأ على العدوان على هذا الشعب الصليبيون واليهود، وأولياؤهم من ذراري المسلمين، سرا وعلنا، غافلين عما تخططه دولة طاغوت العصر، للبلدان الإسلامية، وبخاصة العربية منها، وبالأخص أرض الرسالات، من هيمنة عليها واستئثار بخيراتها، وحرب لدينها، وتحطيم لأخلاقها، وقضاء على شخصيته، وطرد لكل زعيم لا ينفذ أوامرها، واليوم وأنا أنشر هذا الموضوع في الشبكة العالمية "إنترنت" مضى أكثر من ثلاث وثلاثين عاما، وأمريكا تدمر هي وحلفاؤها البلدان الإسلامية بمدنها وقراها ومرافقها، ومساجدها، وتقتل ساكنيها وتهجرهم من ديارهم، بدون رحمة بالمدنيين من أهلها، بما فيهم النساء والشيوخ والأطفال... فإلى الله وحده القادر على دفع عدوان المعتدين المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467480

عداد الصفحات العام

708

عداد الصفحات اليومي